كعادته قبل طفليه في الصباح الباكر ومضى لعمله، لم يجد سببا لانقباض قلبه هذه المرة كان ينظر لزوجته بحنو بالغ، كأنه يريد أن يقول شيئا لم يعلمه. لم يدركه.. كل ما كان يدور بنفسه شعور غامض بالانقباض،لا يجد له تفسيرا، رجل صعيدي.. سويسي.. جمع بين معنى الشهامة والبطولة ..صباح جديد.. ولكنه مختلف.. كان صباحا بطعم النار.. وما لبث أن وصل للشركة التي يعمل بها شركة النصر للبترول تزايد الصراخ وانتشرت النيران ..وامتدت أمواج الدخان الأسود.. تأخذ معها ما تطوله، جري الجمع وانطلق العاملون، مذعورين.. بعضهم هرب، والآخرون ساعدوا.. أما الفني بشير سعد بشير ففضل مواجهة النيران.. فانطلق داخلها.. وكأنه يحاول إطفاء بيته لا شركته، لم يشعر باحتياجه للتفكير.. أو المفاضلة.. لم ينتظر راقصي الفضائيات الذين يدعون البطولات.. ولم يعبأ الرجل بيتم طفليه.. ولا حتى بفقدان حياته.. كل الأشياء صغرت أمامه.. أراد يعطينا درسا في الوطنية.. لم يقم باعتصام.. ولم يعطل الانتاج.. بل مات منصهرا في الوطن الذي عشقه أكثر من حبه لطفليه.. وأستشهد بشير المواطن المصري البطل.. الذى فعل ما لم يفعله منافقو هذه الأيام.. مات ولم يزايد.. لم يقاتل لإبراز عضلاته.. التي تستطيع كما يقول المدعون أن يغرقوا أسفلت الوطن بالدماء.. ولهم الحق كل الحق لأن خيالهم المريض صور لهم .. أن الوطن صار حكرا لهم ..يفعلون به ما يشاءون، ووقت أن يريدوا! نعم.. لن تقف الحياة باستشهاد واحد من شرفائها .. وكان للمجرمين الذين أخذوا من الخسة أعمق معانيها، وهي بيع الوطن، وتخريبه، رأي ثان وثالث.. فأشعلوا الحريق الثاني، قبل أن تمر حتى ذكرى الاربعين، لرحيل البطل بشير، واشتعل الحريق الثاني بنفس الايادي القذرة.. وفي نفس الشركة،و كان غريب وهو الشقيق الأصغر لبشير وهو أيضا أب لطفلين توءم ..وفتاة ..في المرحلة الاعدادية، لم يمنعه موت شقيقه للفرار إو ايثار السلامة، والابتعاد، بل اندفع بنفس الحمية والرجولة، ليساعد في إطفاء النيران لينقذ ما يمكن إنقاذه، ولم يسعفه القدر، بل شاء أن يلقى ربه هو الآخر شهيدا كأخيه، فأخوه ليس أشجع منه، ويبدو أنهما شربا من نفس كأس البطولة والشهامة، تربيا على أرض الكرامة والتضحية، فلا عجب إذن من هذه الأرض الطاهرة التي أنجبت لنا مثل هذين الشهيدين الكريمين، إنما العجب كل العجب من صراعات مريرة نحياها جميعا صراعات الأيادي الآثمة، التي تقتل وتشعل وتدمر، الأيادي الآثمة، التي تقطع الطرق وتهدد بالخراب والهلاك، لكل من يختلف معها، تلك الأيادي التي يجب أن تقطع ليعيش وطننا، ولكننا ندعي أنها لهو خفي، وأننا لا نعلمهم، وأننا أحيانا نبعد عنهم، كي نتقي شرورهم ..وما لشرورهم انتهاء.. وما لخططهم من اندثار... فهم امتداد لكل أمراضنا الماضية والحالية.. فمتى نبتعد ولو لحظات عن أطماعنا الشخصية، فقط لكي نتأمل مصلحة وطننا، لأنها الأبقى، ونحن إلى زوال، وما يعصف بعقلي الآن: أننا مدركون أن الوطن باق.. ونحن زائلون.. ورغم ذلك، تأخذنا مصالحنا لوجهات وجهات أخرى، لا تملك من زادها إلا الفرقة والتشتت، تدلنا في وضوح لا يقبل مساومة، على هوان وطننا وانحساره أمام مصالحنا، وما ذاك بحق، بل هو أس الباطل، ورمانة الفساد والإفساد فمتى يكف بعضنا عن المزايدة؟ متى يكف كل منا عن الإيمان، بأن فصيه علي حق، وكل ما عداه باطل؟ ارحمونا قبل أن ندعو بألا يرحمكم الله الذى حثنا على التعاون، لأن به القوة، ونهانا عن التفرق، لأن فيه الهوان والشتات، فمتى ندرك؟ وهل بعد فوات الأوان يستقيم إدراك؟ كم هو بشع ما يحدث لشبابنا: من قتلوا في الميادين والشوارع، ومن ذبحوا في مدرجات بورسعيد، ومن احترقوا بمحارق الفساد، ألا يجد شباب مصر من إخوان.. وسلفيين.. وليبراليين.. وكل الالوان.. أقول ألا يجدوا خيطا يتمسكون به.. كي نوقف نزيف الدماء..التي تختلط دوما بالانهيار، كيف نوقف استباحة حياتنا جميعا؟! [email protected] المزيد من مقالات أيمن عثمان