اختلط الحابل بالنابل، خاصة فى هذا الزمن، زمن السيولة الإعلامية التى باشت فيها كل المعانى وتلاشت معظم القيم.. فى زمن الإعلام الذى يتحول فيه المذيع إلى خطيب وواعظ وناشط سياسى، وكأنه الذى قال عنه طه حسين ذات يوم: «هذا رجل رضى عن جهله ، ورضى عنه جهله»، أصبح الوعى العام يتشكل بشكل مشوه، ويزداد هذا التشوه حتى يصبح عيباً خلقياً وخلقياً (بفتح الخاء وضمها).. ولقد شهدت ظاهرة الإرهاب أكبر عملية تشويه فى الوعى العام من خلال خلط المصطلحات وخداع الناس، بل وأصبحت الكلمة «الإرهاب» رديفاً لدين معين: «الإسلام»، ولشعوب بعينها: «شعوب الشرق الأوسط»، وابتلعت النخب العربية هذه الثقافة المشوهة كى ترددها، واعتنقتها أنظمة الحكم كى تبرر بها ممارساتها القمعية ضد الشعوب.. وربما يقتضى الأمر تحرير المصطلح حتى يتبين لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ونضع علامات التحذير الواجبة كى نحرر عقولنا من الاحتلال الثقافى الغربى.. أى أن تحرير المصطلح هو خطوة لازمة لتحرير العقول.. من هو الإرهابى Terrorist؟، ومن هو المناضل Freedom Fighter؟.. هل اختلطت الأوراق، أم أن المسألة مجرد كيل بمكيالين أو Simple Double Standard؟.. المشكلة أن البعض يقرأ قواميس المصطلحات الأجنبية، ويرفض فى شمم واستعلاء أن يفتش فى معجمه كى يفهم - ولو مرة - معنى الكلام.. ولا حصر للأمثلة ، ولكن فلنتمعن هنيهة فى اصطلاح «انسحاب» Withdrawal وكيف تحول تدريجياً إلى «إعادة انتشار» Redeployment، وابتلعه من ابتلعه، وأصبح مصكوكاً فى وثائق دولية وفى أدبيات مرحلة عجيبة. وهنا أنبه إلى أن المسألة ليست استبدال كلمة بكلمة، فنحن لسنا فى مجال التنابذ اللغوى، فالكلمة تتلبس مصطلحاً له مفهوم سياسى وقانونى معين، وحين تستبدل فأن حجم التغير فى المعنى أكبر كثيراً من حدود الكلمة . مثل آخر وشهير ورد فى القرار 242 حيث اختلف المعنى القانونى والسياسى لمجرد حذف حرف تعريف، فالنص الإنجليزى يتحدث عن الإنسحاب «من أرض» احتلت فى العام 1967، وليس «من الأرض».. كذلك ما تردد عن أن تكون عاصمة فلسطين «فى القدس»، وليس «القدس».، كما لا يخفى على أحد الاستخدام المتكرر لكلمة المناطق Territories بديلاً عن كلمة الأرض المحتلة Occupied Territories، واستخدام «يهوذا والسامرة» بديلاً عن «الضفة الغربية».. ثم أخيراً، وخاصة بعد جولات التفاوض الفلسطينية/ الإسرائيلية، يرد وصف «الأرض مقابل الأمن»، ليتسلل تدريجياً كى يمحو مبدأ مدريد الشهير «الأرض مقابل السلام». أرجو ألا يستهين البعض بهذه الأحاجى، فمصائر الشعوب ترتبط على نحو كبير بمثل هذه المصطلحات، فكلمات مثل «اقتصاديات السوق» و«العولمة» و«حقوق المؤلف وبراءة الاختراع»، وغيرها، ليست مجرد إشارات بسيطة شاردة، وإنما هى اتجاه تؤلف فيه الكتب وتعقد من أجله المؤتمرات والندوات، بل وقد تؤدى إلى الحروب.. فى أمريكا اللاتينية مثلاً - بداية الثمانينات - كانت دولتان تعانيان من الحرب الأهلية، فقد كانت حكومة «الساندنيستا» الشرعية فى نيكاراجوا تواجه حركة «الكونترا»، كذلك كانت الحكومة الشرعية فى السلفادور تواجه حركة يسارية مناهضة، وبينما وصف مقاتلو حركة الكونترا بأنهم مناضلون أو Freedom Fighters، فإن المقاتلين اليساريين فى السلفادور وصفوا بأنهم مخربون وإرهابيون Terrorists، وهنا أيضاً الأمثلة بلا حصر، إلا أن أشدها فضيحة كان وصف مقاتلى أفغانستان ضد الاحتلال السوفييتى بأنهم مناضلون (مجاهدون) ثم بعد انتهاء الاحتلال تحول نفس المقاتلين وأصبح وصفهم «إرهابيين»!! . ربما كانت الأمثلة السابقة فيها روائح الحرب الباردة وبعض أدخنتها الخانقة، ولكن لا يمكن لأى منصف أن ينكر على شعب محتل أن يقاوم قوات الاحتلال بكافة الوسائل الممكنة بما فى ذلك استخدام القوة، لأن ذلك ينضوى تحت حق مشروع ومعترف به ليس فقط فى القانون والسياسة، بل أيضاً فى الدين - أى دين - والتاريخ، وهو حق الدفاع عن النفس . أن نزع هذا الحق من شعب، يعنى وصمه بالخزى والعار، بل وتهديد وجوده المادى وهويته الوطنية، أما إذا وصل الأمر إلى تشويه هذا الحق وإلصاق الصفات الكريهة به، فأن ذلك يعنى ببساطة خلق أجيال تحتقر هذا الحق، ولا ترى عاراً فى الاستسلام والهوان، لأن ذلك هو التحضر والتمدين وحب السلام.. لقد تفاوض الشعب الجزائرى دون أن يترك السلاح، وهكذا فعل الشعب الفيتنامى، بل وكل الشعوب التى فهمت جيداً أن أحد أهم أدوات التفاوض مع المحتل هى إقناعه بأنه سيدفع ثمناً باهظاً إذا استمر فى الاحتلال.. فالنضال المسلح ليس مطلوباً فى ذاته، وإنما كأحد أهم أوراق التفاوض وعلى أساس أن المحتل يمتلك بدوره احتلال الأرض كورقة تفاوضية . ومن ناحية أخرى فلا يمكن المساواة بين خصم سياسى داخل الدولة نفسها، يمارس العنف السياسى ضد حكومته، وبين مقاتل يدافع بشراسة عن أرضه المحتلة، فالبون شاسع بين العنف السياسى المستخدم فى الحالتين، ومع ذلك، فهناك من يرى - وبحق - أن الخصم السياسى فى ظل الحكومات الديكتاتورية التى تكبت الحريات، ولا تتيح متنفساً للتعددية السياسية، يمكنه بل ويجب عليه أن يلجأ للقوة كى يقضى على هذا النظام البوليسى، ولعل ذلك ما طبقه الغرب فى تأييد المعارضة العراقية لقلب نظام الحكم فى بغداد أو المعارضة السورية سواء اتفق ذلك مع مبدأ عدم التدخل فى الشئون الداخلية للدول أم لم يتفق . هل يصح أن يتوارى فرسان الحرية خجلاً وخوفاً من الاتصاف بالإرهاب؟.. بهذا المعنى يكون «جورج واشنطن» إرهابياً، ومعه أسماء أخرى كبيرة مثل جمال عبدالناصر وبن بيلا وتشرشل وديجول ومانديلا وكل زعماء العالم الثالث تقريباً، بل وكل رجل نبيل مات فى معركة دفاعاً عن حرية تراب الوطن. لمزيد من مقالات السفير معصوم مرزوق