"حل مشاكل المواطنين" للدعاية الانتخابية في سيناء    تنسيق 2020| 95% للطب البشري و80% للهندسة بالجامعات الخاصة    اليورو يواصل ارتفاعه مقتربا من حاجز 19 جنيها في البنوك    البورصة تربح 3.2 مليار جنيه في مستهل تعاملات اليوم    لبنان: لدينا احتياطيات من الحبوب تكفي لأقل من شهر    رابط التسجيل في مبادرة ميغلاش عليك من داخل موقع وزارة التموين برقم البطاقة التموينة والاسم الثلاثي (مبادرة الرئيس السيسي)    الأقصر تناشد المواطنين التقدم بطلبات التصالح بمخالفات البناء    الملك محمد السادس يؤكد دعم المملكة المغربية الدائم للشعب اللبناني الشقيق    مصرف لبنان المركزي: المصارف ستعاود فتح أبوابها غداً    سنغافورة تشهد قفزة في إصابات فيروس كورونا    كارتيرون يؤجل إعلان قائمة الزمالك ضد المصري البورسعيدي    ديربي الرياض ..لجنة المنشطات ترد على طلب العالمي إجراء تحليل للاعبي الفريقين(فيديو)    «الأهلى» يطلب رسميًا مواجهة الوداد باستاد القاهرة.. ويستفسر من كاف عن الحضور الجماهيري    «فايلر» يضع برنامجًا خاصًا لتجهيز «صالح».. وتغييرات دفاعية اضطرارية أمام إنبى    مزارع يتخلص من شقيق زوجته رميًا بالرصاص بسبب خلافات عائلية بجرجا    فحص 70 سائقًا على الطرق السريعة للكشف عن تعاطيهم المواد المخدرة    النيابة تستعجل التحريات في واقعة اتهام 3 عاطلين بترويج المواد المخدرة بالسلام    أمطار رعدية.. الأرصاد تحذر من طقس اليوم    برلماني يشيد بتوجيه الرئيس السيسي بتخصيص منح لأوائل الثانوية    نيشان عن تفجير بيروت: مصابنا جلل.. والفاجعة لا تُلخص ولا تُكتب    منظومة الشكاوى الحكومية ترصد شكوى "أسرة الخليفة".. ووزارة التضامن تحلها    مواقع التواصل تتضامن مع نادين نجيم بعد إصابتها في انفجار بيروت    سامح شكرى يبحث مع وزيرة الخارجية الأسبانية التعاون المشترك    محلل سياسي لبناني: الانفجار دمر نصف بيروت.. والحادث به عامل مفتعل    بقيمة 159 مليون جنيه.. شرطة التعمير تسترد 4 أفدنة و105 آلاف متر في شهر    التصريح بدفن جثة عامل سقط في بالوعة صرف صحي    "القومى للمرأة": غرفة عمليات لتلقى شكاوى السيدات خلال الانتخابات    فتح باب الالتحاق بالمدارس الإعدادية الثانوية الرياضية بالشرقية    وزير البترول يبحث مع نظيرته القبرصية علاقات الشراكة في مجال الغاز الطبيعى    رئيس جامعة القاهرة يعلن 90 منحة مجانية كاملة لأوائل الثانوية العامة    وزير الرى يترأس اجتماع إيراد النهر لمتابعة الموقف المائي والفيضان    مضاعفة منحة الاتحاد العالمي لأدوية مرضى الهيموفيليا بمصر    عزل 7 حالات مصابة بكورونا في مستسفيات شمال سيناء    إسبانيا: إصابات كورونا تصل إلى 302 ألف و814 حالة والوفيات 28498    محافظ الإسكندرية يستقبل وزير القوى العاملة لتفقد منظومة التحول الرقمي    557 مركز انتخابي بالمنيا لاستقبال 3 ملايين و468 ألف ناخب لانتخابات «الشيوخ»    تعرف على قواعد التحويل بجامعة القناة    خلافات الجيرة.. تجديد حبس 5 أشخاص بتهمة التشاجر في حلوان    لها قيمة تاريخية وروحية.. وزير الإسكان يستعرض آليات تطوير "سانت كاترين"    البطولة المصغرة للدوري الأوروبي تعزز الطموح الألماني في استضافة الأولمبياد    الدرجة الثانية غاضبة من تجاهل اللجنة الخماسية    هل يجوز للمسافر القصر والجمع إذا لم يعلم مدة الإقامة.. أمين الفتوى يجيب    فليكس بريش حكما لمواجهة مانشستر سيتي وريال مدريد.. صاحب أخر ذكرى سيئة للملكي    ما هي مادة «نترات الأمونيوم» سبب «انفجار بيروت» المدمر؟    جمعية مصارف لبنان: إغلاق كافة البنوك اليوم لمعالجة أضرار انفجار ميناء بيروت    المعركة على ناصر والحرب على الدولة    صحة الفيوم: توفير تحليل ال"PCR" للكورونا داخل معمل المستشفى العام    الطالع الفلكي الأربِعَاء 5/8/2020..مَكَاسِبَكْ بِالحَلال!    ليفربول يستغني عن صخرة الدفاع لضم كوليبالي    هذه الفئة لا يغفر الله لها مهما بلغ استغفارها.. علي جمعة يكشف عنهم    تينيت ومولان.. وصيف 2020    أحمد زاهر لمنتقدي فيلمه "زنزانة 7": بطلو ا "فتي"    تعرف على أهمية العلم في الإسلام وفضله    نقل نادين نجيم إلى المستشفى متأثرة بإصابتها في انفجار لبنان    تعرف على حقوق الطريق وأدابها    قصة خروج سيدنا موسى عليه السلام من مصر    بعد 3 ساعات من طرحها.. عمرو دياب يحذف أغنيته الجديدة    البيت الأبيض يدين الوجود العسكري الأجنبي في ليبيا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الحرب الطويلة على العشوائيات

مبانى العشوائيات الكالحة، والرائحة النفاذة المنبعثة من حظائر البهائم ومجاري الصرف المنتشرة بها، وأكوام القمامة المتراكمة على أطرافها؛ هذا المشهد هو أسوأ ما يمكن أن تشاهده عين فى المدينة. لا يحب الموسرون من أهل المدن النظر للعشوائيات، لهذا نجد الأسوار العالية وقد أقيمت حولها لتخفيها عن أعين قائدى السيارات المارين على الطرق المحيطة. أسوار إخفاء العشوائيات مشهد مألوف فى جوهانسبرج وكيب تاون وريودى جانيرو والقاهرة ومومباى ومكسيكو سيتى وكراتشي، فالعشوائيات ليست شيئا يميز بلدا دون غيره، ولكنها ظاهرة موجودة فى كل مكان يوجد فيه فقر وتفاوت اجتماعى وحكومات تئن تحت عجز الموازنة، وبيروقراطية محدودة الكفاءة فاسدة.
الأسوار المحيطة بالعشوائيات لا تخفى حقيقة أن هناك بشرا يعيشون خلف هذه الأسوار وسط قبح وقذارة لا تطاق، وأن ما لا يستطيع البعض احتمال منظره أو رائحته، يمثل الحياة اليومية للملايين من سكان المدن, فوفقا لتقديرات البنك الدولى تبلغ نسبة سكان العشوائيات بين سكان المدن 11% فى مصر، 8% فى تونس، 17% فى الأرجنتين، 55% فى بنجلاديش، 22% فى البرازيل، 25% فى الصين، 74% فى إثيوبيا، 24% فى الهند، 13% فى المغرب، 23% فى جنوب Nفريقيا، 92% فى السودان، 12% فى تركيا.
حتى البلاد الغنية المتقدمة لم تسلم من العشوائيات، ففى عصر الثورة الصناعية التى بدأت فى منتصف القرن الثامن عشر هاجر الملايين من القرويين للعمل فى المدن والمراكز الصناعية، فطبعت الأحياء العشوائية الفقيرة المدينة بطابعها، لدرجة ألهمت المؤلفين لإنتاج بعض من أفضل الآداب العالمية التى تناولت بؤس العمال الفقراء فى المدن المزدهرة، وما روايات أوليفر تويست و ديفيد كوبر فيلد لتشارلز ديكنز، والبؤساء لفيكتور هوجو سوى وصف أدبى للحياة فى عشوائيات لندن وباريس فى القرن التاسع عشر.
وفى عظة شهيرة قالها عام 1850 الكاردينال ويسمان، أول أسقف كاثوليكى لمدينة لندن منذ تحولت إنجلترا إلى البروتستانتية فى القرن السادس عشر، تحدث الأسقف ويسمان واصفا المنطقة المعروفة بأرض الشيطان فى حى ويستمينستر، فقال إنه بالقرب من كنيسة ويستمينستر توجد متاهة خفية من الحوارى والأزقة والعشوائية وأوكار الجهل والشر والحرمان والجريمة والبؤس والتعاسة والمرض، شهيقها التيفوس، وزفيرها الكوليرا؛ إنها خلية هائلة تضم عددا لا يحصى من البشر - لكن اسما فقط الذين يعيشون فى منطقة لا يصلها الصرف الصحى ولا تضيئها أعمدة الإنارة؛ فهل يختلف هذا عما يمكن قوله فى وصف عشوائيات القاهرة ودكا وريو دى جانيرو ومكسيكو سيتى ومومباي؟
العشوائية ليست مجرد حى يسكنه بعض الناس، إنها طريقة حياة وتفكير وثقافة, فعندما يبيت الناس ويصحون وسط كل هذا التلوث المادى والروحي، ووسط كل هذا الانتهاك للآدمية والخصوصية، وعندما يولدون ويموتون هناك، فإن العشوائية تنفذ إلى ما تحت الجلد، وإلى داخل العقل والروح، فتصبح طبيعة ثانية، كما لو كان الناس يولدون بها كجزء من شفراتهم الوراثية، يحملونها معهم أينما ذهبوا. فالعشوائية لا يمكن حصرها وراء الأسوار المحيطة بالعشوائيات، وأى محاولة لحصرها وراء الأسوار، أو التحصن منها وراء أسوار المجمعات السكنية الفاخرة ذات الأسوار والبوابات، ليست أكثر من محاولات فاشلة للدفاع فى حرب خاسرة، فالعشوائية ما أن تعرف طريقها إلى المدينة إلا وتمنح المدينة طابعها الكريه المميز, ولا سبيل لكسب هذه الحرب إلا بالهجوم على العشوائيات إزالة وإحلالا وتطويرا، ففى تطوير العشوائيات رحمة بأهلها، ورحمة بجيرانهم ومواطنيهم من سكان المدينة الآخرين.
القضاء على العشوائيات، واستبدالها بمساكن آدمية لائقة ليست بالمهمة السهلة. لقد احتاجت انجلترا إلى قرن كامل للقضاء على العشوائيات، فحتى بعد الحرب العالمية الثانية كانت الجيوب العشوائية مازالت موجودة فى العاصمة البريطانية. الأخطر من هذا هو أن العشوائية قادرة على العودة ثانية ما لم نحصن المجتمع بأنظمة قانونية وإدارية كفء وعادلة. فالمحاولة الراهنة لمواجهة تحدى العشوائيات فى مصر ليست المحاولة الأولى، فقد كانت لدينا محاولات سابقة فى الخمسينيات والستينيات، حين تم بناء مشروعات الإسكان الشعبى فى حدائق زينهم وعين الصيرة والساحل والأباجية والزاوية الحمراء، وغيرها. فى البداية كانت هذه المشروعات نماذج للانضباط والنظافة والالتزام بقواعد البناء. لكن شدة الغربال الجديد لا تدوم، فبعد فترة ساد التراخى والفساد والتواطؤ والمنفعة المتبادلة بين الأهالى والموظفين لتخريب المنطقة, والآن احتلت المحال التجارية والورش الأدوار الأولى، وزادت مساحات المبانى فى جميع الاتجاهات، فالشقة التى كانت غرفتين أصبحت ثلاث أو أربع غرف على حساب الأرصفة والشوارع, وضاقت الشوارع الواسعة، بل إن بعضها تم إغلاقه تماما، واختفت المساحات الخضراء إلا من قليل من الأشجار العنيدة.
لقد بدأت هذه المشروعات للسكن بالإيجار، لكنها انتهت إلى أن أصبحت ملكا لسكانها. فى البداية كانت الدولة تتقاضى إيجارا مناسبا من السكان، لكن مع مرور الوقت، وبسبب التضخم السريع فى السبعينيات، أصبحت حصيلة الإيجارات أقل من التكلفة اللازمة لمواصلة صيانة المباني، فيما كانت العقيدة الاشتراكية والاعتبارات السياسية تحول دون زيادة الإيجارات لتتناسب مع تكلفة الصيانة المتزايدة. أصبح العبء كبيرا على الدولة المأزومة ماليا بعد سنوات الحرب الطويلة، فلجأت الدولة فى منتصف السبعينيات إلى التخفف من العبء، وتمليك الشقق لساكنيها، على أن يتحملوا تكاليف صيانتها. ارتاحت الدولة، وفرح الملاك الجدد، وراحوا يعبثون بأملاكهم، ويمارسون فيها كل أشكال التشويه والتدمير متحررين من الدولة التى رفعت يدها عن كل شيء، فتحولت المساكن الشعبية الجميلة إلى عشوائيات جديدة.
أكاد أجزم بأن هناك اليوم من يتحين الفرصة لكى يفعل الشيء نفسه فى المشروعات الرائعة التى تبنيها الدولة فى الأسمرات والمحروسة وبشاير الخير. فالبعض بين المواطنين وموظفى الإدارة والأحياء لا يصدقون أن ما يحدث هذه المرة يختلف عما حدث قبل ذلك، ولا يرون فيما يجرى سوى شدة الغربال الجديد؛ فدعونا نثبت أنهم على خطأ هذه المرة.
لمزيد من مقالات ◀ د. جمال عبدالجواد


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.