لا يقف واجبنا تجاه القرآن الكريم عند حد تلاوته، وإنما يشمل قراءته بفهم، وتلاوته بتدبر، وترتيله بتأثر، كي نستشعر عظمته، ونتذوق حلاوته،ونتحرك لنشره، وقد وعدنا الله تعالى أن ييسر ذلك علينا، فقال: "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ" (القمر: 17)، وخاطب نبيه محمدا، صلى الله عيه وسلم، فقال: "لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ". (القيامة:16 - 19). قال ابن كثير: "هذا تعليم من الله عز وجل لرسوله، صلى الله عليه وسلم، في كيفية تلقيه الوحي من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك في قراءته، فأمره الله، عز وجل، إذا جاءه الملك بالوحي، أن يستمع له، وتكفل له أن يجمعه في صدره، وأن ييسره". ولقد دعانا الله، تعالى، المرة والمرتين والثلاث مرات، إلى تدبر القرآن، نظرا لأهمية ذلك، فقال: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" (محمد: 24)، وقال سبحانه: "أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا". (النساء: 82)، كما قال: "كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ" (ص: 29). والمُراد أن يتدبر المرء آيات القرآن، كأنها تتنزل عليه، ذلك أنه لو أُنزل على جبل؛ لتصدع من خشية الله، قال سبحانه: "لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" (الحشر: 21). فإذا كانت الجبال، لسماع القرآن، تخشع وتتصدع، فما بال قلوب البشر التي لا تخشع لسماعه، ولا تتأثر لتلاوته، وقد قال تعالى: "إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ". (ق: 37)؟ هؤلاء هم الجن، وقد تأثروا لسماع القرآن، قال تعالى: "قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا".(الجن: 1، 2). ومن الشواهد على تأثير القرآن في القلوب، أن "جبير بن مطعم"، وهو مشرك، لم تمنعه نفسه، أن يتأثر، لمَّا سمع القرآن. فقد ثبت عنه، رضي الله عنه، أنه قال: "سمعت النبي، صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ، يقرأ في "المغرب" بالطُّور، فلمَّا بلغ هذه الآية: "أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُون * أَمْ خَلَقُوا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ بَل لاَّ يُوقِنُون * أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُون". (الطور: 35- 37)؛ كاد قلبي أن يطير".(البخاري). ولم يكتف الصحابة، رضوان الله عليهم، بقراءة القرآن، أو سماعه، أو تدبره، فقط، بل تعلقت به قلوبهم، وارتبطت به نفوسهم، فلم يجعلوا همَّهم بلوغ آخر السورة، بل حرصوا على تطبيق القرآن: علماً وعملاً، حتى استغرق عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عشر سنوات في حفظ سورة "البقرة".. لالتماسه العلم، والعمل معًا. وقد قال أبو عبد الرحمن السلمي، رضي الله عنه: "كُنَّا إِذَا تَعَلَّمْنَا الْعَشْرَ مِنَ الْقُرْآنِ لَمْ نَتَعَلَّمِ الْعَشْرَ الَّتِي بَعْدَهَا حَتَّى نَتَعَلَّمَ حَلَالَهَا وَحَرَامَهَا، وَأَمْرَهَا وَنَهْيَهَا". (مصنف عبد الرزاق). وكنموذج للمسارعة إلى العمل بآيات الله، نجد أنه عندما نزل قوله تعالى: "لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ". (آل عمران: 92)، قام الصحابي أبو الدحداح، رضي الله عنه، إلى أحب بستان لديه، فتصدق به.(صحيح البخاري). بل كان الصحابة، إذا سمعوا القرآن، تقشعر جلودهم، وتصفو نفوسهم، وتلين قلوبهم، ويجري دمعهم، متفاعلين مع آياته، بكيانهم كله، يجسدون بذلك قوله تعالى: "اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ". (الزمر: 23).