هناك أقوال مأثورة يتوارثها الخلف عن السلف، ويتداولها الناس جيلا بعد جيل للدلالة على حكمة أو واقع؛ ولكن هناك أقوال تتردد ويتداولها الجميع بدون التأمل فى معناها أو التحقق من صحتها، فيتصور الناس إنها حقيقة، بينما هى بعيدة كل البعد عنه. من أهم، بل وأخطر تلك الأقوال غير المأثورة ما نردده بدون وعى عندما نريد أن نصف صناعة الديكتاتور المصرى، فنقول إننا «نصنع فرعونا»، قد يتصور البعض أن فرعون موسى الذى جاء ذكره فى القرآن يمثل كل الفراعنة، أو يتصور البعض الآخر أن الفرعون كان إلها يعبده الشعب ويبنى له الهرم ليكون مآواه الآخير. ولكن كل تلك التصورات جزء كبير منها ينبع عن جهل بتاريخنا القديم الذى نقرأه بعيون الغرب. هذا الغرب الذى يفسر التاريخ حسب نظرته هو وتقاليده وتراثه هو ذلك إن توقعنا منه حسن النية. فالغرب على سبيل المثال، على قناعة بان الاهرامات بناها العبيد المصريون وغير المصريون، وفى بعض المناهج الدراسية خاصة فى كندا، ما يقال أن اليهود هم الذين بنوا الاهرامات. وذلك لأنهم لا يعرفون أن العبيد كانوا لا يلمسون الأحجار التى تبنى بها المعابد المقدسة، ولا يفهمون الظروف التى كان يتم فيها بناء الاهرامات، وكيف ان العمل فيها كان يجرى وقت الفيضان حيث الفلاحون بلا عمل؛ فكان العمل فى البناء يمنح فرصة عمل خلال تلك الشهور للعاطلين منهم. فكان لكل عامل أجر وحقوق فى التأمين الصحى والسكن مع أسرته، وهى أشياء لا يتمتع بها العبيد الذين كان الغرب يجلبوهم من افريقيا. وكل ذلك مدون فى البرديات التى وجدت والحفريات التى أظهرت موميات لعمال تعرضوا لكسور فى العظم فى أثناء العمل وتم تجبيرهم. أما أن الفرعون إلها فذلك نظرة ضيقة جدا، إذ كتب فى «كتاب الموتى» او «العودة الى الحياة» كيف كان الفرعون يمثل بعد مماته أمام الإله الأكبر آمون، وكان يحاكم على أفعاله فى الحياة مثله مثل كل إنسان آخر. أما أنه كان ديكتاتورا، فيجب ان نعرف أنه كان يقوم بجمع الضرائب بنفسه ويدخل كل بيت حتى يستطيع ان يتفقد أحوال الشعب البسيط، ومشاكله؛ ويعمل على تنظيم العمل فى الزراعة والبناء والعلم والفلسفة والطب وصنع حضارة مازال العالم يتعلم منها حتى اليوم. فكيف لديكتاتور أن يصنع حضارة؟ كما يردد الناس بدون تفكير كيف أن الفراعنة كانوا يمحون من على المعابد كل ما أنجزه من جاء قبله لكى يكتب إنجازاته هو؛ بينما لو تأملوا قليلا تلك المقولة لأدركوا أنه أحيانا كان يتم إزالة ما كتب ولكن ذلك لان لم يكن هناك حجارة كافية لكى يبنى كل فرعون حكم مصر معبدا يدون على جدرانه إنجازاته. وبالرغم من ذلك فقد حصلنا على كم هائل من المدونات التى نستطيع منها أن نعرف تاريخنا. وذلك لمن يريد أن يقرأ، ويعرف. إن أخطر شئ يحدث لشعب ما أن يجهل تاريخه. ويترك الآخرين يتلاعبون به ويقرون له هذا التاريخ. هذا الشعب يصبح مثل الانسان الذى يفقد ذاكرته، فلا يملك من أمره شيئا ويصدق كل ما يمليه عليه الآخرون، حتى ولو أوهموه أنه كان عبدا ذليلا. يجب ان نكتب تاريخنا بأنفسنا لأننا وحدنا نستطيع أن نفهم ونفسر هذا التاريخ. ويجب علينا أن نقرأه لنعرف تاريخنا. إنه تاريخ يستحق مننا كل احترام وتبجيل وفخر. لمزيد من مقالات ليلى حافظ