رجل رصين جالس فى هدوء يرتكز برأسه على رسغه المطوى، ويبدو انه مستقر فى سكونه هذا منذ وقت طويل ، مستغرق تماما فيما يدور بداخله، هذا هو الوصف البسيط لتمثال «المفكر» للنحات الفذ اوجست رودان وهو واحد من أهم التماثيل فى تاريخ الانسانية، ومصر محظوظة لأنها تمتلك واحدا من أصوله الثمانية،اختار رودان ان يمحو أى احساس بالحركة فى تمثاله، وكأن الجسد يريد أن يوفر للعقل كل ما يحتاجه من وقت. فى مصر لدينا علاقة مريبة بالوقت، خاصة الوقت المطلوب لإعمال العقل، علاقة مضحكة رغم قسوتها،فنحن اصحاب اطول حكاية فى تاريخ الإنسانية، والزمن لدينا بالغ الاستطالة، إلا أن الوقت يداهمنا دائما كقاطع طريق، لنجد انفسنا مجبرين على اتخاذ قرارات متعجلة وكأن القيامة غدا، وأول وقت نتفق جماعيا على التضحية به، يكون فى الغالب وقت التفكير والتأمل، لنبدأ دائما من نفس النقطة التعيسة، حيث نتورط دون حساب التبعات، وبعد أن تبدأ المشاكل فى البروز ننتقل بخفة الى أزمنة التبرير والحجج، ثم الى ازمنة التسويف والتأجيل، ومنها الى ازمنة النعاس الطويل وننسى بعدها كل شىء. وهكذا باعت لنا الناصرية فكرة «من الإبرة الى الصاروخ» ولا أعرف هل صناعة كل شىء يمكن اعتبارها «فكرة»، ام كان علينا أن نفكر بجدية فيما سنبرع فيه، وفى السياق نفسه غنينا لتوشكا بحماسة بالغة، دون أن نفكر فى تبعات الصراع مع الصحراء فى هذا الموقع بالتحديد، اهدرنا مليارات انتزعت من جيوب مصريين بائسين ومنهم من يموت لأنه لايجد علاجا لأمراضه حتى الآن. عشنا ما بعد يوليو 52 فى حالة طوارىء متقطعة، امتدت مع السادات ومبارك لعقود طويلة، حتى أصبح الطارىء هو المعتاد، اربعون عاما طارئا، بلا افكار، كانت كافية لتصفيتنا والنزول بنا الى أسفل درك، منذ سنوات قليلة ودعنا الطوارىء، لنصبح انتقاليين، دخلنا سنوات الانتقال، ننتظر استكمال الخطط، وبينما نتابع وقائع سنوات الانتقال، دخلنا فجأة فى مسابقة مع الزمن وكأن الستار سيرتفع بعد ثوان قليلة،.وبدون أى مبرر حقيقى للعجلة، فتحنا كل الأبواب مرة واحدة، بل واخترعنا جهازا سيقضى على كل فيروسات الدنيا ولما سألنا عن عامل الوقت قيل لنا اننا نحضر لهذا الاختراع منذ اكثرمن 22 عاما فى سرية كاملة، وان شهورا قليلة تلزمنا كى نعلن للإنسانية نهاية عصر الفيروسات على يد اللواء عبد العاطي، ثم أجلنا الإعلان بضعة شهور، ثم توقفنا عن الحديث عنه وكأن شيئا لم يكن، لم تعتذر الدولة للمرضى الذين انتظروا الوهم الكبير، لأنها تؤمن ان الوقت سيتولى مهمته التاريخية فى تسليمنا كالعادة الى النسيان الكامل. والآن حلت أزمنة الحرب، كما يقال لنا، ولا وقت لدينا الآن للجدل، فنحن نخوض عدة حروب فى نفس اللحظة: حرب على الإرهاب وهذا أمر نتفهمه، وحربا ضد مؤامرة كونية، وحربا ضد الزمن، وهذا ما يصعب فهمه، وكأننا انتقلنا الى قسم الحالات الحرجة. يقول رئيس مجلس الوزراء الحالى، «إن الأدراج مكتظة بالأفكار والرؤى، المهم هو كيفية التنفيذ ومن ينفذ»، وهو متسق فى ذلك مع نفسه بلا جدال، فالرجل بلا أفكار فعلا ولذا لا يجد مشكلة فى التوافق مع كل الأزمنة، بما لديه من نشاط و حيوية، بعيدا عن وجع الأفكار. هل يمكن أن نجد وقتا للتفكير، أم أن الأفكار على«قفا من يشيل» كما يرى رئيس مجلس الوزراء.التفكير فى جوهره هو التساؤل المستمر حول كل شيء تقريبا. وهو اكتشاف الصلات والمشتركات والفروق، هو تقصى المجهول الكامن خلف ما نعلم او ما يقال، هو القدرة على بناء المشهد بدءا من التفاصيل، والنظم المرتبكة لا ترحب بأى من هذا. والصخب الدائر حولنا لا ينبىء بأية أفكار، فالخطاب الرسمى دعائى بحت، نفس خطاب الانجازات الذى اعتمده مبارك من قبل، والذى أصر على أننا رغم كل ما نعانيه نعيش ازهى العصور، والخطاب السياسى غائب تماما. الخطاب الدينى المتداول شكلى للغاية وضيق الأفق يخنق الحياة داخل النصوص، أما الخطاب الإعلامى وهو أسوأ الخطابات عامة فهو خطاب دعوى ولكنه مدنى الطابع، ومفكرو الفضائيات نسوا أنهم مذيعون ومقدمو برامج، ونصبوا انفسهم حكماء وصناع رأى، فقد اتاحت الظروف لهم فرصة نادرة للاستفراد بالشعب من مقاعد العارفين وهم على درجة مخجلة من الضحالة، اصداء رنانة ومخلصة جدا للواقف خلفها، أما الخطاب الرقمى المتداول على مواقع التواصل ،ففيه مساهمات فكرية مضيئة واسئلة حقيقية يطرحها الشباب، أقدر واحترم واتابع بشغف حجم التجديد فى محتواه وفى لغته واتعلم منه الكثير، ولكن الأغلب فى طوفان المادة الرقمية ساخر وشتام وذاتى للغاية وهو تقريبا النقيض الحقيقى للتفكير، واخيرا يأتى الخطاب الشعبى وهو خطاب غير مبادر وغالبا ما يتم استجوابه أو استدراجه، ولكنه بدأ يشق بنفسه طريقه الى شبكات التواصل وهذه ظاهرة تتطلب التوقف، ويبقى أن الشكوى مازالت تشكل مادته المفضلة، يليها الدفاع عن النظام، انتهاء بتجريم المعارضين تماشيا مع الدعاية الرسمية المهيمنة. حاجتنا للتفكير ملحة وحاسمة مهما سخفها المسئولون، وخسارتنا الفادحة اننا لم نبدأ التفكير بعد، وبعد كل ما جرى لنا، وليس أمامنا إلا أن نعمل عقولنا للخروج من سطوة هذا الغباء الفخور بذاته، ومن حصارهذه الضحالة الصاخبة، أدعوكم فى النهاية الى تأمل هذه الكلمات المضيئة للشاعر الالمانى هولدرلن وهى الكلمات التى قادت هيدجر لإنجاز نصه الملهم: ما معنى التفكير؟. يقول هولدرلن: «إن الذى يفكر فى الأكثر عمقا يحب الأكثر حياة» لمزيد من مقالات عادل السيوى