منذ اليوم الأول فى ممارسته عمله كطبيب وضع نصب عينيه الالتزام بشرف وقدسية مهنة الطب التى كان يؤمن بأنها أهم وأعظم مهنة على وجه الأرض، وكان يحزنه أشد الحزن الظلم والغبن الذى يحيق بالأطباء، وعدم تقدير قيمة ومكانة هذه المهنة التى تتعامل مع صحة وحياة أكرم خلق الله، وكان مؤمنا بأنها رسالة جليلة وواجب انسانى قبل أن تكون مهنة غايتها الربح والثراء. وبعد أن حصل على الدكتوراة فى احدى أكبر وأهم مستشفيات الولاياتالمتحدة عاد إلى مصر، وقد ترسخ فى وجدانه أنه يحمل أمانة كبرى فى عنقه تجاه مواطنى بلده من المرضي، وكان حريصا على بذل أقصى جهده وتخصيص كل وقته لرفع الألم والمعاناة النفسية عن مرضاه، وتوفير كل سبل الشفاء والراحة النفسية لهم ولذويهم، حتى ذاعت شهرته، وتكالب عليه المرضى فى العيادة الخارجية بقصر العينى وعيادته الخاصة ثقة فى كفاءته ومهارته كجراح لا يشق له غبار، وتواضعه وأدبه الجم ورفقه بمرضاه خاصة أصحاب الدخول المتواضعة، وكان يباشر عمله مبتغيا رضا الله عن عقيدة ايمانية هى أن الطب رسالة انسانية عظمى تلى رسالة السماء، وانها تتبوأ مقام الرسالات الانسانية الأخري. كان أقصى أجر للكشف يتقاضاه خمسين جنيها من ميسورى ومتوسطى الحال، أما الفقراء فكان كشفه عليهم بالمجان، وأقصى أعتاب عن عملياته الجراحية خمسة آلاف جنيه، وأقل من ذلك لمن لا تسمح أحوالهم المادية بهذا المبلغ، وانتهج نهجا لم ينتهجه أحد من قبله، حيث كان يتبنى رعاية طبيبين متفوقين سنويا من خريجى طب قصر العيني، ويشرف فى تجرد على رسالتيهما للماجستير، ثم باتصالاته وعلاقاته الشخصية مع مديرى وأطباء المستشفى الذى كان يعمل به فى الولاياتالمتحدة يحصل لهما على منحة دراسية لتسجيل الدكتوراة، وبعد عودتهما يعملان معه فى عيادته لكى يصل عطاؤه الطبى المتميز لأكبر عدد من المرضي، وقد تمكن بمساهمة أهل الخير من الأغنياء وأصدقائه من رجال أعمال وأطباء مصريين وعرب من إنشاء مستشفى صغير على أعلى مستوى طبى فى الأجهزة والمعدات والتجهيزات ومستوى الإقامة والخدمة يضارع أحدث وأرقى مستشفيات الغرب، وتتراوح تكاليف الاقامة فى حجراته بين 20 و25 فى المائة من رسوم مستشفيات أخرى فى نفس المستوى المتميز لمستشفاه وربما أقل، وكان اهتمامه بطاقم التمريض لا يقل عن اهتمامه بمستوى الأطباء، فكان يخضع ممرضاته لدورات تدريبية متميزة داخل مصر وفى دول أجنبية يتحمل تكاليفها معه شركاؤه فى المستشفي. وقد كانت لديه قناعة راسخة أن الطب والتعليم مهنتان ساميتان لا يجوز أبدا فى أى مجتمع متحضر أن يكون هدفهما الربح على حساب مستوى الخدمة وجوهرها الانساني، ولذلك كان يرفض إنشاء المستشفيات بغرض الاستثمار، فلا استثمار مادى فى صحة الانسان وخليفة الله فى أرضه، وكان يمقت مغالاة أى طبيب فى أتعابه، ويشعر بالغضب والاشمئزاز عندما يشاهد أطباء فى التليفزيون يعلنون عن أنفسهم من خلال برامج طبية!، فأكبر دعاية حقيقية لأى طبيب هى كفاءته وأمانته وانسانيته. كان يتعبد فى محراب الطب ساعيا إلى رضا الله ورضا الناس، مؤمنا بأن مهنته التى وهب لها حياته هى مهنة الرحمة والعطاء والإيثار والتضحية، فالأطباء هم بمثابة ملائكة الرحمة، أو هكذا ينبغى أن يكونوا. وعندما توفاه الله ترك وراءه إرثا عظيما من أطباء ديدنهم الإيمان العميق برقى وسمو هذه المهنة الانسانية الجليلة التى تغلفها الرحمة والرفق بالمرضي. ويبقى السؤال المهم: تري.. ما هى نسبة الأطباء اليوم فى مصر الذين يحذون حذو الدكتور مراد المصرى عقيدة ورسالة، والذى لا يعدو كونه نموذجا مثاليا من وحى خيال كاتب هذه الرسالة كحلم غال يحلم به كل مواطن مصري؟ محمد سعيد عز