تتابعت عدة مشاهد خلال زيارة ولى العهد السعودي، سمو الأمير محمد بن سلمان القاهرة، لتنسج فى مجموعة ملامح صورة يبدو أن الزائر ومضيفه الرئيس عبد الفتاح السيسى حرصا على رسمها بعناية كى تعبر عما يجب أن ننتظره منهما فى المرحلة القادمة أو ما يتطلعان إلى تحقيقه، فشملت الزيارة حضوراً فى الأوبرا المصرية لإحدى مسرحيات الشباب، وتواصل الأمير الشاب مع شيخ الأزهر، إسهاما فى ترميم مسجده الشريف، وزار البابا تواوضروس فى مقره بالكاتدرائية، لتمثل رسالة تنوير وعلم وثقافة واعتدال، رسالة قبول بالآخر والتعايش مع كل الطوائف وأصحاب الديانات و بنى أوطاننا. وبدا كأن ملامح المستقبل وأسسه واضحة فى القاهرة والرياض، بالقدر نفسه عبر عالمنا العربي، مستقبل يجب أن يستند على العلم والمعرفة، على الثقافة والتنوير، على التسامح والتعايش وقبول الآخر، وبات هذا الفهم الراقى المعبر عن آمال وطموحات المستقبل هو الأوضح، ونأمل فى أن يكون الأكثر غلبة وتأثيرا فى قادم الأيام والأشهر والسنين. ففى مصر، وعلى عاتقها تقع مسئولية ريادة هذا التوجه، توجه من أجل الاهتمام بالإنسان وتعليمه وتنويره وتثقيفه، ورعاية صحته ومعايشته وتحسين ظروف حياته وعمله، أى أن المقصود أن تكون مصر رائدة على عهدها فى المنطقة، فهى رائدة التحولات الكبري، فإن كانت حرباً كانت مصر فى المقدمة، وإذا كانت سلاماً تقود مصر معركة السلام، وإذا كانت المعركة ضد الإرهاب كانت هى حائط الصد، ولما كانت معركة بناء اقتصادى وتنموى خاضت بشجاعة فى ملف الإصلاح الاقتصادى الصعب، ولما احتاج تحديث الاقتصاد لبنى تحتية تصدت للبناء بكل تكاليفه، لتقيم بنية تحتية عصرية جاذبة للاستثمار، ولحماية كل تلك المكتسبات أعادت بناء قوتها المسلحة كدرعٍ واقٍية لكل تلك الطموحات على أعلى مستوي، براً وبحراً وجواً، وتخوض بها أروع الملاحم، زوداً عن شعبها وأمتها بل والعالم. المطلوب، ونحن فى المرحلة الثانية من ولاية الرئيس، وبعد استكمال المرحلة الأولى للبناء التنموى والاقتصادى والمشاربع الكبري، التى أرست دعائم وركائز الانطلاق نحو المستقبل، أن نخطط للمرحلة القادمة التى أدعو أن نتبنى فيها مشروعا تنويريا شاملا يعتنى بالإنسان، فمن مرحلة أولى كان ضرورياً أن نهيأ المكان وبناه التحتية بكل مشتملاتها كما أسهبنا، فعلينا أن نبدأ من الآن فى الاهتمام بالإنسان، الاهتمام بساكن المكان الذى أهلناه. ومن هنا دعوتى لتبنى مشروع تنويرى يعتنى بالثقافة والتعليم والبحث والعلوم، مشروع يترجم دعوة الدستور للاعتناء بصحة الإنسان وتعليمه وسكنه، مشروع يعتنى بتأهيل البشر وتدريبهم وتطوير قدراتهم، وغرس قيم العمل والمواطنة والفهم الواعى لمعانى الدين، والارتباط بالوطن، والأسرة، ومصلحة العمل، والتكافل مع أبناء الوطن والتعايش وفقاً لمنظومة قيم تعلى شأن الدين دون تطرف، وتعلى قيم العمل وتتفانى فيه. ولتحقيق مشروع التنوير، كدستور عمل للمرحلة القادمة، والولاية الثانية الضرورية والمهمة للرئيس السيسي، أرى أهمية أن تُكلف مجموعة عمل من خيرة علمائنا بالدعوة إلى مؤتمر يستهدف صياغة مشروع مصر التنويري، يتم خلاله مناقشة محاور وأركان هذا المشروع، تعليمياً وتثقيفياً وبحثياً، كيفية حماية المواطن وكرامته صحياً وعملياً وسكناً وانتماء، وبعد نقاش، يشارك فيه أصحاب الفكر والقلم، أصحاب التجربة الإنسانية والخبراء ولا بأس من علماء من الخارج، وحاصلين على جائزة نوبل، وأكاديميين، تتم صياغة هذا المشروع الذى يجب أن يتحول لميثاق عمل ويُترجم فى خطط تنفيذية عبر السنوات القادمة، وتلتزم به كل الحكومات المتتالية، ليكون ثابتاً مهما تغيرت الشخوص والأحوال. وسيكفل هذا المشروع جهود إعادة البناء والإعمار عبر خريطة وطننا العربي. مساعد وزير الخارجية الأسبق لمزيد من مقالات ◀ السفير د. محمد حجازى