أصبحت ظاهرة أطفال بلا مأوى فى مصر من أخطر الظواهر التى تسبب خطورة جسيمة على المجتمع والمواطنين .. وتهدد الأمن القومى للبلاد .. مما يؤدى إلى ضرورة مواجهتها بحلول موضوعية وبأقصى سرعة ممكنة. ويقصد بالأطفال بلا مأوى .. الأطفال المطرودين من أسرهم بسبب انحرافهم أو عدم القدرة على الانفاق عليهم .. وكذا المدفوعون من أسرهم للخروج للشارع للعمل فى أى مهنة هامشية للانفاق على الأسرة .. إضافة إلى الأطفال الهاربين من أسرهم بسبب التفكك الأسرى والعنف الذى يمارس ضدهم .. والأطفال اللقطاء والمعثور عليهم. وظاهرة أطفال بلا مأوى ظاهرة عالمية تتركز فى الدول النامية فى إفريقيا وآسيا ودول أمريكا اللاتينية وأوروبا الشرقيةوأمريكا .. وبصفة خاصة فى المدن الحضرية فى الدول غير المستقرة اقتصاديا.ورغم أنه من الصعوبة بمكان تحديد أعداد هذه الظاهرة فى أى دولة .. إلا أن منظمة اليونيسيف قدرت أعدادهم على مستوى العالم بنحو (100) مليون طفل .. منهم (12) مليونا بالدول العربية .. ويوجد بمصر من بينهم حوالى (2) مليون طفل بالا مأوى .. إلا أن المجلس القومى للأمومة والطفولة ووزارة التضامن الاجتماعى قدرت أعدادهم بعشرات الآلا ف فقط .. ويرجع هذا الفارق الكبير فى التقدير إلى الاختلاف فى تحديد الفئات التى يشملها الأطفال بلا مأوي. ويتركز الأطفال بلا مأوى فى مصر فى عدد من المحافظات الحضرية من أهمها القاهرة والجيزة والإسكندرية وبورسعيد والدقهلية.ونظرا لأن هذه الظاهرة موجودة فى مصر منذ عشرات السنين فمن الطبيعى أن نجد أن عددا كبيرا من هؤلاء الأطفال أصبحوا رجالا ونساء وشبابا يافعا .. ويبلغ عدد الذكور منهم حوالى 70% والإناث حوالى 30% ويتسم حوالى 60% منهم بالعنف .. ويعانى حوالى 25% منهم من مرض الإيدز .. ويجمع بينهم نسيج اجتماعى متماسك يساعدهم على التكيف والبقاء فى الشارع.وكلنا على علم بأسباب هذه الظاهرة والتى من أهمها الفقر والبطالة والعنف الأسرى والطلاق والتفكك الأسرى والتسرب من التعليم وأصدقاء السوء وتعاطى المخدرات .. وغيرها وأصبح عدد كبير منهم يستخدمون لارتكاب جرائم جنائية خطيرة .. وتنفيذ العديد من العمليات الارهابية. ويسهل استغلالهم لأنهم يحملون مشاعر الكراهية وعدم الانتماء للمجتمع لأن لديهم اليقين أنهم ضحايا الاهمال والفقر .. وأنهم غير مسئولين عن ذلك .. وأصبحوا قنابل موقوتة انفجر بعضها بالفعل .. وأصبح الباقى على وشك الانفجار فى وجه المجتمع. ولا شك أن حل هذه المشكلة يواجهه تحديات كثيرة من أهمها عدم قبول هؤلاء الأطفال لأى حلول .. كما أن العصابات المنظمة التى تستخدمهم ستحارب أى محاولة لاصلاحهم .. اضافة إلى عدم توافر الارادة الحقيقية لدى البعض لمواجهة المشكلة .. وضعف الامكانات المادية .. وغير ذلك من التحديات. وإذا بدأنا التفكير فى حل هذه المشكلة علينا أن نضع فى الاعتبار عددا من الأمور المهمة من بينها البعد عن الحلول الأمنية أو القرارات الحكومية والوعظ والتوجيه المباشر أو وضع قيود على حرياتهم ..وضرورة التعاطف الشعبى الصادق معهم وتغيير نظرة المجتمع لهم .. مع ضرورة البدء فى انشاء قواعد بيانات متكاملة لجميع دور الرعاية الموجودة بالبلاد بأعداد وبيانات الأطفال الموجودين بها .. وذلك من خلال وزارة التضامن الاجتماعى صاحبة الاختصاص والإشراف والمتابعة .. حيث يبلغ عدد هذه الدور حوالى (500) دار رعاية و (85) حضانة وعشرات الآلاف من دور الأيتام. وعلينا جميعا أن نتكاتف لحل هذه المشكلة الخطيرة .. وفى مساهمة متواضعة منى أقدم الملامح الرئيسية لمشروع متكامل لإيواء الأطفال بلا مأوى بما يحقق الأمن والتنمية ويسهم فى حل مشكلة البطالة .. يتمثل فى إقامة »مدن دون أسوار« .. فى ظهير المحافظات التى تعانى من تفشى هذه الظاهرة. ولا شك أن لدينا بإذن اللَّه «القدرة والإرادة على حل هذه المشكلة وأن نعمل جميعا تحت شعار» معا من أجل أطفال مصر« .. ويتضمن المقترح عددا من العناصر الرئيسية تبدأ بإقامة مدن بلا أسوار للأطفال بلا مأوى .. ويمكن أن نبدأ بمدينة واحدة فى الظهير الصحراوى لمدينة 6 اكتوبر.. ويتم تخصيص قطعة أرض بمساحة مناسبة من الدولة بشرط أن تكون بعيدة نسبيا عن المنطقة المأهولة بالسكان لمنع تسرب الأطفال من المدينة .. ويمكن لنا أن نستفيد من تجارب الدول التى سبقتنا فى حل هذه المشكلة أو اتباع ما سبق وأن قام بتنفيذه محمد على منذ أكثر من مائتى عام .. حيث تمكن من تأهيل حوالى (250) ألف طفل بلا مأوى على أيدى كوادر ماهرة استقدمها من فرنسا واستفاد بهم فى بناء مصر الحديثة.ومن الطبيعى أن تشتمل مبانى المدينة على أماكن للإقامة والعلاج والتعليم والتوعية الدينية والثقافة وممارسة الرياضة .. اضافة إلى مصانع وورش للحرف المختلفة لتأهيل أبنائنا وإعادة ادماجهم فى المجتمع. ومن المهم جدا أن يتم إدارة هذه المدن بأسلوب القطاع الخاص من خلال مجلس أمناء ومجلس وادارة ومجلس تنفيذى يتولى كل الأمور المتعلقة بالمدينة وتحديد الفئات المستهدف ايواءها ورعايتها .. وتعيين أعلى الكفاءات فى كل المهن والتخصصات المطلوبة لأن مهمتهم ستكون شاقة للغاية .. ولذا ينبغى أن يتقاضوا أجورا مجرية للغاية لأنهم سيبذلون جهودا جبارة كل فى مجاله.ولا شك أن أهم نقطة هى تحديد مصادر التمويل وتتمثل فى الدولة ورجال الأعمال ومنظمات المجتمع المدنى واكتتاب المواطنين وتمكين دراسة استرداد جزء من أموال رجال الأعمال من خلال الأرباح التى تحققها الورش والمصانع التى سيتم تشغيلها بالمدينة .. ويمكن بالنسبة للمواطنين طرح سندات بفوائد اسوة بما تم فى مشروع انشاء قناة السويس الجديدة. وانطلاقا من المسئولية المجتمعية التى تقع على عاتقنا جميعا بسبب اهمالنا لهؤلاء الأطفال وعدم رعايتنا لهم .. يتطلب الأمر وجوب التنسيق مع جميع الجهات المعنية بالدولة الرسمية وغير الرسمية ورجال الأعمال الوطنيين ومنظمات المجتمع المدنى والمواطنين الشرفاء .. حتى نصحح ما وقعنا فيه من أخطاء ونحتضن أبناءنا ونرعاهم ونعيد تأهيلهم وترسيخ انتمائهم للوطن وصولا إلى اندماجهم فى المجتمع مواطنين صالحين منتجين مساهمين فى دفع عجلة الانتاج .. بالبلاد. لمزيد من مقالات احمد جاد منصور