تتوقف التنمية فى عالمنا وعصرنا على بناء قاعدة وطنية للعلم والتكنولوجيا، مع الاستفادة فى ذلك من ثمار التعامل المتكافئ على الصعيد العالمي، كلما أمكن ذلك، والتكامل الإقليمى الفعال كما فى حالة الوطن العربي. و من أجل هذه الغاية نوجه حديثنا إلى السيد رئيس الجمهورية مباشرة، ونبدأ بالقول : حذار أيها الرئيس من «بيروقراطية البحث العلمى والتكنولوجيا»، تلك التى دأبت على تدبيج الوثائق الورقية متقنة الصنعة خلال أربعة عقود زمنية سابقة على ثورة يناير2011، وعلى فترات منتظمة، تضمنت (أفخم العبارات) حول استراتيجيات تطوير العلم والتكنولوجيا، وعقدت مؤتمرات دورية لاستعراض الإنجازات واستشراف ماهو آت، واقترحت تشكيل مجالس عليا من هؤلاء وأولئك فى كل حين. ولتكن البداية من تطوير مبادرة «تكنولوجيا الاتصالات» إلى مبادرة أوسع للتطوير العلمى والتكنولوجى الجذرى ولمكانة مصر العلمية والتكنولوجية على الصعيدين العالمى والإقليمي، فى مجالات قطاعية مختارة، خلال فترة زمنية محددة ولتكن عشر سنوات. وليتم ذلك بالتوازى مع الجهد الجبار المبذول، او المزمع بذله، فى مضمار المشروعات الوطنية العملاقة، والصناعات الصغيرة والمتوسطة، ومحاولات التعميق الصناعي. وفيما يلى عرض لبعض المعالم الرئيسية لمخطط مقترح لتطوير العلم والتكنولوجيا، كفاتحة للنقاش ليس غير. أولاً: وضع صيغة فعالة لتقسيم العمل المشترك بين جهاز الدولة وقطاع الأعمال الصناعية، العام والخاص، وفقا لما يلى : 1- تتولى «الدولة» مسئولية البحث الأساسى Basic Research من خلال مراكز البحث الكبرى، وفى مقدمتها:المعاهد والمراكز المتخصصة التابعة لأكاديمية البحث العلمى، والمركز القومى للبحوث (العلمية) ، ومركز البحوث الزراعية، ومشروع المدينة العلمية بالإسكندرية، وفاعليات البحث والتطويرR &D فى الجامعات المصرية والوزارات والهيئات الحكومية المعنية، وكل من «معهد التخطيط القومي» و «المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية» . 2- تتولى منشآت قطاع الأعمال العام والخاص التنسيق مع مراكز البحث الأساسى، وتتولى الاستفادة من نواتجها فى مجال البحث التطبيقي، وكذا التطوير التجريبى والنماذج الأولية والتجارب نصف الصناعية، ويتم ذلك من خلال تأسيس «وحدة البحث والتطوير» و«وحدة التصميمات الأساسية والتفصيلية» داخل منشآت الإنتاج السلعى والخدمى فى مختلف القطاعات. ثانياً: تحديد مجالات العلم والتكنولوجيا الطليعية التى يجب التركيز عليها خلال عشر سنوات، على النحو المقترح فيما يلي، على سبيل المثال: 1- إقامة قاعدة راسخة لتكنولوجيا السيليكون (من الرمال النقية) التى تقوم عليها صناعات الإلكترونيات الدقيقة والمكونات الالكترونية الأساسية، وما يتلوها من صناعات الأجهزة الالكترونية الإنتاجية والمهنية والعلمية والطبية، والحاسبات الآلية، ونظم الاتصالات، وأجهزة الترفيه المنزلية. وليكن هدفنا الأبعد هو استشراف آفاق «ما بعد السيليكون» و«مابعد العنصر الصلب» أو مابعد الأجهزة Hardware، سعيا إلى امتلاك مزايا تنافسية فى «العنصر الناعم» software كما فى البرمجيات (التى يتوفر لدينا منها بالفعل نواة جيدة من الشركات الصغيرة والمتوسطة الواعدة إنتاجيا وتصديريا) و«إنترنت الأشياء» و«البيانات الكبيرة» و«التطبيقات السحابية» فى الحاسبات الآلية. 2- تطوير «التكنولوجيا العالية» فى المجالات الأكثر اتصالا بالاحتياجات التنموية المجتمعية، ونقترح إدماج هذا التطوير فى البرنامج الذى تم الإعلان عنه مؤخرا بخصوص «مشروع التعلم التكنولوجي»، كما فى القطاعات الآتية: أ- «التكنولوجيا الحيوية» اللازمة لتطوير الغذاء، من خلال الهندسة الوراثية وتكنولوجيا الأنسجة، وتطوير صناعة الأدوية بالتحول التدريجى من الأدوية القائمة على الكيماويات إلى التكنولوجيا الحيوية الدوائية . ب- تكنولوجيا النسيج ، وخاصة المنسوجات القطنية، من أجل تطوير صناعة الملابس القائمة على القطن، وفتح أسواق تصدير لمنتجاتها المميزة مما يسمى عالميا «القطن المصرى» Egyptian Cotton فى محاولة لمواجهة «الغزوة» الصناعية العالمية القائمة على التوسع الكبير فى الألياف التركيبية وغير القطنية . ج- التكنولوجيا النووية، لخدمة البرنامج المصرى الطموح فى مجال الطاقة ، ولتكن البداية من تطوير مفاعلات البحث النووى بمدينة أنشاص، و معامل النظائر المشعة، وبعث الحيوية فى المنشآت الكبرى ذات القدرة المشهود بها عالميا، وخاصة هيئة الطاقة النووية، ومركز تكنولوجيا الإشعاع ، ومركز الأمان النووي، و هيئة محطات الطاقة، وغيرها . وليكن إنشاء محطة «الضبعة النووية» مدخلا مناسبا لحيازة التكنولوجيا التطبيقية فى المجال النووى من خلال المؤسسات الوطنية المذكورة. د- أبحاث الفضاء والطيران، خاصة لأغراض التوسع والتعمق فى تصنيع وإطلاق أقمار البحث العلمى والاتصالات، و«الاستشعار من بعد» وجمع المعلومات من الفضاء وخاصة حول الصحراء المصرية الشاسعة. ولتكن البداية من تحسين شروط التعاقد المزمع قريبا مع الجانب الصينى بغرض تصنيع قمر اصطناعى مصرى من خلال زيادة جوهرية فى نسبة المكون المحلي. ه- اللحاق بتطورات تكنولوجيا الليزر فائق السرعة، وتكنولوجيا الجزيئات الصغرى (النانو)، والمواد الجديدة كالسيراميكيات. و- أبحاث وتكنولوجيات الطاقة الجديدة والمتجددة، من أجل تصنيع المعدات الدقيقة والمكونات الأساسية الخاصة بأجهزة توليد الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المولدة من المكونات البيولوجية مما يمكن استخدامه على نطاق صغير فى الأرياف والمناطق الحضرية الطرفية. وتحضرنا هنا ضرورة السعى إلى رفع نسبة المكون المحلى المتطور تكنولوجيا فى معدات الطاقة التى سيتم المشاركة فى تصنيعها مع الجانب الألمانى ممثلا فى شركة «سيمنس». ثالثا: تطوير مخطط إقامة «المناطق التكنولوجية» الثمانية المنوى إقامتها بواسطة «وزارة الاتصالات» ، بدءً بمنطقتين فى كل من مدينة «برج العرب الجديدة» و«أسيوط الجديدة». ونأمل أن يمتد طموح صانع القرار المصرى إلى إقامة ما يسمى «مدن المعرفة» حيث تخصص مدن صغيرة كاملة للأنشطة العلمية والتكنولوجية، ولتكن البداية من «وادى التكنولوجيا» شرق مدينة الإسماعيلية. ونقترح الاستعانة هنا بالجانب اليابانى لإقامة نظير لمدينة العلوم Science city فى «تسوكوبا» القريبة من العاصمة طوكيو، وكان لنا حظ زيارتها مطولا، يوما ما. ونرى ضرورة إدماج مشروعات «وزارة الاتصالات» فى استراتيجية تصنيعية منسقة بالمشاركة مع وزارتى الصناعة والاستثمار، و يسهم فيها بصفة خاصة القطاع التابع لوزارة الدولة للإنتاج الحربي، بشركاته المنتجة للمكونات المدنية ذات العمق الصناعى والتكنولوجى العريق، كما فى مصنع 100 الحربى (شركة بنها للصناعات الإلكترونية)، ومصنع آلات الورش، ومصنع أبى زعبل للكيماويات ، وغيرها كثير. بالإضافة إلى ضرورة احتضان النشاط الصناعى المعمّق تكنولوجيًّا فى إطار «الهيئة العربية للتصنيع العسكري». لمزيد من مقالات د.محمد عبد الشفيع عيسى