يتذكر العالم بأسف بالغ الهجوم على مدينتى هيروشيما وناجازاكى اليابانيتين بالقنابل الذرية الأمريكية يومى 6 و9 أغسطس عام 1945. ويؤكد ذلك الشعور تزايد الرغبة العالمية الجادة فى الخلاص من شبح التهديد النووى الذى يحيط بالعالم منذ ذلك التاريخ. وفى سبيل تحقيق هذا الهدف النبيل قطع «عقلاء» العالم خطوة جديدة نحو الإنتقال بالمجتمع الدولى من مرحلة «الحد من انتشار السلاح النووى» إلى مرحلة جديدة ل»حظر وتحريم» السلاح النووى الذى بات تهديدا حقيقيا فاعلا للسلم والأمن الدوليين، وذلك فى محاولة صريحة لنزع مشروعية سياسات الردع النووى التى تعتمد عليها الدول المسلحة نوويا. وكان نحو ثلثى الدول الأعضاء بالأممالمتحدة (إجمالى الأعضاء حاليا 193دولة) 122 مشاركا من أصل 124 مشاركا فى «مؤتمر الأممالمتحدة للتفاوض على صك ملزم قانونا لحظر الأسلحة النووية تمهيدا للقضاء عليها» قد وافقوا على «معاهدة لحظر الأسلحة النووية» «اتفاق تحريم الأسلحة النووية» بعد شهور من محادثات قاطعتها الولاياتالمتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى، والتى تعهدت بدلا من ذلك بالالتزام ب»معاهدة حظر الانتشار» التى تلبى مصالحها النووية منذ عقود. وقد جاء قرار عقد المؤتمر منذ شهور مضت بناء على توصية «الفريق العامل مفتوح العضوية» المعنى بمفاوضات نزع السلاح، الذى ذكر فى تقريره أن قانونا ملزما بحظر الأسلحة النووية سيضع التزامات عامة وسياسية لخلق عالم خال من الأسلحة النووية. وتعد المعاهدة الجديدة حظرا وتحريما صريحا على الاستخدام المباشر أو غير المباشر للأسلحة النووية وحيازتها وتطويرها. وبناء على القرار الجرئ تعهدت كل دولة طرف بألا تقوم بأمور عديدة، من أبرزها تطوير أسلحة نووية أو أى أجهزة متفجرة نووية أخرى أو إجراء تجارب خاصة بها، واستخدام الأسلحة النووية أو الأجهزة المتفجرة النووية الأخرى أو التهديد باستخدامها. وقد رحب الأمين العام أنطونيو جوتيريس باعتماد هذه المعاهدة. وفى بيان أذيع باسمه قال الأمين العام بان :»المعاهدة تمثل خطوة ومساهمة هامتين نحو تحقيق التطلع المشترك لعالم خال من الأسلحة النووية». وأعرب جوتيريس عن أمله فى أن : «تعزز هذه المعاهدة الجديدة الحوار الشامل والتعاون الدولى المتجدد الهادف إلى تحقيق هدف نزع السلاح النووى الذى طال انتظاره». ووفق الإجراءات المتبعة يدعو الأمين العام إلى عقد أول اجتماع للدول الأطراف فى غضون عام واحد من دخول هذه الاتفاقية حيز النفاذ، كما يدعو إلى عقد اجتماعات أخرى للدول الأطراف كل سنتين، ما لم تتفق الدول الأطراف على خلاف ذلك. وبعد خمس سنوات من تاريخ بدء نفاذ هذه المعاهدة يدعو الأمين العام إلى عقد مؤتمر لاستعراض تطبيق المعاهدة وما تحقق من تقدم فى تنفيذ مقاصدها. وتجدر الإشارة إلى أن دخول معاهدة حظر الأسلحة النووية الجديدة حيز التنفيذ يتم بعد مرور 90 يوما من «تصديق» 50 دولة عليها. وقد جرى إقرارها يوم الجمعة 7 يوليو 2017 بموافقة 122 صوتا ومعارضة صوت واحد (هولندا) وامتناع صوت واحد عن التصويت. ويرى الخبراء المتفائلون من أمثال نينا تانينوالد، مدير برنامج العلاقات الدولية بجامعة براون الأمريكية، أن المعاهدة الجديدة التى تفرض «الحظر والتحريم» تملأ الفجوة القانونية التى خلفتها «معاهدة حظر الانتشار النووى» التى سمحت لخمس قوى نووية معلنة بالاحتفاظ بأسلحتها النووية إلى أجل غير مسمى. ويعد إعلان عدم قانونية الأسلحة النووية بمثابة الخطوة الأولى التى يمكن القيام بها دون الرجوع إلى الدول النووية. وتحقق المعاهدة الجديدة ثلاثة أهداف: إضفاء الطابع الديمقراطى على سياسة عدم التسلح، واضطلاع مجموعات المجتمع المدنى بدور رئيسى فى ذلك، واعتماد معايير جديدة فى مجال منع انتشار السلاح النووى. وأشار القائم بأعمال رئيس الدورة الحادية والسبعين للجمعية العامة للأمم المتحدة فى شهر مارس الماضى أثناء إفتتاح المؤتمر إلى أن أموال التسلح النووى لو أنفقت لتحقيق أجندة التنمية المستدامة، لكان قد تم تحقيق خطوات عظيمة نحو إرساء السلام عالميا. وعلى الرغم من الاستقبال الحافل الذى حظيت به أنباء إقرار أول معاهدة متعددة الأطراف لنزع السلاح النووى يتم إبرامها منذ أكثر من عشرين عاما، فإن الدول ذات القدرات النووية العسكرية أظهرت مواقف مناقضة تماما للمطلب العالمى بإخلاء العالم من الأسلحة النووية أو الحد من الانتشار النووى على أقل تقدير.فقد أعلنت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، هيثر ناويرت، أن واشنطن لن تدعم المعاهدة الجديدة بشأن حظر الأسلحة النووية. وأوضحت فى بيان لها أن الولاياتالمتحدة اتخذت موقفها سالف الذكر لأنها تعتقد بأن هذه المعاهدة لن تجعل العالم أكثر أمنا، بل ستقوض العلاقة بين الحلفاء، فضلا عن زرع الانقسام السياسى. وقالت ناويرت فى بيان لها: «الولاياتالمتحدة لن تشارك فى هذه المفاوضات ولن تدعم المعاهدة». وقالت نيكى هيلى السفيرة الأمريكية لدى الأممالمتحدة والسفير البريطانى ماثيو ريكروفت والسفير الفرنسى فرانسوا ديلاتر فى بيان مشترك إن دولهم «لا تنوى التوقيع أو التصديق أو أن تصبح أبدا طرفا» فى المعاهدة. أما الخبراء ممن فضلوا التحفظ مثل بختيار توزمحمدوف، البروفيسور فى القانون الدولى، فقد أشار عبر وسائل الإعلام الروسية إلى تشككه فى فعالية ونتائج النشاط القانونى لصياغة وثيقة ملزمة لحظر وتحريم السلاح النووى. معللا رأيه بأنها تصرف الانتباه عن الأنظمة العاملة وتضيف أعباء جديدة على المنظمة الدولية للطاقة الذرية، وتسمح بتشكيل آليات بيروقراطية جديدة، يمكنها التضخم بسرعة. ونبه البروفيسور محمدوف إلى إحصائية تتعلق بخريطة الدول التى لم تشارك فى المؤتمر، وتلك التى تعارض هذا الاتفاق أو امتنعت عن التصويت والتى تمثلت أبرزها فيما يلى: أولا، جميع الدول التى تملك السلاح النووى فعليا وهى الصين وروسيا والولاياتالمتحدة وبريطانيا وفرنسا، التى اختبرت هذا السلاح قبل التوقيع على اتفاق الحد من انتشار السلاح النووى عام 1968، وتليها الهند وباكستان وكوريا الشمالية، وهى دول أجرت تجاربها النووية بعد التاريخ المذكور بالإضافة إلى إسرائيل صاحبة سياسة الغموض النووى. ثانيا، جميع الدول التى قاطعت الاتفاق من الدول الأعضاء فى حلف شمال الأطلنطى (ناتو) باستثناء هولندا (شاركت ولكنها اعترضت) التى تستضيف أراضيها مستودعا للأسلحة النووية الأمريكية التكتيكية. ثالثا، دول تقع ضمن مناطق خالية من السلاح النووى: موزعة كما يلى 3 دول من 33 دولة فى أمريكا اللاتينية والكاريبى، 9 من 40 فى قارة إفريقيا، و4 من 5 فى آسيا الوسطى، ودولة واحدة من 10 دول فى جنوب شرق آسيا، وهى سنغافورة التى امتنعت عن التصويت. رابعا، اليابان الدولة التى تعرضت لهجوم نووى ومعها بيلاروسيا وأوكرانيا وجورجيا. وهكذا وعلى الرغم من أن كل شىء بدا من الواضح أن هناك تيارا جديدا يتجه للنمو فى العالم ويهدف إلى إنقاذ البشرية من أسلحة الدمار الشامل بوجه عام والسلاح النووى تحديدا فى ظل حالة الغليان التى تعانى منها الساحة الدولية بوجه عام وشرق آسيا والشرق الأوسط على وجه التحديد.