ثرية هى حياة البشر ومليئة باللحظات التى تحوى التنهدات والعبرات.. وقد دأب الناس منذ بداية الدنيا على تأمل حياة بعضهم البعض لعلهم يتعلمون حكمة تضىء لهم الطريق أو تتيح لهم فهم أسرار الدنيا. ودائما ما كانت سير حياة العظماء مادة خصبة لكى نكتشف التحدى الكبير الذى يخوضه هؤلاء مع الحياة لانجاز اشياء ملموسة ومبتكرة تدفع البشرية كلها للأمام. و أحد أهم هؤلاء العظماء هو (ستيف جوبز) مؤسس (أبل) الشهيرة صاحبة الابتكارات التى غيرت نمط حياة البشر فى اخر خمسين عاما مضت، واهمها الكمبيوتر الشخصى. ربما لا يصدق احد أن هذا الرجل المعجزة ولد وعاش حياته كابن متبن. جوبز جاء نتيجة علاقة بين رجل سورى اسمه عبدالفتاح جندلى وامرأة أمريكية هى جوان سيمبسون. لكن لاعتراض اهل الفتاة على زواجها من عربي، قامت هى وحبيبها بعرض الابن الذى أنجباه (ستيف) للتبنى. ورسا أمر التبنى على بول جوبز وزوجته كلارا اللذين كانا يعانيان من عدم الانجاب. وبول ميكانيكى عمل فى اصلاح وبيع السيارات منح هو وزوجته لستيف كل الحنان والرعاية الممكنين رغم أحوالهما المتوسطة، ولذا ظل جوبز طوال حياته وحتى مماته عام 2011 يعبر عن امتنانه لما منحاه له فى حين أنه رفض كل الرفض ان يقابل ابوه البيولوجى (جندلى)، لاستيائه مما فعله معه. وقد ترك ذلك الاساس المركب تأثيره على شخصية (جوبز) من صفات ربما ساعدت على خروج اختراعاته العبقرية للنور بسبب اصراره على النجاح بأى ثمن. ظل جوبز طوال طفولته ومراهقته مهتما بالتكنولوجيا المتصاعدة فى المنطقة التى يقيم بها والتى أصبحت ما سمى فيما بعد (وادى السليكون) وظل يفك طلاسم المنتجات الاولى للكمبيوتر انذاك، رغم أنه لم يكن فعليا مهندس كمبيوتر أو مخترعا، بل أنه لم يكمل سوى عام واحد من تعليمه الجامعى بكلية رييد وانصرف لأخذ دورات دراسية فى مجالات شتى منها الخط ، تلك التى ساعدته كثيرا فى الشكل الرائع الذى بدت عليه حاسبات أبل فيما بعد. ثم رحل رحلة استكشافية للهند عاد على أثرها معتنقا للبوذية بدون ان يلتزم بتعاليمها بشكل كامل طوال حياته.تعرف على مهندس الكمبيوتر ستيف وزنياك وأنشآ معا ابل عام 1976 التى طرحت اول حاسب يحمل اسمها لتبدأ ثورة بالعالم للحاسب الشخصى المعتمد على الماوس وشاشة تعرض مكوناتها بالجرافيك. الغريب ان وزنياك تخلى عن شركة أبل مبكرا وارتضى أدوارا هامشية بها مما شجع جوبز طوال حياته على عدم الاعتماد على مخترع واحد فأصبح هو العبقرى رغم انه ليس الذى يبتكر الاجهزة المستحدثة هندسيا بل هو الذى يحلم به ويجعل فريقا من العباقرة الذين يعملون معه ينفذون له هذا الحلم، ويظل ينقح فيه مرارا وتكرارا حتى الوصول للشكل الامثل المتكامل الذى يبهر العالم ويغير سلوك البشر.هل يتصور احد أن جوبز أجبر على ترك ادارة شركة ابل بعد 9 سنوات فقط من انشائها، بسبب تآمر مجلس الادارة عليه ورغبتهم فى كسر نفوذه رغم انه المكان الذى أسسه، لكن فى اطار زيادة رأس المال دخل اشخاص آخرون بالادارة ، وتآمر معهم مدير أتى به جوبز نفسه من شركة مياه غازية فطرده ليصبح هو رئيسا لمجلس الادارة مكانه.لم يفقد جوبز أبدا ثقته بالبشر رغم ما تعرض له من خيانات. وذهب واسس كيانا آخر اسمه (نكست) نجح فى ابتكار برامج وكمبيوترات رائعة ، بل واشترى جوبز من المخرج جورج لوكاس (بيكسار) لتكون اول مؤسسة تنتج أفلاما ورسوما متحركة من خلال الكمبيوتر والتى بدأتها بفيلم قصة لعبة الذى أنتجته مع (ديزنى) لتتوالى أعمالها العظيمة بعد ذلك. بعد 12 عاما من طرده، خسرت أبل خسارة ضخمة وكانت على وشك الافلاس فبذل مجلس الادارة كل السبل لاقناع ستيف جوبز بالعودة ليقودها، فوافق ان يعود لقلعته عام 1997.ومن وقتها وجوبز يحدث ثورة بالعالم مع كل ابتكار يقدمه: من تطوير أجهزة ماك لتكون منصة للمبدعين خاصة فى مجالات الجرافيك وصناعة الافلام والموسيقي، ثم ابتكاره للأى بود الذى جعل آلاف الاغانى متاحة فى قطعة صغيرة بالجيب، حتى الاى تيونز الذى جعل بيع صناعة الاغانى والافلام من خلال الانترنت وليس من خلال الاسطونات ثم جعل الصحف تقرأ على الكمبيوتر كبداية لعصر جديد لها ربما يؤرخ لبداية نهاية الصحافة الورقية. ثم ابتكار جهاز أى فون الذى يعد هاتفا اعجازيا بامكاناته خاصة عند مولده وبعده الأى باد الأشبه بالسحر والاى كلاود الذى يربط بين كل هذه الأجهزة. وعرف جوبز بانه كان صعب المراس وصعب ارضاء طموحه وكان محاربا شرسا لمن يقف امامه او يسرق افكاره.وكثيرا ما رفت مخطئين، ليس قسوة منه بقدر ما كان تواقا الى الكمال. وربما ساعدته ظروفه كونه تربى كطفل متبنى الا يكن رحيما مع فكرة الفشل الذى يرفضه ويهرب منه. لكن الدرس الأكبر فى حياة جوبز هو تحدى الظروف مهما كانت صعبة: عاش طفلا متبنى ، وطرده زملاؤه من المؤسسة التى أنشاها، ثم يعود اكثر قوة كل مرة،و حتى عندما هاجمه السرطان فى نهاية حياته، لم يتوقف عن العمل والابتكار حتى آخر لحظة. لا شىء عظيما تصنعه فقط النوايا الحسنة، ولا مستحيل امام قيم الاصرار والطموح والعمل الجماعى والفكر المؤسسى. كل مشروع مهم بالعالم اساس نجاحه واحد، ومفاتيحه واحدة وعلى رأسها القائد القوى الملهم الذى يعرف كيف يستغل الكفاءات ولا يحركه سوى الرغبة فى النجاح. هكذا تطور العالم. وهكذا سيبقى أى منا فى مكانه اذا لم يتبع وصفة النجاح. لمزيد من مقالات احمد عاطف