فيديو.. خالد أبوبكر يكشف تفاصيل عن جناح مصر بقمة الاستثمار الإفريقى البريطانى    البنك المركزي: خفض تكلفة الاقتراض يقلص أعباء الدين بقيمة 280 مليار جنيه سنويا    3 وزراء يشاركون في انطلاق مبادرة «مراكب النجاة» بالبحيرة الثلاثاء    لسوء الأوضاع.. محافظ الغربية يستبعد رئيس حي أول المحلة    قيس سعيد يكلف وزير المالية السابق بتشكيل الحكومة    برشلونة ضد غرناطة.. سيتين يوجه الشكر للبارسا بعد تعيينه ب7 أيام    مجلس الصيد يدعم فريق الجودو قبل المشاركة في البطولة العربية    أحكام مشددة لعصابة خطفت طفل وطلبت فدية مليون و 200 ألف جنيه    تجديد حبس تشكيل عصابى لسرقة السيارات ومساومة مالكيها على إعادتها    شاب يتخلص من حياته بطلقة في الرأس بطهطا    علقة موت.. حبس أب بلا قلب قتل طفلته بسبب ضياع الشراب    لأول مرة.. محمد رمضان يغني مع مطربة في "كازانوفا"(فيديو)    فيديو.. حفيد مفيدة عبد الرحمن يكشف تفاصيل حياة جدته العائلية والعملية    بعد تداول صور عيد الميلاد.. "رواد السوشيال": "العوضي" يصغر ياسمين عبدالعزيز ب8 سنوات    وزير التعليم العالي: افتتاح القصر العيني بعد التطوير أبريل المقبل    أستاذ أمراض صدرية: فيروس الصين الغامض انتقل لهذه الدول    الليلة.. رضا سيكا ضيف برنامج «الماتش»    الحضرى وميلا يتصدران قائمة أساطير أفريقيا فى نهائيات كأس العالم    طاقم حكام مغربي لمباراة الإسماعيلي والاتحاد السكندري    شباب مبادرة رؤية مصر 2030: حريصون على التواصل مع مؤسسات الدولة    محافظ الدقهلية: 2500 صندوق جديد تنضم لمنظومة النظافة    مصدر مصرفي: تراجع تكلفة أذون الخزانة يوفر 280 مليار جنيه للموازنة العامة    صور .. الباحثون والعاملون بمحطة البحوث الزراعية بالخارجة يستغيثون بالمسؤولين    أمطار ورياح.. الأرصاد تعلن طقس غد الثلاثاء    "السيسي وَعَد فأوفَى".. بعد 57 سنة متضررو بناء السد العالي يشيدون بجهود الرئيس    محافظ أسيوط يزور دير السيدة العذراء بدرنكة لتقديم التهنئة بمناسبة عيد الغطاس|صور    سلطات الاحتلال تقرر هدم 18 منزلا في مسافر يطا جنوب الخليل    رانيا يوسف تخطف الانظار بالعرض الخاص لفيلم دماغ شيطان.. فيديو    تامر أمين: أردوغان كان منبوذا في مؤتمر برلين    عاصي الحلاني عن هايدي محمد: صوتها رائع وموهبتها فريدة    استطلاع بولاية أيوا يظهر تقدم بايدن في سباق ترشيح الحزب الديمقراطي    تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين تنظم الصالون الثقافي الثالث حول الأزمة الليبية    رئيس سلوفينيا يتسلم أوراق اعتماد سفير السعودية الجديد    خبير يوضح حقيقة إلغاء سياحة الولادة في أمريكا.. فيديو    نيمار يستفسر من لاعبي برشلونة عن رأيهم في مدرب الفريق الجديد    ضبط مبيدات زراعية غير مطابقة للمواصفات بالفيوم    زاهي حواس سفيرًا لمعرض القاهرة للكتاب    قبلة لبراد بيت ووفاء خواكين لهيث ليدجر.. إليكم ما حدث في حفل جوائز SAG 2020    ما حكم بناء المقابر على طابقين؟.. مركز الأزهر يجيب    أم تطرد بنتها المطلقة وتتهمها بسرقة مبلغ من المال فما الحكم؟    بالصور والمستندات ..قرارات فصل ومجلس إدارة جديد في إجتماع الجمعية العمومية للنقل والمواصلات    الدعم النقدى المشروط.. عدالة أم مناورة؟    شاهد| فعاليات احتجاجية في لندن رفضًا لزيارة المنقلب    شباب الأهلي يفوز على النصر برباعية وديا    «النقض»: 28 يناير نظر الطعن على براءة حبيب العادلي في الاستيلاء على أموال الداخلية    محافظ الدقهلية يوافق على تخصيص 6 مليون جنيه لشراء مستلزمات طبية بمستشفيات الإقليم    الخطيب يدعم فريق سلة الأهلي    7 توصيات لورشة عمل الاجراءات العاجلة في الدعوى الإدارية    وزير الأوقاف يهدي نظيره الموريتاني أحدث إصدارات الوزارة العلمية    الصحة توافق على تنفيذ مشروع ربط مستشفى أسيوط الجامعي بالوادي الجديد    لاتهامه بنشر شائعات على مواقع التواصل الاجتماعى.. تجديد حبس متهم 15 يوما    الأمير هاري حزين لتخليه عن واجباته الملكية    موعد مباراة الهلال والفيصلي في الدوري السعودي للمحترفين والقنوات الناقلة    دار الإفتاء: تدريب وتأهيل الأطفال والشباب من الفقراء يعد أهم أولويات مصارف الزكاة    إيران: ظريف لن يحضر منتدى دافوس لأن المنظمين «غيروا جدول الأعمال»    جامعة أسيوط تطلق مؤتمرها الدولى الحادى عشر للأورام بمشاركة خبراء عرب وأجانب فبراير المقبل    هارفارد الأمريكية تصنف «القرآن الكريم» كأفضل كتاب يحقق العدالة    هل يجوز إقامة العزاء ثلاثة أيام؟    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





ل،و،س،ى

اسمى لوسى، لا، لا ينتهى بحرف «الياء». ظللت طيلة حياتى أصحِّح هذا الاسم، منذ ذلك الحين لم يعد اسمى يُنطق كما سمعته، واستجبت له مثل حيوانٍ صغير أليف (مثل القطة) وتعلمت أن أُطيل نطق الحروف الساكنة والحروف المتحركة بشكل متصل: ل،و،س،ى.
هذا الإصرار ليس له علاقة بالهوية، فالبحث المزعوم عن الهوية يصيبنى بالسأم، أعرف من أنا. وأنت تعرف تماماً من أكون: كل طرف من أظفار أصابع قدميك، كل خاطرة تمر بك تحتقظ بها لنفسك. كل رأى تعبر عنه هو بمثابة مسار ما من مسارات حياتك، ومن هنا تشعر بالمسئولية.
أصحَّح حروف اسمى لأننى محامية، واعتدت على التدقيق فى اللغة، ففى المستندات القانونية، الخطأ فى وضع الفاصلة يُمكن أن يغير القصد الذى عُنِى فى الحكم، ويؤدى إلى مرحلة جديدة من مراحل التقاضى. التحذلق عادة من عاداتى، فى الواقع فى تلك الحالة يتولد ببساطة خطأ املائى آخر.
تمت تسميتى باسم جدة أبى الإيطالية، والنطق الإيطالى الصحيح للاسم هو لوسيّا. لم يكن ذلك الاسم يُشكل مغزى لدى، إلا عندما رأيت اسمها مكتوب فوق قبرها: لوسى.
كنت أقضى إجازة فى إيطاليا مع أبى. وكانت أمى قد ماتت منذ عدة شهور، كانت تلك الإجازة هى إحدى الإجازات التى يحصل عليها المرء بعد وفاة زوجته، عندما يرى الزوج، الذى مايزال على قيد الحياة، فى الابنة (المرأة الشبيهة) التى ستُخرجه من حزنه الحالى، وتستبدله بالماضى وببلدٍ آخر، ستحميه من دنو الموت وتعيده إلى خضم الحياة. (أتمنى أن يكون أبى قد فهم أن هذا الوضع يحدث مرة واحدة، إنه مِنحة مؤقتة منى.) جعلته يصدق بأن كأس الموت يتذوقه الجميع، كان يستعيد شيئاً من خلالى، بأن يأخذنى إلى القرية التى كان يعتبرها مسقط رأسى. أمضى السنوات الخمس الأولى من حياته فى كنف تلك الجدة بعد أن تركه والداه لها، وعلى الرغم من أنه هاجر معهما إلى إفريقيا، فإن ارتباطه بها لم يكن له بديل. بعد زمن طويل سواء كان اقتراحاً من أمه أو من أى شخصٍ آخر قام بتسمية ابنته باسمها.
سافرت إلى أوروبا مرات عديدة مع أمى، كنت أزورها كل عام تقريباً.
« لماذا لم تأتِ إلى هنا من قبل؟» هكذا سألته عندما جلسنا فى المرعى المنحدر، والذى كان يعتبر مزرعة عائلة جدته وأخواتها العذراوات. البيت الريفى الذى أمضى سنوات العقيدة المسيحية الحاسمة قد تم بيعه، بعد تجديد الشرفة ببلاط وردى وأخضر وأسوار حديدية وخزانات مياه من الجيرانيوم الأحمر، التى كان يفضلها الحرفيون الناجحون، لأنها تواكب التطور الذى وصل إلى القرية. كان المنزل خلفنا، كدنا ننساه، كاد أن ينسى شجرة التوت التى كانت تلقى بظلها على المرعى مثل قبعة من القش، عندما كانت الشمس تسحب أشعتها، كانت الشجرة تلم حوافها. لم يجب على سؤالى بشكل طبيعى، وإنما بوابل من صياح يتردد من وإلى التلال بصدى صوت يمزّق ستار الهدوء، بينما تطايرت شظايا سؤالى فوق رطوبة العشب المتبخرة.
كانت وحدات من الجيش تجرى تشكيلاً لإطلاق النار فى عمق الغابات، مثل طائرة عابرة فى السماء تخترق نسيج الصمت النموذجى، تلك الطلقات أوقفت ديمومة الحياة، وكذلك العواطف المتأججة ومسارات القذائف ومنازل الرغبة. أرادت أمى أن تذهب إلى معارض الفن والمسارح فى المدن الأوربية الكبيرة، بينما شعر هو بالرضا لدعوته ليلقى كلمات فى مؤتمرات تُقام فى هونج كونج وتورونتو، كانت هناك حروب عامة وحروب خاصة بالاستحواذ، لأننى أعرف أن قصص الحب هى التى جعلته يبقى بعيدا. أخفى كل ذلك عنى، مثلما يفعل كل الآباء للمحافظة على صورة مناسبة لهم أمام أبنائهم. أراد عندئذ أن أدخل حياته، أن أقتحمها، كما لو أنها كانت مألوفة لى دائما.
أقمنا فى فندق البيرجو، الفندق الوحيد فى القرية، كنا نتناول الطعام فى الحانة المظلمة بين رءوس الجياد المرفوعة والماعز الجبلى. جيء بأم صاحب الحانة لتقابل أبى، التى ادعت بأنها تتذكره وهو طفل صغير. عندئذ شهقت، وتذكرت الشقيقات الثلاث اللاتى كن آخر من بقى على قيد الحياة من أفراد عائلة، كانت جزءا لا يتجزء من القرية لفترة طويلة جدا، لدرجة أن- أن ماذا؟ كان أبى يترجم لى، لكن بتردد، لأنه لم يتبق لديه الكثير من اللغة الايطالية كى يتذكره. كانت أم جدته تربى دود القز، تطعمه من أوراق التوت الذى تقتطفه من أشجارها، وتنسج الحرير الذى يعتبر جزءا من الصناعة اليدوية التى كانت تتميز بها المنطقة، قبل أن يستحوذ الشرق على سوق الحرير. كان ميدان الكنيسة الذى يتذكره بوضوح وهو يلعب فيه موجوداً هناك، ولازالت الراهبات مسئولات عن إدارة مدرسة الأيتام، التى ظن أنه ربما يكون قد دخلها لعدة شهور. ربما كان يشعر بالتعاسة فى المدرسة، والآن لا يتصور نفسه قد دخل من هذا الباب الأزرق. جلسنا على مقعد بجوار الكنسية.
بدد زئير الدراجات البخارية وهى تحمل العمال الشبان الذين يشقون الريح بقوة متجهين إلى مصانع الأحذية والسيارات، تاه صوته أثناء حديثه معى من خلال الألعاب التى يرسمها بعصاه على التراب، عن السعادة فى ركل الجليد، والخبز الكبير الساخن المدهون بالزيت والملح الذى يأكله الأطفال كوجبة خفيفة فى الصباح. قال إن ضوء الشموع اللؤلؤية الشفافة المدفون فى مكان ما بداخله، قد شوهته كائنات ليست بشرية. كان فى الكنيسة، التى يدق جرسها الساعات بارتجاف من جانب لآخر، أثر مخدوش لجداريات مطموسة، ظن أن الصورة يمكن أن تكون قد لاحت فى مخيلته من خلال حدث عظيم فى طفولته، ربما يوم زيارة الكاهن المحلى لضريح من الأضرحة فى المدينة المجاورة.
وصلنا بالسيارة، ودخلنا الأضرحة الموجودة خلف الكنيسة، لم تكن أمى كاثوليكية، وهذا القياس أقوم به بشكل طبيعى من خلال خبرتى بالمشاهدات العلمانية. كانت هناك رسومات حزينة خلف شموع النذور التى ذرفت دموعاً، أسقط بعض العملات فى الصندوق الموجود، لكنه لم يأخذ شمعة، لا أعرف أن هيمنة الحاضر القذر أطفأ صورته المتألقة، أو إذا كانت صورته قد نقلتها له من داخله. احتسينا القهوة، وتناولنا الكعك باسم الضريح، فى رواق المقاهى ذات الرائحة اللذيذة. لم يتذوق هذا الكعك منذ ثمانية وخمسين عاماً، منذ أن أحضرتها لوسى لآخر مرة.
وجدنا آثار الشموع التى ظلت مضيئة بداخله طوال الوقت. كانت المقاهى مليئة برجال مسنين يثرثرون، يتجادلون ويومئون برءوسهم بمتعة واضحة. كانوا غير حليقى الذقون، يرتدون قبعات خفيفة. قلت: «لو بقيت هنا، ستكون مثلهم» ولا أعرف إذا كنت قد قصدت ذلك بخبثٍ، أم أننى ضللت بسبب رائحة القهوة والفانيليا إلى سحر أولئك الذين لهم ماضٍ يجب أن يُكتشف.
بالليل احتسى البراندى فى البار مع مالك الحانة، وسمع ما يمكن أن يسمعه من نقاش أصدقاء القرية، والدماء الجديدة التى تم ضخها فى فرق كرة القدم، والتى تحدث عنها التلفزيون كأنه موضوع غير ذى أهمية. أحفاد البطاركة هبّوا فجأة مسرعين، بعد أن أوقفوا محركات دراجاتهم البخارية. شعروا بالارتباك، ورفرفوا بالأشرطة الملونة والخوذات المضيئة الأرجوانية، وقاموا بهز هالات الضفائر والخصلات الشقراء. ضايقوا الرجل المسن، الذى يبدو أنه تحمل طيشهم.
لم تأت النساء إلى الحانة. كنت أطل من نافذة غرفتى العلوية كل ليلة قبل أن أخلد إلى فراشى، لم أعرف منذ متى وأنا على هذا الحال، والسحب الكثيفة التى غمرت الوادى، تغشانى بين النافذة والحبل المظلم الذى يربط جبال الألب التى تعلقت بها، حتى دقت ساعة الكنيسة، وأرسلت مويجات مترنحة خلال السحب، فجائنى انطباع بأننى أرى قطعاً فضية تتموج، لكننى بدلاً من ذلك، كنت أشعر بالارتجاف داخل قفصى المضلّع. لا يوجد هناك ما يمكن أن أراه. كان هناك إدراك مدغدغ- لم يكن سماعياً أو بصرياً- يصيب بالإغماء بسياط مخدرة تفقد المرء الوعى. الليلة التى ذهبنا فيها إلى المقبرة، كنت قد ثملت من رائحتها.
انعكاس ضوء القمر قد تسرب على السطح اللانهائى الواهى، غمر الصمت هذا المكان الذى أخذنى إليه، لم يتبق من القرية أكثر ما أعطته لى عندما جلست فى ميدانها، لم أتناول طعاماً تحت مرأى العيون الزجاجية للوحوش المستأنسة التى قُتلت فى غاباتها وجبالها الكستنائية، ولم أجلس تحت ظل شجرة التوت.
أمضينا أربعة أيام. فى فترة ما بعد العصر الأخير، قال حينئذ «هيا بنا نذهب إلى المقبرة القديمة.» أُحرقت جثة أمي- لذا لم يكن من السهل العودة لهذا المشهد الذى فارقناها عنده متألمين، كان لابد أن أفكر فى إحساسه بالموت، الذى كان قريبا جدا منه، فجعله يكتشف أنه من الصعب الاقتراب من أرضها. لكن يبدو أن ذلك كان أحد الاتجاهات التى لم نمش فيها، حيث أظهر لى ما يعتقد أنه يخصنى، والذى بسببه سُميت بهذا الاسم.
سرنا إلى هذا الضريح كما سرنا نحو أضرحة الآخرين. أخذ منعطفاً خاطئاً، حيث كانت هناك تماثيل وطاحونة هوائية صغيرة على شرفة من الشرفات، وطيور كنارى تغنى فى أقفاصها، والحشرات تحوم هنا وهناك. لكنه راجع خطواتنا، ووجد إشارات الذاكرة الخرائطية الصحيحة. كانت هناك بوابة حديدية كبيرة تحيط بها بعض أشجار السَرْو وبعض الورود.
لم أر مقبرة كهذه من قبل، نعم رأيت مقابر كثيرة، وجداريات مفصّلة مرسوم عليها ملائكة فوق القبور الحجرية، لكن بالإضافة إلى تلك المتاهة، كانت هناك رفوف كثيرة لغرف ذات واجهات حجرية على طول الجدران الجانبية، وكان لكل مقبرة جدارية خاصة بها.
هل تم تخزين الموتى؟
«عندما لا يكون هناك مقبرة فارغة للموتى، فهذا أمر طبيعى فى هذا البلد. أو لأنها أرخص ثمناً.» لكنه كان يبحث عن شيء ما.
» كلهم مدفونون هنا.» هكذا قال. خطونا بحذر فوق الممرات المملوءة بالحصى بين شواهد القبور، فكان هناك الأعمام والعمات والأبناء والبنات وأبناء العم الذين لم يعيشوا طفولتهم، وأقرباء آخرون عاشوا قرابة القرن، عاشوا خلال حقبة انهيار صناعة الحرير، رحل أبناؤهم الكبار للبحث عن مجهول اسمه حياة أفضل فى بلاد أخرى، عادوا خلال فترات استعمار أجنبى فى حرب من الحروب، وخلال ظهور صناعة الأحذية ومصانع قطع غيار السيارات- كل هذا يظهر من خلال الصور الموضوعة فى إطارات ذات زجاج محدب، ومثبتة على شواهد القبور. ليس هناك وجه رجل مسن، أو مريض أو منهك. مهما كان السبب فقد ماتوا، هنا توحدوا فى نفس الطور الذى عاشوا به فى شبابهم أو عندما بلغوا عمراً ما.
كان هناك الكثير من أسماء البرتو وجيوفانى وماريا وكليمنتينا، لكن الأسماء التى تلقى احتراما كثيرا:كارلو ولوسيّا، وخصوصا أول من تم تسجيل أسماءهم من الأسلاف. خمس أو ست مقابر تحمل كل منها اسم لوسى، من طفلة بجدائل إلى سيدات بدينات، ورءوسهن تميل فى اتجاه أزواجهن، والكثيرات منهن تم دفنهن بجوار أزواجهن، ثم وصلنا إلي- أو بمعنى آخر وصل هو إلى قبرها. كانت أخواتها يرقدن على جانبيها. لم أستطع أن أقرأ بقية النقوش، لكن اسم لوسى منقوش فوق رخام أسود أملس. مِلتُ حتى أنظر. سأل، مستعدة؟ فأعطانى المثال بأن وضع قدمه على الكتلة التى تغطيها. تحت غطائها الزجاجى البيضاوى، كانت المرأة ترقد وشعرها مسترسل، عيناها سوداوان مغمضتان، لها أنف كبير إلى حد ما، وفم مستقيم ذو زاويتين منبعجتين، تُظهران إرادة قوية، ورقبة طويلة، يؤكد طولها قرط من نوع الدمع الإيطالى الجميل، حاجباها كثيفان، لو كانت من جيلٍ آخر لكانت قد نتفتهما، وفسد منظرهما. وضع ذراعه على كتفى. «هناك تشابه.» تخلصت من يده. لو أن اسمك محفور على قبرك، وهذا أمر مؤكد، فإذا كان خطأ عادياً فى التهجية. فلماذا لم يكتب لوسيّا كالأخريات؟
«لا أعرف حقيقة- إلا ما أخبرنى به أبى، الذى لم يفدنى كثيرا... هذا حال الآباء تلك الأيام... أعتقد أن الأخوات يبقين ألسنتهن داخل أفواههن، على أى حال، كان يعمل فى مراسى السفن فى نيس منذ سن الثامنة عشرة... اتضح أنها ذهبت لتعمل فى فرنسا فى سن صغيرة جدا- فقد كانت العائلة فقيرة جدا، ولم يكن لها فرصة للعمل هنا. عملت كعاملة فى فندق من الفنادق، قيل عندئذ بأنها أقامت علاقة غرامية مع رجل فرنسى يحمل النسخة الفرنسية لاسمها...لذا أبقت عليه عندما تزوجت جدى.»
بينما كان يتكلم، تصاعد التراب الذى تطاير من بين القبور، فجعلنى أسد فتحتى أنفى. شممت رائحة الماء المخاطى فى الزهريات المملوءة بالزهور الذابلة، والجو الفضولى الراكد فى الفراغ المحيط المحتشد، حيث لا توجد روح على قيد الحياة تتنفس... شاهدته، عندما دخلنا المكان الذى أحفته الروعة والسكينة. بقدمه اليسرى خطا برفق على قبرها، بنفس الطريقة التى يتكئ بها طفل على ركبة شخص كبير محبوب، وهو مايزال يتكلم: «هناك اسم آخر- جاء من ناحية أمها، وبما أن أمها كانت تعمل فى نيس، إذن كانت جدتى ابنتها غير الشرعية.»
كنت أنظر إلى الحذاء الذى قد قام بترقيعه بنفسه فى سوق كونيو وهو فى طريقه إلى القرية. «جاءت بالمولودة إلى المنزل، وكل ما تبقى من تلك العلاقة هو طريقة هجاء الاسم.» تطاير التراب إلى عينيّ، فوجدت تُخمة حلوة فى حنجرتى كست لسانى. أردت أن أبصق.»... ماذا ظنت الأخوات فى ذلك، كيف وقفت ضدهن؟ الله وحد يعلم... لا أتذكر أى رجل فى المنزل، ما كنت لأتذكر...
كانت الحلاوة تزيد بشكل مرضى، مثل سائل لزج ينقل الهواء. استنشقناه معا، فأظهر تجهمّاً محكوماً جعَّد ما حول عينيه وفمه، وشعرت بنفس التفاعل يشد عضلات وجهى. لكنه استمر فى الكلام. بين الوقفات لم يقل أحدنا أى شيء عن الرائحة، تلك الرائحة التى تشبه رائحة الدجاج الذى تعفن فى بطن الثلاجة، كفأر مسموم خلف دولاب، مثل كلب صُدم وانتفخ على جانب من الطريق، فصدرت رائحة كريهة، رائحة لحم نتن، وكل روائح الجسد النابض بالحياة، والدموع الملحية النظيفة واللعاب، هزَّة الجماع، رائحة الشعر الدافئ الذى فسد. اختمار لحلاوة الحياة لا يطاق. لم تكن رائحتها. لا يمكن أن تكون رائحتها قد وصلت إليه، فقد ماتت منذ أمد طويل، لكنها رقدت هناك، وقدمه فوق الحجر الذى يعلو قبرها، كما لو أنه يبين لى، أنه ليس هناك رائحة نتنه قد غزت أنوفنا، كما لو أنه يحاول أن يقتنعنى بأن ذلك لم يكن تراثها.
غادرنا بتسكع متجاهلين نفحات الروائح الكريهة التى اجتاحتنا، فراح كل منا يقتبس أنفاساً ضحلة باشمئزاز من الماضى. عند البوابة قابلنا امرأة تلبس نعلاً، وقامت بنثر الورود فوق قبور كل النساء اللاتى كن يذهبن إلى كل الأماكن ماعدا الكنيسة. رأت فى وجهينا ما عبَّرت عنه بوجهها، لكن وجهها كان يحمل مزيجاً من الخجل الاعتذارى والكآبة. تحدثت إليه، فقال شيئاً مؤكداً، مستخدماً يديه وهز رأسه. كررت ما قالته له، وبدأت فى الإسهاب: وقفت منتظرة، وحبست أنفاسى قدر الإمكان. واجهنا صعوبة بالغة فى الإفلات منها، خارجين خلف الأسوار حيث خطونا سريعاً وتنفسنا الصعداء.
«شاب ما قُتل فوق دراجته البخارية الأسبوع الماضى.»
«ما الذى يمكن أن يقال فى تلك الظروف؟»
«لم أر أى قبر جديد.»
«لا- لقد دفن فى أحد الممرات- لذا... تقول هى انه يستغرق وقتاً، حتى تنبعث رائحته.»
هكذا لم تكن أسرار الماضى المتعفن هى أسرار لوسى، إنها أسرار الحاضر، الحاضر دائماً، الحاضر الذى كان مكدسا هناك.، جبانة الموتى، وحيث جفت الدماء الشابة، مثل ذلك الشاب الذى طُرح أرضاً وخاض سباقا حتى لقى الموت، مثل ذلك الشخص الذى قام ببعثرة الأطفال الذين عبروا عن إعجابهم فى ميدان الكنيسة.
الآن عندما أكتب اسمى، فأعرف معناه تماماً.


نادين جورديمر
(1923- 2014)
روائية جنوب إفريقية. حصلت علي
جائزة نوبل فى الأدب عام 1991. تناولت جورديمر فى كتاباتها القضايا الأخلاقية والسياسية، وخصوصاً التمييز فى جنوب إفريقيا، وتحت هذا النظام مُنع نشر روايتها « شعب يوليو». كانت عضواً فى حركة «ضد التمييز العنصرى». حققت جورديمر شهرة عالمية بأعمالها، التى كانت تتناول من خلالها قضايا سياسية وأخلاقية، وكذلك التوتر النفسى.
قالت جورديمر عن القصة القصيرة «إن القصة القصيرة هى الشكل المناسب لعصرنا» مما جعلها تنشر قصصها فى صحيفة النيويوركر، وبعض الصحف الأدبية البارزة. عندما خرج نيلسون مانديلا من السجن عام 1990 كانت من أوائل الناس الذين أراد أن يقابلهم.
قالت عنها لجنة جائزة نوبل «إنها خلال كتاباتها الملحمية الرائعة، كانت فائدة عظيمة للإنسانية.» كانت جورديمر تشارك فى أعمالها عن قوة الروابط الحقيقية. تحكى قصصاً عن شخصيات عادية، فتُميط اللثام عن الغموض والاختيارات بين الأشياء. ومن أهم أعمالها «عالم الغرباء» 1958، «العالم البرجوازى الأخير» 1966، وشيء ما هناك» 1984، و»قصص مختارة» 1975، «مناسبة للحب» 1963، «ضيف شرف» 1970، «لعبة الطبيعة» 1987، و»لحظة إطلاق الرصاص» 1988 «بندقية المنزل» 1998، «قصة ابنى» 1990. و»القفز وقصص أخرى» 1991. ومن مسرحياتها «الدائرة الأولى» 1949.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.