كشفت الانتخابات البرلمانية عن عديد المؤشرات التى ستؤثر على فعاليته وشرعيته الشعبية ومدى استمراريته، وذلك على النحو التالى: 1- استمرارية ظاهرة العزوف السياسى عن المشاركة السياسية للجماعة الناخبة، وهو ما يشير إلى عودة بعض مظاهر اللا سياسة وموتها لدى قطاعات اجتماعية واسعة. 2- تفاقم الفجوة بين الأجيال وإدراكاتها السياسية وتوجهاتها ومصالحها ونظرتها إلى العمليات الانتقالية المضطربة واحتقاناتها، وهو ما يبدو من مواقف الأجيال الشابة على نحو أدى إلى بروز صراع بين شرعية يناير وشرعية يونيو، وهو أمر به بعض الاصطناع من بعض دوائر داخل الدولة لم تستطع استيعاب طبيعة ما حدث ودلالاته، وإدراكه على أنه محض وقائع عارضة سرعان ما سيطويها النسيان من الذاكرة الجماعية، ومن ثم تعتقد أنه بالإمكان عودة أوضاع السلطة والدولة وأساليب الحكم إلى سابق عهودها فى ظل التسلطية السياسية لنظام يوليو، وهو أمر يكشف عن ضعف التراكم السياسى، وضعف الملكات والقدرة على التغيير فى أساليب التفكير السلطوى، وعدم المرونة وسرعة التكيف مع تغيرات الواقع الموضوعى على نحو يسمح بتجديد الدولة، وسياسات واستراتيجيات الحكم. الصراع بين كلتا الشرعيتين يعكس فى أحد أبرز مظاهره ومصادره الفجوة الجيلية فى إطار أجهزة الدولة ومؤسساتها السياسية، وخارجها بين الأجيال الأكبر سناً وبين القاعدة الجيلية الأكبر فى هيكل الأعمار فى مصر، وهو ما يعنى صراعا بين ذهنية سلطة يوليو، وبين ذهنية جيلية شابة، أكثر تحرراً وإيماناً بالقيم الديمقراطية، وثقافة الحريات العامة والخاصة، والانفتاح على العالم المعولم وتطوراته المتسارعة، بين ذهنية الثورة واللغة والمنطق الرقمى، وبين ذهنية سياسية وبيروقراطية بطريركية تقليدية، وبطريركية محدثة فى أفضل الأحوال. هذا التباين والتصادم، هو صراع بين الماضى فى الحاضر، وبين الحاضر فى المستقبل، وهو ما سيؤدى إلى تراكمات من الغضب قد تنفجر على نحو خطير، ولن تجدى معه الأساليب السلطوية القديمة فى القمع أو الاحتواء أو من خلال القمع الرمزى والإيديولوجى التقليدى الذى فقد معاناه وأثره فى ظل الثورة الرقمية، والدور الذى يلعبه الواقع الافتراضى فى التعبير والتعبئة والحشد السياسى والتنظيمى والحركى والانتقال إلى تغيير الواقع الفعلى. من ثم يشكل تحدى الحوار بين الأجيال أحد القضايا الرئيسة التى يتعين على النخبة البرلمانية ذأيا كانت توجهاتها وانتماءاتها- أن تنهض بمسئولياتها تجاهها. 3- بروز دور المال السياسى فى دعم بعض المكونات الحزبية وغيرها داخل البرلمان، وهى ظاهرة تحتاج إلى مواجهتها بحزم وصرامة لضمان سلامة السلوك البرلمانى ومقاصده. 4- استمرارية ظاهرة شراء الأصوات فى السوق الانتخابية، التى تمتد من النظام شبه الليبرالى إلى نظام يوليو وتفاقمها فى انتخابات ما بعد انتفاضة يناير 2011. 5- الدور البارز لرجال الأعمال فى نشأة وتمويل بعض الأحزاب السياسية الجديدة والقديمة، وهو ما يشير إلى الطابع اليمينى عموماً فى توجهات البرلمان الاجتماعية ودفاع مكونات مؤثرة من أعضاء مجلس النواب عن مصالح رجال الأعمال ذداخل البرلمان من أعضائه أو من خارجه- على المستويين التشريعى والرقابى، ومن هنا يبدو مرجحا تحول البرلمان إلى سوق عكاظ سياسى من الخطابات السياسية الزاعقة والمزايدات بهدف ممارسة الضغوط على الوزراء والحكومة، وسعى بعضهم إلى محاولة استعادة هامش حركتهم الواسع خلال حكم الرئيس الأسبق حسنى مبارك. من هنا يشكل تحدى التوازن بين المصالح الاقتصادية لرجال الأعمال ودورهم الاجتماعى، وبين بعض السياسات الاجتماعية التى تسعى للتخفيف عن أعباء الأغلبيات الشعبية، فى ظل أزمات اقتصادية هيكلية متفاقمة. من هنا تبدو خطورة تحول البرلمان إلى ساحة للمزايدات السياسية، واللغو الخطابى، بما يؤدى إلى تفاقم الاحتقانات الاجتماعية وانفجار فوائض الغضب السياسى. 7- تحدى العلاقة بين بعض أجهزة الدولة، وبين بعض أعضاء البرلمان والأحزاب والائتلافات المرنة والمضطربة الأداء، واللغة السياسية التى ظهرت أثناء الانتخابات وفى أعقابها، وهو ما يعنى أن استقلالية البرلمان وغالبُ أعضائه على المحك. 8- تحدى نقص التكوين والخبرات والملكات السياسية والتشريعية والمعرفية لدى عديدين داخل تشكيلة البرلمان، وفجوة المعرفة بما يحدث فى الإقليم والعالم على نحو يسمح بدور فاعل للأعضاء فى أداء وظيفة التشريع وفى مناقشة مشروعات القوانين المقدمة من رئيس الجمهورية والحكومة، أو القضايا العربية والسياسة الخارجية لمصر. 9- تحدى تراجع الأدوار التشريعية لأعضاء البرلمان وهيمنة التصورات التشريعية للسلطة التنفيذية على البرلمان، وهى ظاهرة عالمية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فى ظل ثورة يوليو 1952 ازداد هذا الدور كنتاج لتبنى الطريق اللا رأسمالى للتنمية وتنامى هذا الدور فى ظل سياسة الإصلاح الاقتصادى والخصخصة، وسيطرة الحزب الحاكم، والأخطر تزايد دور نظام القرار الجمهورى بقانون ذخارج نطاق شروطه وحالاته- وتجاوزه للنطاق المخصص للسلطة التشريعية، وهو ما يعكس فوائض القوة السياسية لرئيس الجمهورية فى نظام شبه رئاسى. 10- تحدى الارتقاء باللغة السياسية ومفرداتها والخطاب السياسى والتشريعى إزاء تدهور مستويات الخطاب السياسى والبرلمانى الذى ساعد على بروز ظاهرة الغوغائية السياسية والمزايدات والثرثرة فى عديد التشكيلات البرلمانية. مطلب الارتقاء باللغة السياسية سيساهم فى تطوير العمل البرلمانى التشريعى والرقابى أما استمرارية خطاب اللغو والثرثرة والمزايدات فسيؤدى إلى تزايد الانتقادات الحادة على البرلمان وأعضائه، ومن ثم التقليل من فعاليته وتأثيره فى إعادة التوازن فى العلاقة بين سلطات الدولة وإلى تنشيط الحيوية ودعم عمليات العودة إلى السياسة مجدداً فى البلاد. 11- تحدى الاستخدام الفعال للأدوات والآليات الرقابية للبرلمان على أعمال السلطة التنفيذية، من خلال الصلاحيات الدستورية من توجيه الاستجوابات، وسحب الثقة، وطلب المناقشة. هذه التحديات وغيرها، هى التى ستحدد العمر النسبى لبرلمان انتقالى ولا يعكس طبيعة التوازن بين القوى والمصالح الاجتماعية والسياسية فى سياقات انتقالية مضطربة وتتكالب فيها الأزمات الهيكلية الاقتصادية والاجتماعية فى إقليم مضطرب وسائل وتسوده رياح سياسية غامضة وعدم اليقين. لمزيد من مقالات نبيل عبدالفتاح