كثيرا ما يخيل لى أننا حين نتحدث أو نكتب عن الأعمال الفنية، فإن آخر ما نتناوله هو الفن. تأمل على سبيل المثال الصفحة الرئيسية للترفيه من محرك البحث «جوجل» باللغة العربية، والذى يضم ما نشر خلال اليوم السابق فيما يخص الفن والفنانين، فسوف تجد أغلب الكتابات تدور حول أمور «شبه» أخلاقية، وهى ليست أخلاقية أبدا، فهى تقف أولا عند سطح الأشياء ومظاهرها، كأنها تحاسب فلانا أو علانة من الممثلين على ظهورهما فى مشاهد أصبحنا نعتبرها خارجة عن الذوق العام، وهى ثانيا – وهذا هو الأهم والأكثر إثارة للسخرية المريرة – تبدو انتقادا وهى فى حقيقتها ترويج للصحيفة أو الموقع، على طريقة: «نحن نرفض نشر الصور الخليعة، وهذه عينة من الصور التى نرفض نشرها»!! هذان هما عنوانان رئيسيان لصفحات الفن فى مطبوعة ما: «النجمة الفلانية تقول: اختيارى لأدوار الإغراء مش ذنبى»، و«مايوه فلانة، ومساج علانة، وخيانة ترتانة»! وسوف تحتار عن أى شىء تقرأ بينما المنشور حول فيلم مخرج كبير، له تراثه الذى لا يمكن إنكاره، يدور حول ظهور البطلة بالمايوه، بينما ليست هناك كلمة واحدة عن الفيلم، ومكانه فى مسيرة مخرجه، ومدى تأثيره الفنى فى المتفرج. كما يمكنك أن تجد الكثير من الكتابات حول فيلم آخر، تتحدث عن العلاقات المتعددة والمعقدة للشخصية الرئيسية، كما لو كانت الممثلة هى التى أقامت هذه العلاقات. ومن الحق القول إن كثيرين أشاروا إلى أن هناك موجة تجتاح مجتمعنا الآن، تعبر عن روح ليست رجعية فقط، ولكن متخلفة ومريضة أيضا. إذ يبدو أن أشباه النقاد، الذين أفرختهم حالة التزايد العبثى فى مواقع الإنترنيت، ناهيك عن الجمهور، أصبحوا أقرب شبها بمن يتلصص من ثقب الباب على العالم، بدلا من أن يفتح نافذة عليه. وروح التلصص تلك تميل إلى أن تلتقط الأشياء بوعى منحرف، وتجعل ما هو عادى أمرا غير عادى واستثنائيا وغريبا. وهم يفعلون ذلك لا من منطلق الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر – وإن كان ذلك أمرا غير مقبول فى الفن على الإطلاق – بل ولا حتى من منطلق مسايرة المزاج العام، الذى يأخذ من الأخلاق سطحها دون جوهرها، لكنهم يفعلون ذلك من منطلق غير أخلاقى بالمعنى الشامل للكلمة، إذ يعكس رغبة فى المتاجرة بما يبدو أنهم ينهون عنه! لكن لعل ذلك هو أحد جانبى العُملة، فالجانب الآخر، الذى يقف فيه الفنان، لا يخلو من التباس ربما كان مقصودا. فإذا كنا نؤكد أن الأخلاق بالمعنى الفنى تختلف – وإن لم تتناقض – مع معناها الشائع، الذى قد يكون مشوها كما هو الأمر الآن فى مجتمعنا، الذى يعلو فيه الصراخ والاستنكار لرؤية «مايوه» على الشاشة، بينما يشهد فى واقع الحياة واحدة من أكثر ظواهر التحرش الجنسى فى العالم، نقول إننا إذ نؤكد على اختلاف معنى الأخلاق فى الفن والحياة، فالحقيقة الأكثر أهمية هى أن الأخلاق فى الفن أكثر صرامة وصدقا. الأخلاق فى الفن موقف سياسى، بمعنى أنها تعكس موقف الفنان من المتلقى، وماذا يريد منه: هل يريد الفنان أن يجعل متفرجه أكثر وعيا وإحساسا وتذوقا للحياة وللعالم، أم أنه يريد أن «يبيع» له حالة مريضة يهرب فيها وإليها المتفرج، لينسى الواقع فى ظلام قاعة العرض، ويرى صورة مشوهة له تشبع غرائزه وشهواته؟ للأسف فإن «أغلب» الصيحات التى تعلو منادية بحرية التعبير ليست إلا قولة حق يراد بها باطل، أو أنها ترديد لشعار أجوف بلا مضمون حقيقى. وعندما يلجأ الكثير من الفنانين إلى استخدام الجنس على سبيل المثال كرمز للعلاقات بين الشخصيات فى الفيلم، فهم من ناحية يقعون عامدين فى كل «كليشيهات» السينما البالية، وهم من ناحية أخرى يبيعون «مناظر» للمتفرج. وفى هذه الحالة يصبح العجز الجنسى مثلا رمزا لعجز أكبر، كما يعبر الاغتصاب عن الانتهاك، إلى آخر ما تتيحه لك تلك الصور الجنسية المجازية. وقد تكون هذه الصور تشكل جزءا أصيلا من العمل الفنى، لكن طريقة تناولها تحدد الهدف منها، فمشهد الاغتصاب قد يأتى على نحو نرى آثاره المدمرة على الضحية، أو أن يتعمد المخرج أن يجعل المتفرج شريكا مريضا وساديا فى هذا الاغتصاب، وليس من الغريب أبدا فى هذه الحالة أن نؤكد على أن الفنان «يتاجر» بمادة موضوعه. ولا يقتصر الأمر عند هذا الحد «الأخلاقى الفنى» فقط، بل يمتد إلى تغييب الواقع والتعمية عليه تماما، إذ يتحول البشر داخل العمل الفنى إلى وحوش، أو كتل من الغرائز، بلا سياق اجتماعى، وبلا دوافع واقعية، وهذا ما نشهده للأسف الشديد فى سلسلة من أفلامنا الأخيرة، التى تروج لنفسها على أنها تحمل مضامين سياسية جادة، وهى فى حقيقتها لا تتناول من السياسة إلا السطح، وتجعل منها هى ذاتها إطارا فارغا ل «قصة» لابد أن تتناول أيضا مشاهد الجنس والاغتصاب. وقد يقول قائل إن الجنس جانب من حياتنا، وهذا حقيقى، لكن أليس البحث عن لقمة العيش مثلا جانبا أكثر أهمية؟ فلماذ يستأثر الجنس وحده بالاهتمام؟ إننى لن أمل أبدا من الاستشهاد بالفيلم الإيرانى «أطفال الجنة»، عن طفل فقير أضاع حذاء شقيقته الصغرى، ليصبح الكون والوجود كلهما يدوران فى فلك حذاء قديم مهلهل، وليكشف الفيلم عن أعماق الواقع بصورة بالغة التأثير، بلا قصة أو مناظر. لمزيد من مقالات أحمد يوسف