نجم وإمام وعدوية من (ثمار) الهزيمة .. والإسكندرانى ونوح ومنير (ضحايا) الانفتاح هل الأغانى نتاج للسياسة وتوجهاتها أم أنها تقود خطواتها وتبشر بها؟ وهل العلاقة بين المغنى والسياسى علاقة فى اتجاه واحد أم علاقة تبادلية يكشف فيها المغنى عورات السياسى أم يروج للقيم التى يسعى إليها وأحيانا ينافقه ويصفق له ويتبادل الاثنان المنافع والمواقع؟ وإذا كان أحد الفلاسفة قال إنه إذا ظهرت أنماط جديدة فى الموسيقى فإن النظام السياسى سوف يتغير، أليست هذه شهادة على أن الفن - ومن ثم الأغنية- هو الذى يقود وأنه التعبير الحقيقى عن إبداع الشعوب وطموحاتها نحو التغيير وأن النظام السياسىيصوغ الشكل العمرانى والاقتصادى والاجتماعى بقدر درجة تذوقه للفن؟ وهل كان ارتباط ظهور الفرق الجماعية بفترة الخمسينيات والستينيات عبثيا أم أنه كان يدعم مفهوم العمل الجماعى الذى نادت به ثورة يوليو 1952 ؟.. وما علاقة هذه الفرق بمبادئها وشعاراتها عن الاتحاد والنظام والعمل ؟ ................................................ سألت الدكتورة ياسمين فراج استاذة النقد الموسيقى بأكاديمية الفنون عن جدلية العلاقة بين المغنى والسياسى وأيهما يتقدم الآخر، فكان هذا السؤال بداية لحوار طويل معها ومع أفكارها وخصوصية اهتماماتها كما جاءت فى كتابها الموسوعى الغناء والسياسة فى تاريخ مصر. تقول فى البداية: من خلال الأغنية يتشكل وعى الشعوب ويمكن تعبئتهم وتوجيههم، وقد ساهمت الأغنية بشكل فعال ضد المستعمر كما ساهمت فى تعميق ثقة الشعب بقدراته وقدرته على فعل المستحيل كما حدث عقب الهزيمة حتى انجاز نصر اكتوبر المجيد والعكس عندما تدنى مستوى الفن والموسيقى والغناء وظهر ما يسمى بالأغانى الهابطة وسينما «بير السلم» فكان ذلك دليلا على تردى أوضاع المجتمع بشكل عام قبل ثورة 2011 .. ولا ننسى أن رأس الحربة التى وجهت إلى صدر النظام الاخوانى البغيض بدأ بتمرد المثقفين وأكاديمية الفنون والأوبرا . هذا يؤكد حقيقة أن أنماط الموسيقى وأهداف الغناء تعكس هوية المجتمع ومستوى رقى أهدافه. بالتأكيد.. عندما تكون غاية الغناء الوطنى هى تمجيد شخص الحاكم يمكننا استنتاج ان هذا المجتمع ليس لديه مشروع قومى يلتف حوله ويستجمع طاقاته على العمل والانتاج وأيضا لا يتمتع بحرية حقيقية وان اخلاقيات النفاق والانتهازية هى السائدة بين أفراده والعكس عندما نجد كلمات الاغنية راقية وبعيدة عن التملق والنفاق لابد ان ذلك دليل على أن المجتمع منتج ويتمتع بقدر كبير من الحرية الحقيقية وما يترتب على ذلك من وجود مشروع وطنى يجتذب المؤلفين اضافة الى سيادة قيمة العمل وتكافؤ الفرص والاهتمام بالكفاءات لا الاشخاص لا يمكن أن نتحدث عن العلاقة بين الغناء والسياسة دون أن نأتى على ذكر سيد درويش سيد درويش هو الثمرة الألمع فى المدرسة المصرية للموسيقى والغناء وقد بدأت رحلته فى سن مبكرة عام 1909 وقبل ان يتم عامه العشرين بتأييد ودعم من الخديو عباس حلمى الثانى الذى كان قريبا من الحركة الوطنية، لكن أكثر سنوات عطائه كان عام 1919 ميلادية حيث لحن 75 لحنا وهذا يدل على أنه تأثر بثورة الشعب والأحداث السياسية ، لكن كان المطرب هو العامل الحاسم فى الغناء دون الموسيقى او الموزع او الملحن ورغم ان الكورس كان له دور هام الا انه كان تابعا وقاصرا على ترديد اجزاء مما يقوله المطرب. لكن النصف الثانى من القرن العشرين كان مشحونا بالاحداث السياسية الحاسمة فى تاريخ مصر منها ثورة 23 يوليو كيف أثرت على الغناء الفردى والجماعى بصفة خاصة وكيف تأثرت الأغنية بحالات الإنكسار والانتصار فى مجال السياسة ؟ تقول الدكتورة ياسمين فراج إن الأغنية صاحبت الثورة فى العبور بالوعى المصرى من الفردية الى الجماعية فى الأداء وفى القرار الذى وصل إلى ذروته فى حرب أكتوبر 1973 التى اعتبرها انتصارا ثقافيا على مستوى الوعى قبل أن يكون انتصارا عسكريا على مستوى الجيوش والعتاد، وقد تم التمهيد الغنائى لأرض المعركة مع العدو الذى يشبه التمهيد النيرانى كما شرحتها فى كتابى «الغناء والسياسة فى تاريخ مصر».تم فى ثلاث مراحل هامة. المرحلة الأولي: بدأت بنجاح ثورة يوليو 1952م التى غيرت توجهات الغناء كليا، فبعد أن كان الغناء فى العهد الملكى غير خاضع لسياسات بعينها، وكل ما ينتج منه كان بدافع شخصى لصانعيه، أصبح الغناء موجها لما يتناسب مع سياسات الدولة، وقد كان الهدف الأساسى من الانتاج الغنائى بعد نجاح ثورة يوليو 1952 هو مساندة أهداف وانجازات الثورة والقائمين بها وعليها. وقد تواجد فى هذه المرحلة مجموعتان من المطربين والمطربات ، المجموعة الأولى هم الذين كانوا موجودين فعليا كنجوم على الساحة الغنائية، وأهمهم محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، محمد فوزي، كارم محمود، ومن المطربات أم كلثوم، ليلى مراد، شادية، نجاة، فايدة كامل، المجموعة الثانية هم من تصادفت بداياتهم الفنية مع ميلاد ثورة يوليو 52 وأهمهم كان عبدالحليم حافظ، محمد رشدي، ومحمد قنديل. أهم ما كانت تطمح ثورة يوليو لتحقيقه هو فكرة الاشتراكية، فقد حاولت تحطيم حواجز الرهبة والطبقية التى كانت تفصل بين الملك وأهل الغناء، فنجد مجلس قيادة الثورة برئاسة محمد نجيب يحرصون على حضور أولى حفلات أم كلثوم التى قدمتها فى عام 1952، والتى شدت فيها برائعتها «مصر تتحدث عن نفسها» من كلمات الشاعر حافظ ابراهيم، ثم تبعتها بقصيدة «صوت الوطن» كلمات الشاعر أحمد رامي، وكلتاهما كانتا من ألحان رياض السنباطي، وتوالت بعد ذلك اعمال كوكب الشرق لتدعيم الثورة وانجازاتها، ونذكر من أعمالها فى هذه الفترة (والله زمان ياسلاحي) من ألحان كمال الطويل و( ثوار) للسنباطي، انتهج محمد عبدالوهاب نهج أم كلثوم نفسه لتدعيم مبادئ الثورة، ولكن اضاف محمد عبدالوهاب للأغنية الوطنية كانت بشكل أعمق لأنه لم يكن مطربا فقط، بل كان ملحنا وأحيانا موزعا موسيقيا بالفطرة، مما جعل لأغنيات محمد عبدالوهاب الوطنية طابعا خاصا.. ونذكر من أغنيات محمد عبدالوهاب الوطنية (نشيد الحرية) و(حى على الفلاح) وغيرهما، وقد تميزت اغنيات محمد عبدالوهاب الوطنية آنذاك بإدخال مجموعات كبيرة من الكورال واعطائهم مساحات كبيرة من الغناء، كما أنها اعتمدت على الايقاعات المارشية البسيطة، واستخدام آلات الأوركسترا السيمفونى إلى جانب آلات الموسيقى العربية، وظهرت التوزيعات الموسيقية والكورالية على يد أندريا رايدر. أما عن مجموعة المطربين الذين كان ميلادهم الفنى مرتبطا بثورة يوليو فأبرزهم كان عبدالحليم حافظ الذى أطلق عليه النقاد والصحفيون لقب مطرب وصوت الثورة، فقد قدم عشرات الأغنيات الوطنية أيضا التى تتناسب مع كل حدث سياسى فى تلك الحقبة، وقد كان سباقا فى تقديم أغنيات لثورة 1952، بدأها بأغنيتى (ارفعوا الأعلام) و (تعيشى حرة يابلادي) .. من كلمات سمير محبوب وألحان محمد الموجى وفى الثامن من ديسمبر صباحا لنفس عام الثورة غنى (شعار العهد الجديد) بمشاركة المطرب عصمت عبدالعليم، من كلمات محمود عبدالحي، ولحن عبدالحميد توفيق زكي، وقد سبق ذلك غناء الكورس لها فى الخامس من ديسمبر، ثم توالت الأعمال التى كانت تؤرخ لأحداث متنوعة، نذكر منها (الله يابلادنا الله) و(ذكريات الطفولة) وكلتاهما من ألحان محمد عبدالوهاب، ولحقها بمجموعة ألحان كمال الطويل وهى (السد العالي) ، و (بالأحضان)، و(المسئولية)، و(صورة)، و (إحنا الشعب) التى غناها بمناسبة الاستفتاء على تولى جمال عبدالناصر فترة جديدة لرئاسة الجمهورية وعلى دستور 1959، وغنى من ألحان بليغ حمدى (عاش اللى قال)، ومن كلمات صلاح جاهين وألحان محمد الموجى (بستان الاشتراكية) وغيرها من الأغنيات التى دعمت انجازات الثورة. كذلك غنى محمد قنديل (ع الدوار) ألحان أحمد صدقي، وغنت أحلام (يا حمام البر سقف) ألحان محمود الشريف.. ..وظهور الفرق الجماعية كيف كانت علاقته بالسياسة؟ لا تنسى أن تزايد ظهور الفرق الجماعية فى فترة الخمسينيات والستينيات لم يكن عبثيا، بل إنه كان يدعم مفهوم الاشتراكية أيضا، ومن أبرز الفرق الغنائية التى ظهرت فى هذه الفترة. فرقة ثلاثى النغم : التى تكونت من ثلاث مطربات، ومن أشهر أغانيهن «التليفزيون» التى تبدأ بالمقطع »كله ثقافة وعلوم وفنون «التى قدمت فى بداية فيلم (صغيرة على الحب) عام 1966، من كلمات عبدالعزيز سلام، ولحن عبد العظيم عبد الحق، (وحوى ياوحوي)، و(منتاش خيالى ياوله) و( اصحى يا نايم) و(تجينا يا عيد)، موكب النور، القسم، الخرزة الزرقاء فى خلخالي، حبيبى عامل بيومية، وهى إحدى الأغنيات التى قدمتها الفرقة فى حفلة أسوان عام 1961 أثناء بناء السد العالي، وأغنية شربات الوحدة، أثناء فترة الوحدة الاندماجية بين مصر وسوريا. فرقة الثلاثى المرح، وكتب لهن أغنياتهن: صلاح جاهين، مرسى جميل عزيز، صالح جودت، عبد الفتاح مصطفي. ولحن لهن: منير مراد، أحمد صدقي، سيد مكاوي، محمد الموجي، عبد العظيم محمد، حلمى بكر، عبد العظيم عبد الحق، حلمى أمين، على إسماعيل. فرقة الثلاثى الطروب: وهى مكونة من ثلاث مطربات أيضا، ومن أشهر أغانيهن: ماما يا ماما، كلمات صلاح فايز، لحن فؤاد حلمي وأغنية ( إحنا تلات عروسات حلوين.) .. وهكذا كانت كلمات الرئيس جمال عبد الناصر فى خطاباته أثناء هذه الفترة مصدر إلهام لشعراء الأغنية، فعندما جاء فى أحد خطابات الراحل عبد الناصر »إن شعب الجمهورية العربية المتحدة الذى قاسى من ظلم الاستعمار وويلاته يؤمن بالحقيقة التى لا تقبل الجدل أو الشك، وهى أن قضية الحرية، حرية الشعوب وكرامتها لا تتجزأ« فقد كانت الركيزة الأولى للجمهورية العربية المتحدة هى الحرية. وبناء على ماسبق قدم محمد عبد الوهاب أغنية »نسمة الحرية« من كلمات أحمد شفيق كامل. وعندما يقول الراحل عبد الناصر إن الجمهورية العربية المتحدة جزء لا يتجزأ من الأمة العربية، نجد محمد قنديل يغنى فى العيد الأول لإعلان الجمهورية العربية المتحدة »نشيد الوحدة« من كلمات بيرم التونسي، و ألحان عبد العظيم عبد الحق، يقول مطلعها: »وحدة ما يغلبها غلاب/ ولا مانع ما بين الاثنين/ توصلنا م الباب للباب/ يباركها وحدة أحباب. أما عبد الحليم حافظ فقد غنى فى أحد احتفالات الوحدة الاندماجية أغنية (الوحدة العربية) من كلمات أحمد شفيق كامل، وألحان كمال الطويل، يقول مطلعها: غنى ياقلبى وهني/ الدنيا وقول مبروك/ كبر البيت واتجمع/شملك انت وأخوك. هل كانت الكلمة المغناة أداة من أدوات الوحدة؟ بالتأكيد بقدر ما دعم أهل الفن أهداف وانجازات ثورة يوليو، كانت كلمات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر هو أيضا يقدر الفن والفنانين، وقد جاء علي لسانه في أحد خطاباته: إن الفن أصبح من أقوي الأسلحة في معركة الحرية السياسية ضد الإستعمار وضد الاستغلال، ومازالت في ذاكرتنا جميعا مشاهد من أعمال فنية كانت من أكبر مصادر الإلهام في كفاحنا الوطني، كذلك مازالت في أسماعنا أصداء أناشيد كانت من أقوي ما حملناه معنا الي ميدان القتال من عتاد، كانت كلمات الأغانى والأناشيد مثل قوة طلقة الرصاص في نضالنا ضد العدوان وقوى الاستعمار. وماذا عن معركة الغناء بعد هزيمة يونيو ؟ تجيب الدكتورة ياسمين بأن الغناء المصرى لا يعرف الهزيمة وإن كان يعترف بنتائجها فهو يبشر دائما بأن النصر آت لا محالة وهذا ماحدث بالمرحلة الثانية من الهزيمة إلى النصر التى بدأت بعد هزيمة 1967م، وقد كتب نزار قباني في هذه الهزيمة المنكرة التي نالت من العرب جميعهم قصيدة (هوامش علي دفتر النكسة) التي كان يقول مطلعها: إذا خسرنا الحرب لا غرابة لأننا ندخلها بكل ما يملك الشرقي من مواهب الخطابة بالعنتريات التي ما قتلت ذبابة لأننا ندخلها بمنطق الطبلة والربابة « وبالطبع لم يجرؤ أحد من الملحنين أو المطربين علي تقديم هذه القصيدة الكاشفة آنذاك. في تلك الفترة جاء (موال النهار)، وتبعها بفدائي ،من ألحان بليغ حمدي، ثم (بركان الغضب، بالدم، اضرب) من ألحان الطويل. ويذكر أن عبد الحليم كان يبدأ جميع حفلاته في هذه الفترة بأغنية (المسئولية) كلمات محسن الخياط، وألحان بليغ، الي أن تحقق نصر .م1973 وبينما كان الأبنودي ومن بعده محمد حمزة من أكثر الشعراء إنتاجا في فترة هزيمة 67، نجد أن صلاح جاهين الذي أصابته صدمة لميكتب خلال سنوات هذه النكسة سوي قصيدتي (بحر البقر) و (علي اسم مصر). أماكوكب الشرق فكانت لها جهود كثيرة في محنة 67 بدأتها بأغنية (حق بلادك) كلمات عبد الوهاب محمد، وألحان رياض السنباطي، التي يقول مطلعها: قوم بإيمان وبروح وضمير دوس علي كل الصعب وسير كذلك قدم العديد من مطربى ومطربات هذه الفترة الأغنيات فى حب مصر وكانت منهن شادية التى تغنت ب (يا حبيبتى يامصر) كلمات محمد حمزة، و(أم الصابرين) ، وياطريقنا ياصديق« وقد غنيت الأخيرة فى اثناء حرب الاستنزاف وكان مطلعها يقول: لو تعبت مش حكاية ده الحزن مش نهاية تقول الحكمة الشهيرة إن النجاح يولد من رحم الهزيمة هل تصلح هذه الحكمة فى مجال الغناء؟ وهذا ما حدث بعد هزيمة 67فبقدر ما كانت الهزيمة عسكرية للجيش وقيادة الدولة، ونفسية للشعب، كان ذلك من ناحية أخرى ميلادا لحائط صد من صواريخ الأغنية السياسية، ومن أبرز من سطع نجمهم فى تلك الفترة الثنائى أحمد فؤاد نجم، والشيخ إمام، حيث عاودت الأغنية السياسية الظهور بعد أن توارى دورها لفترة من الزمن، فقد حمل هذا الثنائى راية الأغنية السياسية فى فترة الستينيات والسبعينيات فى مصر، وبالرغم من التعتيم الإعلامى على إنتاجهما آنذاك فانهما استطاعا ان ينشرا ما ينتجانه من اغنيات من خلال التجمعات الشعبية فى المقاهي، وعلى اسطح المنازل، والحفلات الخاصة التى كان يحضرها مجموعة من فنانى مصر وشبابها آنذاك ومن أعمالهما فى هذه الفترة نذكر أغنية : إصحى يامصر/هزى هلالك/ هاتى النصر/ كونى يامصر/ وعيشى يامصر والأغنية السياسية فى ذلك الوقت لم تكن تقدم على مسارح من خلال حفلات منظمة، ولكن صناعها كانوا يذهبون لتجمعات من الشعب فى أى مكان وزمان. لكن هل كانت الأغنية السياسية أبرز (ثمار) الهزيمة؟ كلا كانت هناك تجربة غنائية أخرى أفرزتها هزيمة 67 وكانت سببا فى نجاحها، هى تجربة المغنى الشعبى أحمد عدوية، الذى بدأ مشواره الفنى بكلمات وألحان الريس بيرة أحد رواد شارع محمد علي، وهذه التجربة كانت تعبر عن الجانب العبثى خلال تلك الفترة، فقد اعتمدت تجربة عدوية الغنائية على كلمات كان وقعها السمعى جديدا وغريبا وخفيفا، يدعو للمرح حتى وإن كانت كلماتها غامضة المعانى على شريحة من الشعب مثل (السح الدح أمبو)، والحق أنه يحسب لأحمد عدوية أنه استطاع أن يفرض وجوده وسط عمالقة الغناء العربى انذاك. هذا عن أغانى الوحدة و(ثمار) مابعد الهزيمة فماذا عن أغانى النصر ما بعد أكتوبر 1973؟ انطلقت رصاصات الأغانى مع انطلاق طلقات أسلحة الجنود إلى صدر العدو فى الثانية بعد الظهر وهذه هى المرحلة الثالثة التى مرت بها الأغنية بعد ثورة 52، وهى التى بدأت مع انتصارات أكتوبر 1973م وامتدت حتى نهاية القرن العشرين، وقد كان عبدالحليم حافظ أول من غنى لانتصارات أكتوبر حيث قدم فى 73 أغنية (عاش اللى قال) كلمات محمد حمزة وألحان بليغ حمدي، وفى عام 74 غنى (صباح الخير ياسينا) ألحان كمال الطويل، وفى عام 75 غنى آخر أغانيه الوطنية (النجمة مالت ع القمر) بعد إعادة افتتاح قناة السويس للملاحة العالمية من كلمات محسن الخياط وألحان محمد الموجي، ثم أغنية (المركبة عدت) كلمات مصطفى الضمرانى وألحان محمد عبدالوهاب. ونذكر من الأغنيات التى قدمت ما بين فترة نصر أكتوبر وتحرير سيناء بكاملها فى بداية الثمانينيات: »عظيمة يامصر« لوديع الصافي، »دولا مين« لسعاد حسنى وألحان كمال الطويل، »عبرنا الهزيمة« و»ادخلوها سالمين« وكلتاهما من ألحان بليغ حمدي، وفى هذه الأغنية تحديدا ظهرت تقنيات تعدد التراكات فى استوديوهات تسجيل الصوت بغناء شادية على تراكين، أى أن المستمع فى مقاطع محددة يسمع صوتين لغناء شادية. وغنت فيروز »مصر عادت شمسك الذهب« للأخوين رحباني، وداليدا »حلوة يابلدي« ألحان مروان سعادة، ومحمد عبدالمطلب »من نصر لنصر« ألحان بليغ حمدي، وياسمين الخيام «المصريين أهم» ألحان محمد عبدالوهاب.. وغير ذلك من الألحان والمطربين الذين شاركوا فى فرحة النصر. لكن هل هناك سمة مشتركة لأغنيات النصر ؟ اتسم انتاج الغناء بعد انتصار اكتوبر 73 بسمات أهمها غزارة فى إنتاج الأغنية الاجتماعية والوطنية التى تساند أهداف الدولة الوطنية المصرية وتوجهاتها، وتشجع الشعب على الوحدة والعمل وتنمى البعد القومى والعربى والوحدوى وتوظيف الاداء الكورالى النسائى والرجالى والمختلط وظهور كورس الأطفال لأول مرة كما جاء فى أغنية بالأحضان، كما تميز الغناء فى هذه الفترة ايضا بالاعتماد على الايقاعات المصرية، والايقاعات العسكرية كما ظهرت بعض الاغنيات ذات الغناء الاسترسالى مثل اغنية (موال النهار) التى غناها عبد الحليم حافظ، وتجاوبا مع الروح الوطنية تقلصت الى حد كبير الايقاعات الغربية مثل الفالس والرومبا والسامبا والتشا تشا حتى فى الاغانى ذات المضمون العاطفى او الاجتماعي، وكأن الحركة الموسيقية الغنائية كانت مع اتجاه السلاح فى التعبير عن رفضها لكل ما هو أجنبى والتأصيل لكل ماهو مصرى دعما للروح القومية لكل ماهو مصرى صميم.إلى أن بدأت السياسة قرار الانفتاح .. وكأن التاريخ يعيد نفسه فكما ظهرت عقب قيام ثورة يوليو أكاديمية الفنون تحول المعهد العالى للتربية الموسيقية عقب نصر اكتوبر الى كلية للتربية الموسيقية وتخرج منهم المئات من الموسيقيين والموزعين والعازفين والمطربين من الجنسين مثل هانى شاكر وعفاف راضى .. وغيرهم وما علاقة قرار الانفتاح على العالم باتجاه مسار الأغنية المصرية؟ تتذكر أنه بعد انتصار أكتوبر 1973اختلف وضع مصر الإقليمى والدولى وراح الرئيس محمد أنور السادات يطمح فى مستقبل اقتصادى أفضل لمصر، فأصدر ورقة أكتوبر عام 1974التى كان من أهم بنودها الدعوة للإنفتاح على العالم لاستعادة المعدل القديم للنمو، وكان من نتائج هذه الدعوة انفتاح على العالم كله شرقه وغربه مع الترحيب بالاستثمار الأجنبى بما يحمله من تكنولوجيا حديثة فى جميع المجالات ومنها مجالات الغناء وتسجيل الصوت وانتشار ما يسمى بتراكات الصوت فتطورت صناعة الأغنية ضمن ما تم استحداثه بعد سياسة الانفتاح الاقتصادى ، وفي هذا السياق تغيرت هوية الحركة الموسيقية والغنائية في مصر، وظهرت أنواع من الفنون المستحدثة علي المجتمع المصري كان ضمن إنتاجها أغنيات ومغنو الميكروباص، وأفلام المقاولات، وتم هدم نموذج البطل المتعلم الكادح القانع الذي روجت له الفنون منذ فترة الثلاثينيات حتي ستينيات القرن الماضي وتحديدا ماقبل نكسة 1967. وبعد انفتاح أهل الموسيقي والغناء علي العالم شرقه وغربه، ظهرت مجموعة من الشباب في منتصف سبعينيات القرن الماضي أوجدت الفرق الغنائية المتأثرة بالفرق الغربية التي حققت نجاحاً في دول أوروبا وأمريكا مثل فرق «إيجلز» أو النسور في أمريكا التي تأسست عام 1971، وفرقة «أبا» السويدية التي تأسست عام 1972، وجميع هذه الفرق كانت تعتمد علي آلات الباند الغربي المكونة من الليد جيتار، والباص جيتار، والكيب وورد أو الأورج، والدرامز، ينضم إليها أحياناً آلة الساكسفون أو مجموعة آلات النفخ النحاسي مثل الترومبيت أو التروبون أو كلاهما. .ولكن ماهو العيب فى تقليد هذه المجموعات عندنا وماهو ملامح تأثير هذه الظواهر العالمية على الغناء المصري؟ تضيف الدكتورة ياسمين فراج كان من أهم بصمات هذه الظاهرة ظهور فرق غنائية مصرية وكان من أهم هذه الفرق الغنائية التى تحاكي نمط الفرق الغربية فرقة «النهار» أسسها الفنان محمد نوح، تأسست عام 1974، وقدمت، مجموعة من الاغنيات أبرزها «مدد مدد مدد/ شدي حيلك يابلد»و.فرقة «سمير الاسكندراني» الذي قدم مجموعة من الاغنيات يخلط فيها بين الكلمات المصرية والاجنبية، ويستخدم فيها بعض المقاطع من الاغنية الفلكلور مثل «يانخلتين في العلالي» ونذكر من هذه الاغنيات «Take meback to cairo» «يارب بلدي وحبابيي والمجتمع والناس» فرقة «محمد منير» التي خرجت إلي النور عام 1977م مع ظهور أول ألبوماته، الفرقة كانت بقيادة عازف البركشن (الايقاعات) يحيي خليل العائد وقتها من أمريكا حاملاً حداثتها الموسيقية، وقدم من خلالها العديد من الاغنيات كان منها السياسي مثل «الليلة سامرة» والقومية مثل «تعال نلضم أسامينا» التي تحث علي التعاون والتوحد فرقة «المصريين» بقيادة الملحن هاني شنودة، ومن أبرز أعضائها كانت إيمان يونس، وتحسين يلمذ، ومن أبرز أغانياتها «حضارة المصريين،( ما نحسبوش يابنات إن الجواز راحة) وتضيف الدكتورة فراج أن الغناء في هذا الفرق اتسم بملامح عامة منها أن زمن الاغنية تراوح بين ثلاث و ست دقائق تقريباً. كما تأثير شكل أعضاء هذه الفرق المصرية بأعضاء الفرق الغربية التي كان أبرزها الشعر الطويل، القمصان مفتوحة مفتوحة الأزرار، ارتداء الحلي من الذهب والفضة وخامات أخري. وتضيف: كان استرداد طابا في 25 ابريل 1982 حدثا سياسيا هاما، تسابق الشعراء والمطربون والمطربات والملحنون لتوثيق تاريخ هذه اللحظة بالموسيقي والغناء وراحت تقدم العديد من الأغنيات الوطنية ذات الطابع القومي، فغنت شادية «مصر اليوم في عيد» من ألحان جمال سلامة، وعاودت الأغنية.الجماعية الظهور لنجد أغنية «صوت بلادي» كلمات حسين السيد، وألحان محمد عبدالوهاب، الذي قدم من خلالها مجموعة من الأصوات الجديدة آنذاك هم سوزان عطية، زينب يونس، توفيق فريد، وإيمان الطوخي، ثم ظهرت مجموعة من الأغنيات الوطنية التي غناها الصوت الشاب آنذاك محمد ثروت نذكر منها «مصريتنا» ألحان عبدالوهاب، «مصر يا أول نور في الدنيا» ألحان جمال سلامة، دويتو «بلدي» غناء هاني شاكر ومحمد ثروت، كلمات عبدالرحمن الأبنودي، وألحان جمال سلامة، وغيرها من الأغنيات التي ابتهجت بهذا الحدث.. لكن الملاحظ بعد هذا الحدث استقرت مصر سياسيا ولم نخض أية حروب سلاح كما اختفت أغنية المشروع القومى فهل هذه الملاحظة دقيقة؟ فى فترة الثمانينيات والتسعينيات التى اختفى فيها العدو المباشر والمشروع القومى التنموى المحدد المعالم ظهرت أنماط مختلفة من الغناء كان أبرزها «موسيقى الجيل» وهو تيار موسيقى أسس له فى مصر الملحن الليبى حميد الشاعري، وإلى جانب موسيقى الجيل ظهر مجموعة من الملحنين الذين أثبتوا وجودهم على الساحة الموسيقية، كان أبرزهم الشقيقان صلاح وفاروق الشرنوبي، رياض الهمشري، ياسر عبدالرحمن، عصام كاريكا حسن دنيا.وغيرهم، إلى جانب مجموعة من المطربين والمطربات من دول عربية مختلفة، جميعهم استقروا فى مصر طلبا فى النجومية الإقليمية أبرزهم: من سوريا ميادة الحناوي، وأصالة، ومن تونس لطيفة، وذكري، صابر الرباعى ومن المغرب سميرة سعيد رجاء بالمليح ومن لبنان نوال الزغبي، راغب علام، عاصى الحلاني، ومن العراق جاء كاظم الساهر، ومن مصر/عمرو دياب، نادية مصطفي، مدحت صالح، أنغام غادة رجب وماذا يربط بين هذه الأجيال الواعدة ؟ تقول الدكتورة ياسمين فراج إنه حيث وجد الهدف القومي يوجد الأداء الجماعي ففي خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات لم تكن هناك علاقة بين الغناء والسياسة، نظرا لعدم وجود هدف قومي معلن يلتف حوله الشعب، باستثناء أوبريتات احتفالات نصر أكتوبر التي شارك فيها الكثير من المطربين والمطربات، والشعراء، والملحنين المذكورين سلفا، السبب الرئيسي في انفصال الغناء عن السياسة في فترة النصف الثاني من الثمانينيات حتي العقد الأول من الألفية الثالثة هو أن أعباء الحياة أثقلت المواطن المصري ولم يعد يشغله غير البحث عن الرزق، إما لمواجهة متطلبات المعيشة، أو زيادة ثروات الأثرياء وتلك كانت من المقدمات الأولى لثورة 25 يناير 2011، وهى الروح التى أحدثت نقلة جديدة فى شكل ومضمون الأغنية الوطنية التى عجلت بثورة 30 يونيو 2013 .