لا يتطلب الأمر تفكيرًا عميقًا، ولا الإغراق فى دراسة الفلسفة، ليدرك القاصى والدانى، أن المصريين يعيشون حاليًا واحدة من أدق اللحظات فى تاريخهم، ليس فقط على مستوى التحديات الاقتصادية والمعيشية اليومية، ولا على خلفية خطر مواجهة الإرهاب، الذى بات أكبر تهديدات المستقبل، بل أيضًا على صعيد اليقين المتعلق بكثير من الثوابت التى طالما أقام المصريون عليها أسس حياتهم. ولن يحتاج المرء منا إلى تفكير طويل، ليدرك أن ثمة أسئلة لا حدود لها تطن فى رءوسنا جميعًا طنين نحلة حبيسة فى إناء زجاجى فلا تعرف الطريق إلى الفرار. وعلى رأس الأسئلة، إلى أين نحن ذاهبون بالضبط؟ وما شكل المستقبل؟ وهل حقًا ستكون الأيام القادمة أفضل.. أم سنظل هكذا ندور فى دائرة لا أول لها ولا آخر من الترقب والانتظار والقلق المؤرّق ؟ أحد تفسيرات ما نحن عليه الآن بالتأكيد، هو ارتفاع الأسعار بلا ضابط ولا رابط، حتى إن سعر السلعة الواحدة ( أساسية كانت أو كمالية)، بات يرتفع، ليس كل يوم، بل كل ساعة، ما يجعل الأسر المصرية غير قادرة على وضع ميزانية منضبطة للإنفاق بما يلائم الدخل، الذى هو فى أغلب الأحيان (مع الغالبية منا) «ثابت» لا يتحرك خطوة واحدة للأمام، بل على العكس يتراجع جراء انخفاض قيمة الجنيه يومًا بعد يوم. غير أنه ورغم ما يمثله هذا الارتفاع الصاروخى فى الأسعار من هيجان فى النفس وخوف على أكل العيال إلا أن هناك ما هو أفدح، وهو انخفاض مستوى التطلعات والأمل، وكما هو معلوم فإنه كلما انخفض معدل الأمل تراجعت العزيمة والهمّة، وتضاءلت الرغبة فى التطور والإبداع.. إذ ليس من الصحى أبدًا أن تنحصر كل غاياتنا فى الحياة فى البحث عن الطعام وحده. أنت بدون الأمل فى التقدم للأمام لتحسين شروط حياتك، لن يكون لديك الدافع للعمل الشاق لبناء حياتك القادمة، كما سينغلق كل منا على نفسه، ويعيش فى دائرة مشاكله الخاصة به، ضاربًا بالمجتمع وهمومه وأحلامه عرض الحائط.. وسلم لى على الانتماء ! إعادة ترميم الأمل، لم تعد فقط ضرورة من ضرورات أمن مصر القومى، ولا لازمة من لوازم إقامة حائط الصد المنيع لحماية الأمة من مخططات كارهيها، سواء فى الداخل أو الخارج، وإنما صارت ضرورة حياة أو موت، ولن يفيد فى شىء ترديد الشعارات الرنانة، ولا الاعتماد على الأوهام التاريخية، ولا الرهان على أصالة المصريين وقدرتهم الخرافية على التحمل إلى ما لا نهاية. ويخطئ كل من ظن أن القصة تتمحور فقط حول إعادة بناء الاقتصاد، لأن الذين سيديرون عجلة الاقتصاد هم كل المصريين، وليس قطاعًا واحدًا منهم، مهما بلغت كفاءته، أو نواياه الحسنة، فكيف سيبنى قوم استوطنهم اليأس واستعمرتهم العدمية والسوداوية أمة ناهضة؟ وهنا سيكون السؤال المنطقى: طيب وكيف نصل إلى هذا الهدف المنشود لإعادة الأمل؟ والحقيقة.. أن المهمة صعبة، لكنها ليست مستحيلة. وأولى لبنات البناء هى الدين. ولسنا هنا فى حاجة إلى إعادة القول المأثور الذى نحفظه جميعًا عن ظهر قلب، وهو أن المصريين «قوم متدينون» سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين. إن المصرى، طوال تاريخه، يعتمد على الله فى كل صغيرة وكبيرة، وكلما تعرض للضغوط- على كثرتها- كان دائمًا يرفع رأسه إلى السماء طالبًا من الله العون والسند، واليوم صار الدين على المحك، حتى كاد البعض منا يحس بالحيرة ويتساءل: أين قوة الدين فى تخفيف حدة ما نعانيه الآن؟ وبالتالى لابد من إحياء تلك الجوهرة فى أرواحنا، والكف عن التشكيك والسفسطة والهذيان الذى يخرج علينا به يوميًا كل من هبّ ودبّ. ونحسب أن هذا هو ما قصدته القيادة السياسية، عندما طالبت بضرورة إنجاز تجديد الخطاب الدينى، فالمسألة لم تعد تحتمل، ويجب أن تقوم مؤسساتنا- وفى المقدمة منها أزهرنا الشريف والكنيسة القبطية- بوظيفتها التى باتت مطلوبة فى هذا الوقت أكثر من أى وقت مضى، بعيدًا عن الغلو والتطرف واحتكار الأقلية للتفسيرات الدينية، إذ «الزيغ» الذى نحن فيه الآن أصبح يحتم إعادة الدين إلى مكانه الصحيح فى بنية الشخصية المصرية. ويأتى الإعلام فى المرتبة الثانية، وذلك بتبنى خطاب إعلامى جديد، لا يبحث فقط عن زيادة أعداد المشاهدين سعيًا خلف الإعلانات، بل بإعادة ثقة الأمة فى نفسها، وإيمان الناس بوطنهم، وبقيم العمل، والتفانى، والإتقان، ونعتقد أن لدينا خبراء قادرين على وضع هذا الخط الإعلامى الجديد، بشرط أن تعود الدولة ( ونقول الدولة وليس الحكومة لأن هناك فرقا كبيرًا بين الاثنتين)، إلى أداء أدوارها، وكفانا ترديدًا للنغمة النشاز عن « دور القطاع الخاص» فهذا البلد ستبنيه دولة قوية، وليس مجرد « شبه دولة» تتمحك فى القطاع الخاص ! وثالثًا، علينا أن نلتفت للتعليم قليلًا، فنوجه له المزيد من مخصصات الموازنة العامة، وكفانا استهتارًا بالعملية التعليمية، وترديدًا لأكلاشيهات محفوظة، عن تطوير المناهج، أو إعادة طلاء الأسوار الخارجية للمبنى المدرسى، أو مكافحة لغش الغشاشين فى الثانوية العامة، فهذا هزل فى موضع الجد، ومستقبل الأمة المصرية كله بات يتهدده الخطر.. فأفيقوا يرحمكم الله.. وكما نطالب بخطة عمل منضبطة لرسم خطاب إعلامى جديد، فيجب قبل كل شىء وضع استراتيجية تعليمية حقيقية اليوم اليوم.. وليس غدًا. الأمل هو طريقنا الوحيد للنجاة، وللتخلص مما نحن فيه الآن من يأس وارتباك، ولا أمل بغير عمل، ولا عمل بدون تخطيط، ولا تخطيط بدون الاعتماد على الكفاءات، بعيدًا عن «الشللية» والواسطة، والمحسوبية، والولاء الخادع.. فمصر فعلًا فى أزمة. لمزيد من مقالات سمير الشحات