إنه هو مرة أخرى! هذا ما قالته أمى وهى عائدة من الشرفة عندما خرجتُ لأتقصى مصدر الأصوات المتداخلة فى الشارع. كان قد فعلها للمرة الثالثة، دخل فى نوبة من هياج عصبيّ وألقى كل الأقمشة والملابس التى تخص الناس فى الشارع، ثم جلس يبكى فوقها. «اذهب إليه، لا أحد يستطيع تهدئته إلا أنت».. قالتها أمى وهى تغيب فى الممر وكأنها تتحدث عن صديقين، فى حين أنه تفصل بينى وبينه خمسون عاماً، وتربطنا مائة كوبٍ من الشاى الساخن الذى كانت تصنعه زوجته. الحقيقة المزعجة أنه حتى أنا لم أعد قادراً على تهدئته أو التحدث إليه والاستماع إلى شكواه وأنينه ودعائه، فمنذ رحلت زوجته قبل شهرين وهو خارج حدود العالم الحسيّ، يجلس على ماكينته يعمل بوجه جامد خالً من أى تعبير، كان مفرّغا من الحياة، فقد ظلّ هو وهى يتسابقان غير عارفين الهدف ولا على أى شيء يتسابقان، وبعد أن سقطت زوجته أرضاً حيث لم تر العتبة الخشبية فى قاعدة الباب الفاصل بين دكانه وباقى حجرات بيته الخاوى من الصوت، رغم أنها كانت تراها دائما بعينيها البنيتين وتحذرنى من الاصطدام بها، حملناها للداخل وعدنا نتحدث بدون شايها الذى انسكب، قال: لم أعد أعرف يا ولدى بما أدعو الله الآن، أنا لا أريد أن أموت قبلها فأتركها وحيدة لا أحد يبكى عليها عندما تموت، وفى الوقت نفسه لا يمكننى التجرؤ أبداً على أن أدعو الله أن تموت قبلي، الحيرة تكاد تقتلنى عندما أفكر فيمن سيكسب سباقنا نحو الموت. كلماته كانت تخرج دائماً من أعماق قلبه مشبعة بتشبيهات بسيطة من صميم مهنته، قال لى مرة وهو يُدخل الخيط فى الإبرة ببراعة دون أن ينظر إليه: الحياة من دون أبناء مثل أن تفنى العمر كله فى خياطة جلباب تعرف ألا أحد سيرتديه، أنا لا أعرف بعد كل هذا لماذا عشت. كنت أزوره فى البداية وفاء للجيرة ولسيرة جدى الذى كان صديقه الأقرب، كان يقول لى دائماً: «أحب الحديث إليك لأنى أرى فيك جدَّك، تشبهه شكلاً ورائحةً». عندما انهار فى المرتين السابقتين كنت آخذه للداخل وألملم الأقمشة والملابس التى ألقاها وأرتبها مرة أخرى، أطلب منه أن يتكلم ويخبرنى ما به فيظل صامتاً، وعندما يتكلم أخيراً يقول نفس الكلمات: «عندما كانت تموت فوق ركبتيّ فى الليل غسلت دموعى وجهها، لكننى لست متأكداً هل كانت الدموع حزناً عليها أم حزناً على نفسى لأنى سأموت وحيداً فى الليل لا أحد يضغط على يدى أو يقبل جبيني». عندما وصلت هناك مددت يدى إليه فى صمت، طلبت منه أن ينهض معى لندخل، لنحكي، سأسمع منه الحكاية مرة أخرى من دون ملل، لكنه التقط يدى وظل ضاغطاً عليها، حاولت أن أرفعه، كان جسده النحيل ثقيلاً ذلك اليوم، وكأنه محملٌ بكل أحزان أهل الأرض، ارتعشِت يده كثيراً فارتعشْتُ، شهق شهقةً عاليةً فارتعبتُ. جلست بجواره فوق الأقمشة واستندنا على الجدار، ظلت يدانا متحدتين حتى بدأت القوة فى يده تخور وتخور. فى الجنازة رأيت حزناً عميقاً غير مفتعل فى وجوه الناس، فكل جسد يسير هنا خلف صاحبنا مغطى بملابس عليها بصمة من يديه، حتى القماش الأخضر الذى يغطى النعش كان صدَقة جارية منه.