نجح مؤتمر الشباب الأول فى شرم الشيخ فى أن يكون مبعثا للسعادة والأمل بعد الصورة الحضارية الرائعة التى ظهر بها أمام الرأى العام فى الداخل والخارج. بصراحة كان متوقعا أن يكون المؤتمر مجرد «زفة» كبيرة وان يقتصر الحضور فيه على طيف سياسى معين، لكن المفاجأة كانت فى الإعداد الجيد للمؤتمر وحضور كل الأطياف والأهم هو مساحة الحرية المتاحة أمام الجميع لعرض رؤاهم ووجهات نظرهم دون قيود أو قائمة ممنوعات ومحظورات. انطلق الحوار من قاعدة أساسية هى قاعدة المشاركة والرؤية المستقبلية لمصر التى نريدها وننشدها وجلس الرئيس عبد الفتاح السيسى وسط الحضور ملتزما بقواعد ادارة الجلسة ومستمعا اكثر منه متحدثا، ولا يتحدث إلا للضرورة بل كان دائم التدوين لكل الملاحظات الاساسية والمهمة، وبالتالى فلم يكن هناك توجيه محدد لشكل إدارة الجلسة، وقد حضرت معظم الاحزاب السياسية المؤتمر ممثلة فى شبابها وقيادتها، كما حضر المستقلون بنفس القدر من المساواة وشاركوا بنفس الاهتمام والرغبة فى بناء دولة ديمقراطية مدنية حديثة. لقد قامت ثورات فيما سمى بالربيع العربى فى بدايته وبغض النظر عن تحوله إلى خريف قاس من أجل الحرية والحوار واستيعاب الآخر إلا أنها تحولت إلى ثورات قنابل وخناجر وقتل وتدمير فكانت النهاية المأساوية لتلك الثورات فى ليبيا وسوريا واليمن، ولولا عناية الله ثم جيش مصر وشعبها لوقعت مصر فى «الفخ» هى الأخري، إلا أن الأمر مازال يحتاج إلى جهود جبارة للخروج من المأزق الحالي. المؤتمر كان فرصة رائعة للحوار الراقى وتبادل وجهات النظر حول مختلف القضايا التى تهم الوطن دون خطوط حمراء مادامت المصلحة الوطنية هى الدافع والمحرك، ومن ثم فقد تحدث المشاركون بقلب مفتوح فى مختلف القضايا، وكانت منصات الندوات تعبر عن تعددية وجهات النظر المؤيدة والمعارضة للقضايا المطروحة دون قيود وبفرص متساوية للجميع فى الوقت وطريقة العرض لا فرق فى هذا بين مؤيد أو معارض، وتلك النقطة هى أكبر مكتسبات المؤتمر لإننا فى مصر نفتقد لغة الحوار، وفى الوقت الذى نرفض فيه الديكتاتورية، فان كل مواطن تحول إلى ديكتاتور صغير يرفض أن يستمع للآخر، ولا يستمع إلا لنفسه، وتلك كارثة كبري، ولابد أن يعود المجتمع إلى رشده، ويؤمن كل فريق بحق الآخر فى الحوار والنقاش دون إرهاب أو تخوين من أى فريق للآخر بعيدا عن المكارثية، وصكوك الغفران، والجنة والنار، والعمالة، وغيرها من تلك المصطلحات التى صدعت رؤوسنا وأقتحمت قاموسنا السياسى مؤخرا وساهمت فى ازدياد حدة الازمات التى تواجهنا الآن. نجح المؤتمر فى الدمج بين كل الاعمار واختلطت الخبرة بالشباب فالكل فى مركب واحد، وليس هناك هدف إلا المصلحة العليا فكانت المنصة دائما خليطا بين الشباب واصحاب الخبرة، فلايوجد مجتمع فى العالم كله يعيش بشبابه فقط، والعكس صحيح، فلايمكن أن يعيش اصحاب الخبرة وحدهم دون الشباب الاكثر حيوية وفاعلية فى المجتمع، وهذه النقطة تستحق الاشادة والثناء للجهة المنظمة للمؤتمر حيث نجح المؤتمر فى إظهار التنوع لكل الاعمار وكل الأطياف دون مساس بروح المؤتمر وهدفه. الملاحظة الأخرى التى اثارت انتباهى هى طريقة مشاركة الوزراء وتفاعلهم مع المؤتمر وابداء وجهات نظرهم بحرية فقد أعجبنى تعليق خالد عبدالعزيز وزير الشباب والرياضة على د. مصطفى الفقى حينما رفض العودة إلى افكار الستينيات ومنظمة الشباب التى تأثر بها د. مصطفى الفقي، مشيرا إلى اختلاف الظروف المحلية والدولية، كما أعجبنى ملاحظات عمرو الجارحى وزير المالية عن الأقتصاد المصرى فى ندوة سعر الصرف وتأكيده على ضرورة مراجعة دفتر أحوال الاقتصاد المصرى وتحويله من «الاقتصاد الريعي» إلى الاقتصاد الانتاجى حتى نتجنب التأثيرات الخطيرة الحالية التى أدت إلى انهيار سعر الصرف نتيجة انهيار السياحة، فالسياحة مهما تكن مزدهرة فهناك ظروف تكون خارجة عن الارادة احيانا يمكن ان تتأثر بها كما يحدث حاليا، وبالتالى لايمكن أن يظل الاقتصاد المصرى رهينة لتلك الظروف. أعتقد أن رؤية وزير المالية وهو وزير مسئول فى الحكومة رؤية محترمة ينادى بها قطاع كبير من الاقتصاديين والخبراء والمهتمين، وآن الأوان لترجمتها إلى أرض الواقع من خلال خطة حكومية لتحويل مصر إلى دولة انتاجية، ولاأدرى ماذا تفعل وزارة التخطيط ووزيرها إذا لم تضع خطة حقيقية لتحويل مصر إلى دولة انتاجية يكفى انتاجها متطلبات شعبها ويزيد للتصدير كما فعلت الهند وأندونيسيا والصين وماليزيا وكل الدول التى عبرت أزمتها الاقتصادية وأصبحت نمورا واسودا اقتصادية. أتمنى أن يتبنى الرئيس عبد الفتاح السيسى الدعوة إلى مؤتمر اقتصادى ثان فى شرم الشيخ على غرار مؤتمر الشباب يشارك فيه المهتمون والخبراء وكل الاطياف للتوصل إلى رؤية حقيقية واستراتيجية تستهدف تحويل الاقتصاد المصرى إلى اقتصاد إنتاجي: «صناعي، وزراعي، وتكنولوجي»، فى مختلف المجالات بحيث نخرج من الأزمة الحالية أكثر قوة ولانتعرض لها مرة أخري. من غير المقبول ولا المعقول أن نظل شعبا مستهلكا مستورد لكل شيء ثم نبكى ونصرخ على حالنا بعد ذلك. صحيح أن هناك مؤامرات وافعالا خبيثة وراء تفاقم الأزمة الاقتصادية الحالية، وأنها إن شاء الله فى طريقها إلى الحل، لكن ليس معنى ذلك ألا نستوعب الدرس، والبداية لابد من خطة مدروسة ومحكمة لتحويل الاقتصاد المصرى إلى اقتصاد إنتاجى قادر على المنافسة وتحويل مصر إلى صين العرب وإفريقيا خلال السنوات القليلة المقبلة. تحية إلى الرئيس عبد الفتاح السيسى الذى استجاب لمناقشات المؤتمر وقام بتحويلها إلى 8 قرارات وتكليفات سواء فيما يخص الشباب المحبوسين على ذمة قضايا، وكذلك توجيهه للحكومة بالتنسيق مع الجهات المعنية بدراسة مقترحات تعديل قانون التظاهر، وتكليفه للحكومة بالتنسيق مع مجلس النواب للإسراع بالانتهاء من إصدار التشريعات الإعلامية والانتهاء من تشكيل الهيئات والمجالس المنظمة للعمل الصحفى والإعلامي، وهو المطلب العاجل الذى ينتظره جموع الصحفيين والإعلاميين منذ أكثر من عامين، بالإضافة إلى باقى القرارات الأخرى التى تؤكد حرص الرئيس على الانجاز والاستجابة لكل الرؤى من أجل مستقبل واعد لمصر إن شاء الله. لمزيد من مقالات عبدالمحسن سلامة;