مع اقتراب انتهاء الفترة الانتقالية التالية لثورة25 يناير2011, تعتبر هذه فرصة لمراجعة وتقييم الكثير من المجالات لمعرفة ما تم تحقيقه فيها, سواء من إنجازات أو من أوجه قصور. ويسري ما تقدم, ضمن أمور أخري, علي الدبلوماسية المصرية وما قامت به من جهود خلال تلك الفترة. وقد تعاقب علي منصب وزير الخارجية في الحكومات التي تم تكليفها عقب تنحي الرئيس السابق في11 فبراير2011 ثلاثة شخصيات من كبار الدبلوماسيين المصريين, ولكل منهم إسهاماته في تاريخ الدبلوماسية المصرية المعاصر, وإن تباينت الفترات التي تولي كل منهم فيها مهمة مسئولية وزارة الخارجية, حيث تولي الوزير الدكتور نبيل العربي هذا المنصب لمدة فاقت الثلاثة أشهر والنصف, بينما تولي الوزير محمد العرابي هذا المنصب لفترة قلت عن شهر واحد, أما الوزير الحالي محمد كامل عمرو فقد تولي هذا المنصب المدة الأطول والتي قاربت علي عام كامل. وبداية يتعين الإقرار بأن الفترات الانتقالية هي بطبيعتها تجعل من إدارة السياسات, بما في ذلك السياسات الخارجية, ذات طابع مرحلي تستهدف في الأساس إدارة الأزمات وتجنب أي خسائر وكسب النقاط في العلاقات الخارجية للدولة, وذلك في ضوء اعتبار السياسة الخارجية للدولة امتدادا من جهة وانعكاسا من جهة أخري لأوضاعها الداخلية, سواء من ناحية استقرار الأوضاع السياسية أو حالة الاقتصاد, ولذا فإن أي تطور سلبي في أي من هذه المتغيرات يؤثر سلبا علي السياسة الخارجية للدولة. وبالرغم مما تقدم, فإننا نلحظ في إدارة السياسة الخارجية المصرية وأداء الدبلوماسية المصرية خلال الفترة المنصرمة منذ11 فبراير2011 تحقيق عدد من الاختراقات من جهة وفتح بعض الملفات من جهة أخري, سنذكر بعضها هنا. وإذا بدأنا من النهاية, فإن الإنجاز الذي يمكن وصفه بالتاريخي هو تمكين المصريين المقيمين بالخارج, ولأول مرة في تاريخ مصر, من المشاركة في الانتخابات التي جرت بعد ثورة25 يناير, سواء النيابية أو الرئاسية, وذلك تلبية لرغبة جالت بخواطر المصريين بالخارج وعبروا عنها علي مدار عقود, وهو أمر يحسب لوزارة الخارجية وبعثاتها بالخارج في عهد الوزير محمد عمرو, وذلك بالتعاون مع جهات أخري عديدة بالدولة. ولم يكن تمكين المصريين بالخارج من التصويت في انتخابات وطنهم والشعور بالمساواة في الحقوق السياسية وممارستها مع مواطنيهم الموجودين داخل مصر هو الإنجاز الوحيد عبر هذه الفترة الوجيزة نسبيا, بل كان هناك أيضا بلورة مبادرة للتعاون مع دول حوض النيل بهدف دفع جهود التنمية بها بما يحقق منافع مشتركة مع مصر, وبما يتجاوز مسألة المياه ليعمل من أجل تحقيق شراكة إستراتيجية كاملة بين مصر وهذه الدول, وهي مبادرة أطلقها وزير الخارجية محمد عمرو خلال جولة له بست من دول حوض النيل في يناير2012, وهي ستحتاج للكثير من الموارد ولفترة زمنية ممتدة وللتكامل بين جهات الدولة المختلفة, بما في ذلك القطاع الخاص والدبلوماسية البرلمانية والحزبية والشعبية, حتي يتحقق لها النجاح والمصداقية. وفي مرحلة مبكرة بعد تنحي الرئيس السابق وبدء المرحلة الانتقالية, وتحديدا في مايو2011, نجحت جهود مصر في تحقيق اتفاق للمصالحة الفلسطينية, وتلي ذلك التوصل إلي اتفاق مبادلة الجندي الإسرائيلي ز س بتهمة التجسس لدي مصر بمسجونين مصريين لدي إسرائيل, وهي جهود أسهمت فيها جهات أخري معنية بالأمن القومي المصري, مما عكس التكامل فيما بين أدوار مختلف هذه الجهات وليس تنافسها. وفي السياق نفسه حدث تقدم نحو فتح المعابر بين مصر وغزة مما أسهم في تخفيف آثار الحصار الإسرائيلي المفروض علي الشعب الفلسطيني هناك, وذلك بعد تصريحات للدكتور نبيل العربي, وزير الخارجية آنذاك, تؤكد تحرك مصر الثورة في هذا الاتجاه. والواقع أن الدكتور نبيل العربي ألقي خلال فترة توليه منصب وزير الخارجية بالعديد من الأحجار في مياه كانت راكدة منذ فترة طويلة, ومنها الدعوة لإعادة دراسة ملف العلاقات المصرية الإيرانية, وكذلك دعوته لمراجعة موقف مصر من عدد من الاتفاقيات الدولية والإقليمية في مجال حقوق الإنسان وكذلك الاتفاقية الخاصة بالمحكمة الجنائية الدولية, وذلك كله في ضوء المصالح الوطنية المصرية وأمنها القومي. كما يذكر للوزير السابق محمد العرابي جهودا خلال فترة توليه القصيرة لمسئولية وزارة الخارجية لمحاولة إعادة تنظيم الوزارة من الداخل بهدف تمكينها من المساهمة في تحقيق أهداف ومطالب الثورة في المجال الخارجي. ولا يعني ما تقدم سوي أهمية الاستفادة مما تم من جهد بوزارة الخارجية لإعداد تصور شامل للسياسة الخارجية المصرية ومبادئها وأهدافها ودوائر تحركها وآليات صياغة خياراتها وصنع قراراتها والأدوات المستخدمة لتنفيذها, وذلك علي أسس الأمن القومي والمصالح الوطنية العليا وأهداف الثورة, يبني علي ما تم خلال المرحلة الانتقالية, ولكنه يكون لفترة ممتدة زمنيا قادمة, بهدف حسن توظيف الفرص والتغلب علي التحديات, في ضوء الاستقرار المأمول داخليا في ظل استكمال النظام الجديد لمقوماته, وكذلك الإحياء المنشود للاقتصاد المصري علي أسس مستدامة. المزيد من مقالات د.وليد محمود عبد الناصر