اختفت أكثرية «فنون الفرجة الشعبية» التى كانت منتشرة فى مدن وقرى مصر إلى النصف الأول من القرن العشرين مع انتشار الوسائط الحديثة مثل السينما والتليفزيون، بما تقدمه من ثقافة، وعادات وتقاليد مغايرة، وأصبحت لها الغلبة. ومن فنون الفرجة التي كانت معروفة في السابق، ثم تلاشت وصارت في ذمة التاريخ حالة «البرادة» التى كانت مرتبطة بكل أنواع العروض، من الرقص، إلى السيرك، والأراجوز، وخيال الظل، وربما القرداتي أيضا. وكانت الفقرة الأساسية في «البرادة» قائمة على التنكر، فيمكن لرجل أن يتنكر في زى سيدة لاستدرار ضحكات الجمهور، أو يتخفى في شخصية خواجة أجنبي يتحدث بلكنة ركيكة مضحكة للعامة. وقد أطلق الفنانون الشعبيون قديما عليها اسم «البرادة» نسبة إلى برادة الوشب أى الإلحاح اللجوج على الجمهور لحضور العرض، وهو المقابل الشعبي للدعاية والإعلان الآن . وكانت ل «البرادة» عدة أشكال، منها التجوال بهرم خشبي يرتفع لمترين تقريبا, له أربع عجلات ويدفعه رجل متخف بداخله بآلية الدراجة، وله زميل خارجه يضرب على النقرزان «الطبلة»، ويعلن عن موعد العرض الذي يروج له ومكانه. وكانوا يزينون الهرم الخشبى برسوم عفوية زاهية الألوان على أوجهه الأربعة, تشبه رسوم الأطفال إلى حد كبير, وكلها تُعبرَّ عن العرض ونجومه المحليين المعروفين للعامة في الغالب. وأحيانا كانت هذه الدعاية تسبق العرض بأيام، وبعضها كان يسبقه بدقائق، أمام مكان العرض مباشرة، وتقوده فرق المزمار البلدي التي كانت منتشرة آنذاك، للفت أنظار المارَّة للعرض. ومن أشكال «البرادة» أيضا تجول رجل يرتدي زيِّا مزركشا ويصبغ وجهه بالألوان، ويشبه إلى حد كبير البلياتشو الذي كان يطلى وجهه بالدقيق، وبصحبته طفل صغير يرتدي ملابس مثله، ويلطخ وجهه بالألوان أيضا، ويتبادلان الضرب على النقرزان والكلام عن العرض. وفي فيلمه «عودة الابن الضال» قدم المخرج الراحل «يوسف شاهين» هذا البلياتشو أو المهرج الشعبي، وجسَّده الممثل الراحل «على الشريف»، وكان بصحبته طفل صغير، وكلاهما كان يلون وجهه بالأصباغ، ويصيحان على الجمهور لدعوته إلى سينما «ميت شابوره». وهذا الدور عكس قدرة «يوسف شاهين» على الاستفادة من حالة كانت منتشرة في واقعنا الشعبي، وهي صورة دقيقة لفن «البرادة» الذي نقصده هنا. وبقدر انتشار هذا الفن في مدن وقرى الدلتا على نطاق واسع، كان محدودا بل نادرا في مدن وقرى الصعيد، إذ كانت هناك فرجة شعبية من نوع آخر، هي شاعر الربابة بملامحه العربية المعروفة، على رأسها السيرة الهلالية، وهو فن منتشر وملتصق بوجدان الناس في الصعيد، وبالتالي لم تظهر عندهم حالة البرادة.