«حماة الوطن» يعقد صالوناً سياسياً لإيجاد حلول لمشكلات الأسرة المصرية    "محلية النواب": المجالس المنتخبة لها صلاحيات واسعة في الدستور    تحذير دولي: العالم يواجه أكبر صدمة طاقة وسط تداعيات الحرب    محافظ الجيزة: تسيير سيارات المراكز التكنولوجية المتنقلة لتسهيل تقنين أوضاع المحال    حفاظا على البيئة، توزيع أكياس للقمامة على مرتادي الحدائق والشواطئ الإسماعيلية (صور)    ألمانيا تعلن استعدادها للمشاركة في حماية الملاحة بمضيق هرمز    وزيرا الخارجية والاستثمار يستقبلان المستشار الاقتصادي للرئيس الإريتري ووزير الصناعة    البنك الأهلي يعود للانتصارات بالفوز على المقاولون    "حطها في الجول يا رياض" مجددا.. محرز يقود أهلي جدة لإقصاء الدحيل في أبطال آسيا للنخبة    الزمالك يكتفي بتدريبات استشفائية استعدادًا لحسم التأهل أمام شباب بلوزداد    إقامة مباراة الزمالك وبيراميدز بتحكيم مصرى    بطولة إفريقيا لسيدات الطائرة| الأهلي يفوز على مصنع الكحول الإثيوبي    الدوري الإنجليزي، ليدز يتقدم على مانشستر يونايتد 0/2 في الشوط الأول    ماس كهربائي وراء حريق محدود داخل فندق شهير في الجيزة    الفسحة ب5 جنيه.. إقبال كبير على حديقة صنعاء بكفر الشيخ.. فيديو    القبض على المتهم بارتكاب أفعال خادشة للحياء بالعجوزة    العثور على جثة طالب الصيدلة غريق بحر العريش بعد 3 أيام من البحث    الداخلية تتخذ الإجراءات القانونية ضد تشكيل عصابي لغسل 170 مليون جنيه من تجارة المخدرات    مصرع شاب في حادث تصادم ميكروباص ودراجة نارية بالفيوم    حسين الجسمي يطلق أغنية يا بلادي من كلمات حاكم دبي    استشاري طب نفسي: نسبة الأطفال المصابون بالاضطرابات النفسية تصل الى 20%    علاج انتفاخ البطن بمكونات من المطبخ في أسرع وقت    لتعزيز الوعي الفكري للشباب، وزارة الأوقاف تعقد الأسبوع الثقافي بجميع المديريات    إصابة فلسطينيين اثنين برصاص الاحتلال الإسرائيلي شرقي مدينة غزة    «شم النسيم».. عيد الحياة الذي عبر آلاف السنين في وجدان المصريين    أحمد سالم فى كلمة أخيرة: أزمة مضيق هرمز تهدد الاقتصاد العالمى    نجل عبد الرحمن أبو زهرة ل«اليوم السابع»: حالة والدى تشهد تحسنا فى الوعى والتنفس    معرض «عالمى» لخوسيه موريلو بالأوبرا    مؤتمر كوكي: نحترم برشلونة لكننا متعطشون للوصول لنصف النهائي    بمراسم حافلة، الرئيس الجزائري يستقبل بابا الفاتيكان (فيديو وصور)    وكيل وزارة الصحة تتابع انتشار فِرق "100 مليون صحة" وتنظيم الأسرة بالحدائق    تحركات داخل «المهندسين».. اجتماع مرتقب لحسم المناصب القيادية بالنقابة    تعرف على إيرادات فيلم برشامة بالسينمات السعودية    أحمد سعد يطرح ألبومه الحزين الأربعاء المقبل    التحفظ على 383 كيلو أسماك مملحة فاسدة في حملة تموينية بالفيوم    أمين حزب الله: سندع الميدان يتكلم ونرفض المفاوضات العبثية مع الكيان الإسرائيلي    الكهرباء تبحث إقامة مشروعات توليد الطاقة المتجددة من الرياح بالسويس    سوبوسلاي: سنقاتل حتى النهاية أمام باريس.. وأنفيلد سلاحنا لقلب الطاولة    نائب محافظ الوادي الجديد يتابع منظومة مياه الشرب والصرف الصحي بمركز الداخلة    أحمد كريمة: الصحابي الذي تخلص من حياته غفر له الله    هل يجوز للمرأة كشف عورتها أمام بناتها؟.. أمينة الفتوى تجيب    الإمارات والبحرين تبحثان توترات الشرق الأوسط    جامعة قناة السويس تستضيف "فولبرايت مصر" لاستعراض فرص المنح البحثية    إنقاذ مصابي حوادث وتكثيف المرور على مستشفيات الدقهلية خلال شم النسيم    شوربة السي فود.. بديل صحي ولذيذ للرنجة والفسيخ على مائدة شم النسيم    هل يغفر للمنتحر؟.. الأوقاف تحسم الجدل وتوضح الحكم الشرعي كاملًا    ضبط مندوب رحلات تعدى لفظيًا على سائح في جنوب سيناء    «بتروجلف» تحقق أعلى إنتاج منذ تأسيسها.. وارتفاع إنتاج خليج السويس إلى 26.6 ألف برميل يوميًا    انتصار السيسي تهنئ الشعب المصري بمناسبة شم النسيم    السيارات الكهربائية مصدر بهجة لزوار الحديقة الدولية بشم النسيم (صور وفيديو)    الحقيقة الكاملة لتعيين أوائل الخريجين وحملة الماجستير والدكتوراه    أنشطة تفاعلية وورش فنية ضمن جولة أتوبيس الفن الجميل بالمتحف القومي للحضارة    سعد الدين الهلالي: المنتحر مسلم ويصلى عليه ويستحق الرحمة وبعض الصحابة انتحروا    إستراليا تدعو إلى بقاء مضيق هرمز مفتوحًا للجميع    هل يُغفر للمنتحر؟.. وزارة الأوقاف تبين الحكم الشرعى    ثورة تكنولوجية في السكة الحديد.. تحديث نظم الإشارات لتعزيز الأمان وضمان السلامة    صدام القوة والطاقة.. هل يعيد الصراع الإيراني الأمريكي رسم خريطة النفط العالمية؟    ترامب: أنفقنا تريليونات الدولارات على الناتو دون أن يساندنا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بريد الجمعة يكتبه : أحمد البرى
وحدى بين الأشرار!
نشر في الأهرام اليومي يوم 19 - 05 - 2017

استوقفتنى رسالة «شعاع خلف الغيوم» للسيدة التى روت لك معاناتها مع أمها وشقيقها وزوجها، ثم رد زوجها عليها فى رسالة «حزن فى الذاكرة» التى قال فيها إنها مصابة بمرض نفسى اسمه «الاعتقاد الخاطىء» جعلها تفسر كل شىء وفقا لما يتراءى لها فى خيالها دون سند من الواقع،
وبعد أن قرأت الرسالتين وجدتنى أكتب إليك بمشكلتى التى شاءت الأقدار أن أعانيها، بكل ما فيها من مرارة وعذاب بعد أن أصبحت وحدى وسط أشرار كثيرين لا أعرف كيف أواجههم، ولا كيف أحصل على حقوقى الضائعة منهم، فأنا سيدة بلغت واحدا وأربعين عاما منذ شهور، وترتيبى الوسطى بين شقيقين، الأول يكبرنى بخمس سنوات، والآخر يصغرنى بالعدد نفسه من الأعوام، ومنذ سنوات الصبا، وجدت والدتى متسلطة، وتمارس الكذب حتى فى أمور عادية، وأحيانا من باب الدردشة، وتأكدت أنها مصابة بهذا الداء الذى لم يفارقها لحظة إلى الآن، وهى أيضا عاشقة للمال بجنون حيث أنها الإبنة الوحيدة لأبويها مع ثلاثة أشقاء ذكور، ودللتها جدتى كثيرا بعد أن ماتت لها بنات كثيرات، وكان هذا التدليل سببا فى توقفها عن الدراسة بعد المرحلة الابتدائية، وتزوجت أبى وعمرها سبعة عشر عاما، أما عن الالتزام الدينى فلقد عرفه الجميع إلا هى، حيث كان جدى شيخا لمسجد المنطقة، وأخوالى على قدر كبير من التدين، واشتهر أبى بالتسامح والحنان وصلة الرحم، لكنها للأسف اتسمت بالعصبية والصوت العالى فى تعاملاتها مع الآخرين.
وفى بداية مشوار حياتهما الزوجية كان والدى فقيرا، ثم جمع ثروة لا بأس بها، ولبى كل طلباتنا، لكنه لم يعرف عنا شيئا، وترك أمرنا لوالدتنا التى اهتمت بالخروج من المنزل ولم تلتفت إلى شئونه مستغلة انشغاله الدائم، وكنا أنا وأخى الأكبر نقضى كل الوقت بمفردنا فى المنزل، ولم أعش فترة الطفولة مثلما يعيشها الصغار الذين ينعمون بحب وحنان آبائهم، إذ صرت خادمة صغيرة مهمتى شئون البيت وترتيبه وتنظيفه، ولم يرحم أحد صحتى الضعيفة أو يلقى بالا لدموعى وآلامى، فلقد ولدت بفتق فى السرة، ولم أجد اهتماما بحالتى، وكل ما كانت أمى تفعله أنها تعطينى بعض المهدئات التى جعلتنى عصبية فيما بعد!، وفى المقابل أغدقت على شقيقى الحب والحنان، وعشنا عدة سنوات فى رعاية جدتى لأبى، والحق أنها كانت نبع الحنان ومصدر الحكمة والهدوء لى وعوضتنى عن جفاء أمى، وانعكس اهتمامها بى على والدى، فأحبنى كثيرا، وتحمل عصبيتى التى لم يكن لى يد فيها، وظهر الثراء على أبى بمرور الوقت فاشترى سيارة، ونقلنا إلى شقة أكبر من التى كنا نسكن فيها، ولم أفرح كثيرا لذلك إذ كان يشغلنى حضن الأم الدافىء الذى يتمتع به كل الأطفال لكنى افتقدته ولم أجد منها غير الوقيعة بينى وبين أبى وسرعان ما كانت جدتى تستوعب الصدمات من كلا الطرفين، ولما كبرت عشت سنوات الجامعة بين جدتى، وجارة لنا لديها أربع بنات بينهن واحدة فى مثل سنى وولد صغير، وكان بيتهم فى الجهة المقابلة لمنزلنا مما أتاح لى أن أكون معهم معظم الوقت للمذاكرة إلى أن حصلت على الليسانس، ونالت صديقتى البكالوريوس فى كليتها.
وأذكر فى بداية التحاقى بالجامعة أن صديق أخى الأكبر تقدم لخطبتى، وكان وقتها قد تخرج فى كليته فوافقوا عليه، وبعد أربع سنوات تزوجنا، ومر العام الأول فى استقرار وسعادة، وحملت فى ابنتى، وتوقف زوجى عن تدخين السجائر استجابة لرغبتى، وعاهدنى على أن يعوضنى عن الحرمان الذى قاسيته نتيجة غياب أبى، وتجاهل أمى لى.. تخيل أنها لم تحضر أى ولادة لى، ولم تشاركنى أى فرح أو حزن، بل إنها دائما تتحدث عنى بكلام غير صحيح، والسبب أننى رفضت أن أسير على نهجها أو أوافقها على أسلوبها فى الحياة، بينما يسايرها شقيقاى فى كل ما تريد حتى فى مخاصمة بعض الجيران والأقارب لمجرد أنها مختلفة معهم فى أمور بسيطة دون سبب مقنع.
ولم تشاركنى زوجتا شقيقىّ فى أى أمر يخصنى بينما تجبرنى أمى على أن أقوم بكل مهام منزليهما فى أية مناسبة، ولم ترحمنى حتى وأنا حامل فى الشهور الأخيرة، فقاسيت الأمرين فى ترتيب منازل الجميع، وبلغت سيطرتها على أبى مداها فجعلته يكتب فيللا دفع فيها معظم مدخراته باسمها، وللأسف باعتها دون علمه، واشترت سكنا فى مكان راق ثم باعته، وأعطت ثمنه لأخى الأصغر فضيعه فى مشروع فاشل، ولم يتحمل أبى صنيعها فطلقها وتزوج بأخرى أنجب منها ولدا، ثم وزع ميراثه علينا بالتساوى وهذا حقه مادام موجودا على قيد الحياة، ولم أعر ذلك اهتماما، فلم يهمنى المال أبدا، وبنصيبى ساندتهم ماديا ومعنويا، وبعت ذهبى وأعطيت ثمنه لشقيقى الأكبر الذى تزوج أربع مرات للأسف وكلفته كل زيجة الكثير لكنه لم يلبث أن طلقهن واحدة بعد الأخرى، واستثمرت ما تبقى معى من مال فى شراء شقة وتشطيبها ثم بيعها وشراء أخرى، وهكذا إلى أن اشتريت فيللا، وأقرضت أخى الأصغر بعض ما كان معى من نقود ليتمكن من المشاركة فى مشروع كسب منه الكثير ثم خسر بعدها نصيبه بالكامل مع تقلبات السوق، فعوضنى بنصف قطعة أرض كان يملكها مع شقيقنا الأكبر، وبعتها بمبلغ كبير، وحدثت مشكلات كثيرة لأبى، فجاءنى وعاش معى سبع سنوات قبل رحيله، وقد حرضتنى والدتى وأخى الأكبر ضده، لكن هيهات أن أستجيب لهما فأبى هو كل حياتى، أما زوجى فقد اتجه إلى تعاطى المخدرات مع أصدقاء السوء، وظللت أعالجه على مدى عشر سنوات وتنقلت به بين العديد من المستشفيات المتخصصة، وتحملت عصبيته وإهاناته، وضربه المستمر لى، وكان أخوته على علم بما يفعله بى، وتعجبوا من أننى مازلت أعيش معه برغم ممارساته الوحشية ضدى، وتحملت الكثير من أجل استقرار أسرتى ولم أعبأ بمتاعبى الشخصية، ثم ذهبت لأداء العمرة مع أبى وحماتى وشقيق زوجى، ودعوت الله أن يهديه، وفجأة وجدتنى حاملا للمرة الثانية، ووضعت ابنى الثانى وظننت أنه سيهدأ ويعود إلى جادة الصواب، لكن هيهات له أن يبتعد عن طريق السوء، فانفصلت عنه برضاء تام، وتطلعت إلى بدء صفحة جديدة، وفى هذه الأثناء طلق شقيقى الأكبر زوجته الأولى بعد أن أنجب منها بنتين، وتزوج بأخرى تكبره بخمسة عشر عاما، وعاشت أمى معه، أما أنا فاستقللت بحياتى، ومرت أربع سنوات لم أفكر خلالها فى الارتباط بأى شخص آخر ثم رشحت إحدى صديقاتى لى عريسا من أصدقاء زوجها، وتعرفنا وارتبطنا خلال شهرين فقط، وكان قد طلق زوجته لعدم الإنجاب، ثم اكتشفت أن له علاقات نسائية عديدة، ولا يعرف من الإلتزام الدينى شيئا، ويثور ويكسر كل ما يجده أمامه لأتفه الأسباب، بل ويلقى الطعام على الأرض إذا لم يعجبه، وللأسف حملت سريعا فى ابنى منه، وأدركت أن مصيرى معه سيكون كسابقه، وحدث ذات مرة ما لم يكن فى الحسبان إذ دخل البيت ثائرا فلم أسأله عما به، ودخلت الحمام، وعندما خرجت منه وجدته فى انتظارى حاملا «موسا وماكينة حلاقة»، وكتفنى وحلق نصف شعرى، بالماكينة وأزال نصف حواجبى من الجانبين بالموس وأنا مستسلمة تماما خوفا من أن يشوه وجهى، ثم أصابنى فى ذراعى فنزفت دما كثيرا، ولما تركنى ارتميت على الأرض فجلس أمامى وأخذ يبكى طالبا منى أن أسامحه، لكنى لم أرتح له أو آمن جانبه منذ تلك اللحظة، وزاد من سخطى عليه أنه أبلغنى أنه سوف يتزوج من أخرى لديها ثلاثة أولاد، ولم يقدر وقوفى بجانبه فى العديد من المشروعات التى دخل فيها، وبعد أن وضعت مولودى انفصلت عنه، وأقمت أنا وأولادى الثلاثة فى شقة بالإيجار، وكانت ابنتى الكبرى تتردد على أبيها وتجلس معه هو وعمها، وكانا يتعاطيان المخدرات أمامها، فأدمنتها، وقاسيت الأمرين لعلاجها، لدرجة أننى اضطررت إلى بيع فيللتى وسيارتى الخاصة لكى أعالجها من الإدمان، وسلمت شقيقى الأكبر معظم ما أملكه أملا فى استثماره بمشروع يدر دخلا لى مع شريك له فى المقاولات، وفوجئت بعد عدة أشهر وقبل أن أستفيد بأى عائد بادعائه أن المقاول الذى شاركه المشروع يبنى أبراجا مخالفة للقانون فى منطقته، وقد ألقى القبض عليه ويخضع للمحاكمة، ثم لاحظت علامات ثراء غير طبيعية على شقيقى، فشككت فى أمره، واضطررت آسفة إلى رفع دعاوى قضائية ضده، وحصلت على أحكام نهائية بحقوقى لديه، ولكنها لم تنفذ حتى الآن، وبكل أسى أقول أن أمى تقف معه بل وتشاركه صنيعه ضدى، ولم تكتف بذلك فاتهمتنى بسرقة إيصال أمانة إمعانا فى إيذائى، وثبتت براءتى بفضل الله، فأنا لم أرتكب جرما أو تصدر منى أى إساءة لأحد.
ووسط كل هذا الظلام الحالك جاءنى شقيقى الأصغر ليعيش معى بعد أن أضاع كل ما يملكه، وأصبحت فى مواجهة أشرار لا طاقة لى بهم، أمى التى مازالت تدبر لى المكائد مع أنها بلغت السادسة والستين من عمرها، وأخى الأكبر الذى يقف لى بالمرصاد، ليكملا الخناق علىّ الذى رسم خيوطه الأولى مطلقى الأول ثم الثانى، وكلهم يحاولون الفتك بى.
لقد ضاق الخناق علىّ من كل جانب، ولا أعرف إلى الاستقرار سبيلا، ولا أدرى ماذا أصنع مع شقيقى الأكبر وأمى اللذين لا يكفيهما ما فعلاه بى، وإنما يلاحقانى فى كل مكان، ويحيلان حياتى إلى عذاب لا يتحمله بشر، وأيضا مع مطلقّى والد ابنتى الكبرى وابنى الثانى، ووالد ابنى الثالث!.. فبماذا تشير علىّ؟
ولكاتبة هذه الرسالة أقول :
فى حياة كثير من العائلات أسرار مؤلمة ومشكلات جمة، وهناك من يستطيعون التغلب عليها بالحب والتفاهم والتسامح، وأحيانا ببعض التنازلات، بينما يعجز آخرون عن الصفح والغفران، والتماس رضا الرحمن، فتزداد الهوة وتتعمق الخلافات التى تصل إلى حد القطيعة وتدبير المكائد والمؤامرات، وما حدث فى عائلتكم مثال واضح لعداوة الدم، فكل منكم لديه شعور بأنه ليس محبوبا ممن حوله، وتتملكه الرغبة فى السيطرة عليهم بأى شكل من الأشكال، مما أدى إلى تفكك روابطكم، وأحال حياتكم إلى جحيم، وكما أقول دائما فإن «البدايات تحدد النهايات»، فمنذ ارتباط أبيك بأمك وهو بعيد عن الأسرة تماما، وكل همه جمع المال، فأتاح ذلك الفرصة لأمك للخروج يوميا من المنزل سواء لزيارة معارفها أو قضاء مشاوير مع صديقاتها, وهكذا انخرطت فى علاقات أثّرت على بيتها وزوجها وأولادها، وعرف الانهيار طريقه إليكم، فسار كل واحد فى اتجاه مخالف للآخر، ومن ثم انتشر الحقد وسادت الضغينة، وتعارضت المصالح!
وغاب عنكم أن هناك أمورا يجب على الآباء والأمهات إدراكها، منها تعليم أبنائهم كيفية إدارة صراعاتهم الصغيرة دون أن تخلف أحقادا بينهم، إذ ينبغى ألا يتركوا أحدهم حزينا أو مقهورا، وإنما عليهم أن يتيحوا له المجال للحديث والتعبير عن أسباب غضبه وخلافه مع أشقائه، ويوضحوا للجميع كيف يختلفون ويخسرون ويكسبون دون أن يكره أحدهم الآخرين، فالحقيقة أن الأخوّة فى الأسرة من أوثق عرى الروابط، وهى من الإيمان، ويقتضى توحيد البيت، أن يتم توحيد القلوب، وما أعظم علاقة الأخ بأخيه، ويجسد ذلك أول كلمة ننطق بها عند الألم حيث نقول «أخ» لقربه من قلوبنا ومشاعرنا، والدنيا لا تستحق التنافر بين الأخوة مهما يكن السبب أو المطلب، ومن الضرورى تعميق العمل الجماعى وإصدار القرار بالشورى بينهم، وأذكر فى هذا الصدد نصيحة الإمام على بن أبى طالب التى قال فيها «الأخوة إما أكبر منك سنا فاجعلهم بمنزلة أبيك، وإما أصغر منك، فاجعلهم بمنزلة ابنك، وإما مساوون لك فى العمر، فاجعلهم بمنزلة أخيك، فبر أباك وآس أخاك وارحم ابنك».
من هنا أدعوكم إلى حل مشكلاتكم بما يرضى الله سبحانه وتعالى وفقا للأحكام الشرعية، وأن تجتهدوا فى السماح والعفو عن بعضكم أنت وشقيقك وأمك حتى تجتمع القلوب وتتم المودة ويتحقق التعاون، ولتتذكروا قول اله سبحانه وتعالى «وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ» (البقرة 237)، ويقول أيضا «وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ» (الشورى 40)، ويحضرنى أيضا حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، فالتسامح والعفو عن بعض الحق من صفات الكرام والأفاضل الراغبين فيما عند المولى سبحانه وتعالى، ولا يجوز التهاجر كما يفعل معك شقيقك وأمك لقول المصطفى صلوات الله عليه وسلامه « لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تناجشوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يحقره ولا يكذبه، ولا يكذب عليه»، فالتهاجر ممنوع لما يفضى إليه من الشر، ولما كانت الشحناء الموجودة بينكم بسبب المال الموجود فى ذمة أخيك لك، فإننى أطالبه بالاجتهاد فى رده إليك، وأن تتيحى له الفرصة لذلك حين تتيسر أحواله، وأرجو من أمك أن تضمك إلى صدرها مثلما تفعل كل الأمهات إلا قليلات ممن يسيطر عليهن الفكر المادى البحت، فالمال لا يجلب السعادة، وراحة البال هى الأمل الذى ينشده كل عاقل، وأحسب أنك مطالبة بالتريث قبل الإقدام على أى خطوة جديدة، فالعصبية التى ترجعينها إلى الأدوية التى تتعاطينها واحدة من الأسباب التى تدفع من تتعاملين معه إلى اتخاذ مواقف معاندة لك، ومن المؤكد أنك ساهمت بشكل أو بآخر فيما آلت إليه أحوالك، ولابد من الحكمة والصبر فى علاج ما يعتريك من متاعب وهموم، فبالنسبة للحياة الزوجية أرجو ألا تقدمى على زواج جديد إلا بعد أن تطمئنى على أولادك الثلاثة من مطلقيك، وأن تتأكدى من أن من سترتبطين به يتصف بالحكمة والهدوء، واعط نفسك مساحة من الوقت والتفكير لوضع الأمور فى نصابها الصحيح معه، وأما شقيقك وأمك فأرجو منهما أن يتوصلا معك إلى «خريطة طريق» تصلح ما أفسدتموه بأيديكم، فالدنيا إلى زوال، ولا يبقى فى النهاية سوى الحسرة والندم على التفريط فى الرابطة الأسرية، ولكن بعد فوات الأوان.
ولتعلمى أنه لولا المصائب لبطر العبد وبغى وطغى، وأن الله يحميه بها ويطهره مما فيه، فسبحان من يرحم ببلائه ويبتلى بنعمائه، وفى ذلك يصدق قول الشاعر:
كم نعمة مطوية لك بين أنياب النوائب
ومسرة قد أقبلت من حيث ترتقب المصائب
وقد أنشد آخر قائلا:
إذا اشتملتْ على اليأس القلوبُ وَضَاْقَ بِمَا بِهِ الصَّدْرُ الرَّحِيْبُ
و أوطنت المكارهُ واستقرت وَأَرْسَتْ فِى أَمَاكِنِهَا الخُطُوْبُ
و لم ترَ لانكشاف الضرِّ وجهاً و لا أغنى بحيلته الأريبُ
أتاكَ على قنوطٍ منك غوثُ يمنُّ به اللطيفُ المستجيبُ
و كلُّ الحادثاتِ اذا تناهتْ فَمَوْصُولٌ بِهَا فَرَجٌ قَرْيَبُ
وأقول لكم جميعا ولكل من يأكل أموال الناس بالباطل ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم «لا يعجبك امرؤ كسب مالا حراما، فإنه إن أنفق لم يقبل منه، وإن أمسك لم يبارك له، وإن مات وتركه كان زاده إلى النار»، وأذكر أيضا ما قاله الحسن البصرى «ما عز أحد الدرهم إلا أذله الله».. وأسأله سبحانه وتعالى أن يقيكم ذل المال، وأن يبعد عنكم الشيطان، وأن يهديكم جميعا إلى الطريق المستقيم، وهو وحده المستعان.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.