نعلم جميعا أن أسباب الفساد فى مصر متعددة للغاية تتمثل فى أسباب سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وإدارية.. وغير ذلك من الأسباب وهى أيضا ظاهرة تضرب بجذورها منذ فترات طويلة فى مفاصل الدولة.. وسوف أذكر أهم هذه الأسباب، وأخطرها لعلنا نسارع فى وضع الحلول والآليات اللازمة لمواجهتها والقضاء عليها. ومن أهم تلك الأسباب تعدد الأجهزة الرقابية دون تمتعها بالاستقلالية الكاملة، ووجود تداخل واضح فى اختصاصاتها، وافتقارها إلى التنسيق فيما بينها مما يمثل إهدارا للوقت والجهد والمال العام بل وإلى إمكان وجود تناقض واختلاف فى تقارير تلك الأجهزة يستغله الفاسدون لصالحهم.. إضافة إلى عدم منح الجهاز المركزى للمحاسبات سلطة لإحالة مباشرة إلى النائب العام طالبا التحقيق فى تلك المخالفات. كما وأن ضعف الرقابة البرلمانية على الحكومة يرجع إلى أسباب كثيرة من بينها عدم الدقة والشفافية فى إختيار أعضائه.. وهذا ما أكدته منظمة الشفافية الدولية حين صرحت بأن البرلمانات (وكذلك الأحزاب) فى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تعد من أكثر المؤسسات فسادا بتلك الدول. وتأكيدا على إحترام مصر بالاتفاقيات الدولية صدقت على إتفاقية مكافحة الفساد عام 2007 والتى أصبح لها قوة القانون الوطنى إعمالا لنص الدستور (المادة 1519) وكان هذا النص قائما أيضا فى دستور عام 1971.. كما صدقت مصر فى عام 2014 على الاتفاقية العربية لمكافحة الفساد.. كما أطلقت الحكومة عام 2014 الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد لمدة أربع سنوات، وقامت بتشكيل اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد.. كما تم مؤخرا تعيين مستشار للسيد / رئيس الجمهورية لمكافحة الفساد. ورغم أننا قد حققنا إنجازا طيبا طبقا لتقرير منظمة الشفافية الدولية، وهى منظمة غير حكومية مستقلة ومقرها برلين بألمانيا، حيث أصبحنا فى المركز (94) فى عام 2014 من بين (57.1) دولة حيث حصلنا على (73) نقطة من (001) نقطة.. بعد أن كنا فى المركز (411) فى عام 2013.. إلا أنه مايزال أمامنا الكثير لأننا لم نصل بعد إلى المعدل العالمى (43 نقطة) أو المعدل الشرق أوسطى (3 نقطة) وحتى على المستوى العربى يسبقنا فى الترتيب (9) دول عربية. ولا شك أننا جميعا فى مصر نرغب فى القضاء على الفساد.. ولكن الرغبة وحدها لا تكفى.. ولابد من توافر القدرة والإرادة والإصرار، وليس من الإنصاف أن نلقى باللوم الكامل على الدولة والحكومة لأننا جميعا مسئولون بدرجة أو بأخرى.. لذا علينا جميعا التكاتف والتعاون للقضاء عليه. والتغلب على الفساد ليس أمرا مستحيلا أو صعب المنال.. وسوف أدلل على ذلك بدولة الدنمارك التى تحتل المركز الأول عالميا فى الشفافية وحصلت على (29) نقطة.. حيث طبقت بصرامة حزمة اجراءات من أهمها الحزم الكامل فى تطبيق القانون على الجميع وعلى قدم المساواة، والدعم الكامل لمنظمات المجتمع المدنى والتواصل الفعال معها والسماح بتداول المعلومات حتى تكون شريكا حقيقيا مع الدولة فى فرض الرقابة، كما قامت بتحديد قواعد شفافية حاكمة لسلوك جميع موظفى الدولة ومتابعة الالتزام فيها.. كما قامت فى نوفمبر 2014 باتخاذ اجراء فى غاية الأهمية ويعد مثالا يحتذى به يمكن لأى دولة أن تطبقه إذا ما كانت صادقة فى القضاء على الفساد ويتمثل فى إنشاء سجل عام يحتوى على معلومات عن الملاك الحقيقيين لجميع الشركات المسجلة فى الدنمارك.. الأمر الذى يمنع الفاسدين من الاختباء وراء الشركات المسجلة تحت أسماء أشخاص آخرين. وإنطلاقا من قناعتى الشخصية بسهولة الأمر أقدم عددا من المقترحات الأخرى من أهمها وضع قانون لحماية المبلغين والشهود والمجنى عليهم والخبراء، وإعادة النظر فى القوانين ذات الصلة بالجهات الرقابية الرئيسية فى الدولة بما يفعل استقلالها ويمنع تبعية أى منها للسلطة التنفيذية وعدم إحالة التقارير لها لأنه من غير المتصور أن نمون خصما وحكما فى آن واحد لاسيما إذا كان التقرير يشمل كبار المسئولين.. وأن تكون للجهات الرقابية سلطة الإحالة إلى النائب العام مباشرة. كما يتطلب الأمر سرعة إصدار قانون بشأن حرية تداول المعلومات بما يعزز الشفافية، ودون إخلال باعتبارات الأمن القومى، مما يغلق الأبواب على كل خفافيش الظلام الذين يستغلون مناخ السرية لارتكاب جرائمهم. ويطرح الأمر كذلك سرعة تعديل قانون المناقصات والمزايدات، وتخصيص دوائر قضائية لجرائم الفساد لسرعة الفصل فيها تحقيقا للردع الخاص والعام وسرعة تطوير منظومة الجهاز الإدارى بالدولة ويمكن البدء بميكنة إقرارات الذمة المالية، وتحقيق العدالة الضريبية للحد من التهرب الضريبى. ومن المقترحات المهمة أيضا المبادرة بإنشاء أكاديمية وطنية لتدريب مسئولى الحكومة على استراتيجيات مكافحة الفساد.. أسوة باأكاديمية الدولية التى تم تأسيسها فى فيينا بالنمسا عام 2008 بموجب اتفاق بين الانتربول ومكتب الأممالمتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة. وتتطلب مكافحة الفساد التعاون الوثيق بين أطراف ثلاث رئيسية وهى الدولة بكل أجهزتها، ومنظمات المجتمع المدنى والمواطنين.. وكذا الإعلام الذى له دور فى غاية الأهمية فى محاربة الفساد من خلال نشر الوعى الأخلاقى بين المواطنين للتعاون مع الجهات الرقابية وتسليط الضوء على مشكلات الجهاز الحكومى وأهمية تحقيق الاصلاح الإدارى. ويتطلب أداء هذا الدور عدم المحاباة أو الخوف وإيمان الإعلامى برسالته وأن يعلى مصلحة الوطن العليا، والحرص على المصداقية والمتابعة الأمر الذى يطرح أهمية التواصل الدائم بين الدولة ووسائل الإعلام بهدف رصد وكشف قضايا الفساد بصورة مهنية راقية متوازنة. فى الختام أؤكد أن الأمر ليس مستحيلا أو صعبا.. بل سنكتشف سهولة إذا كان لدينا القدرة على وضع هذه المقترحات وغيرها موضع التنفيذ الفعلى فهل آن الأوان أن نبدأ؟ لمزيد من مقالات احمد جاد منصور