الحرس الثوري يكشف تفاصيل الموجة 66 ضد إسرائيل وأمريكا    ياسمينا العبد تشارك في إطلاق مبادرة «ورد الخير» لتدريب 30 ألف امرأة    وزير الصناعة يهنئ الرئيس السيسي بمناسبة عيد الفطر المبارك    اشتعال الجبهة الشمالية.. حزب الله يعلن قصف مستوطنة مرجليوت شمال إسرائيل    مجلس التعاون الخليجي: استهداف إيران منشآت نفطية سعودية عمل إرهابي    أبناء سيناء يحرصون على لبس الأزياء التراثية في الأعياد    تصعيد خطير.. ألمانيا تُدين هجوم إيران على منشآت مدنية بالخليج    محافظ الدقهلية يستقبل المهنئين بعيد الفطر المبارك    سياسة "خُد وهات" في مصر.. إفراجات محدودة يقابلها تدوير واعتقالات جديدة    منتخب مصر يواجه إسبانيا وديا 31 مارس في برشلونة    بولونيا يفوز على روما برباعية مثيرة ويتأهل إلى ربع نهائي الدوري الأوروبي    منتخب مصر للناشئين يواصل استعداداته للتصفيات الأفريقية    بعد الشكوى الفلسطينية.. فيفا يعلن تطبيق 3 عقوبات على الاتحاد الإسرائيلي    الدفاع السعودية: اعتراض مسيرتين بالمنطقة الشرقية    تجهيز 412 ساحة ومحافظ كفر الشيخ يؤدى صلاة العيد فى ساحة الاستاد    محافظ سوهاج يتفقد المتنزهات العامة استعدادًا لاستقبال عيد الفطر المبارك    السهروردي    المفتي: العيد يوم الجائزة وتتويج للانتصار على النفس.. وفرحة الفطر تتجاوز الطعام والشراب    هيئة الدواء: استمرار العمل بالمنافذ الجمركية خلال عيد الفطر لتسريع الإفراج عن الأدوية    محافظ سوهاج يلتقى أصحاب مستودعات البوتاجاز لبحث آليات التوزيع    الذكاء الاصطناعى تريند العيد.. إزاى تعمل رسالة تهنئة عيد الفطر 2026 بالAI    19 سيارة إسعاف لتغطية المساجد والساحات بشمال سيناء    ضبط سائق تعدى على شخص بالضرب بالقاهرة    المصري يؤدي مرانه بالملعب الفرعي لإستاد نيلسون مانديلا بالجزائر (صور)    قرار مثير للجدل.. نادي النصر بطامية يمنع دخول الشباب خلال عيد الفطر    بولونيا يفاجئ روما في الأشواط الإضافية ويتأهل لربع نهائي الدوري الأوروبي    انفجار وتحطم واجهة مول تجاري في مدينة دمياط الجديدة.. صور    رئيس مركز الداخلة يهنئ المرضى بمستشفى الداخلة والأطقم الطبية بعيد الفطر    عصام كامل يروي مشواره الصحفي على مدار 37 عاما: الصحافة مهنة ضغوطات، نخوض معركة رقمية مع منصات السوشيال، وهذه قصة فيتو ودور ساويرس في تأسيسها    صندوق النقد الدولى: مرونة سعر الصرف مكنت مصر من الحفاظ على الاحتياطيات الأجنبية    الإمارات تُفكك خلية إرهابية مرتبطة بحزب الله وإيران وتهدد الاستقرار المالى    عاجل | "طوفان بالستي": إيران تشن الهجمة الخامسة خلال ساعة واحدة وتخترق الأجواء فوق القدس المحتلة وحيفا    ستائر بالونات وعيدية وألعاب، مساجد الإسماعيلية تجهز مفاجآت للأطفال عقب صلاة العيد (صور)    فيديو إباحى مفبرك.. الداخلية تصفع الإخوان وتكشف حقيقة "الضابط المزيف"    برلماني: جولة الرئيس السيسي الخليجية تعزز التضامن العربي وتؤكد ثوابت مصر في دعم الأشقاء    التلفزيون الإيراني: إطلاق الموجة الرابعة من الصواريخ على إسرائيل خلال ساعة واحدة    البحث عن الممثل الأفضل في دراما المتحدة مهمة معقدة    ياسمين الفردان تكتب.. د. منى الحضيف والبوكر العربية: عندما يصبح الحديث عبر الهاتف تجربة ساحرة    نهاية سعيدة في مسلسل أب ولكن الحلقة الأخيرة    الدفاع السعودية: اعتراض وتدمير مسيّرتين في المنطقة الشرقية    هل تُجزئ صلاة العيد عن «الجمعة» إذا اجتمعتا في يوم واحد؟    الأهلي يعلن استدعاء ديانج وكامويش لمنتخبي مالي وكاب فيردي    أستون فيلا وريال بيتيس يتأهلان لربع نهائي الدوري الأوروبي    بسبب خلل في الجودة، وقف تداول دواء مثبط للمناعة بالسوق المصري    تفاصيل مناقصة المليار جنيه في التربية والتعليم    تراجع أسعار الذهب إلى 4600 دولار للأونصة بالأسواق العالمية    الوطنية للإعلام توجه الشكر لوزارة الاتصالات علي جهودها الكبيرة في انشاء موقع وتطبيق إذاعة القرآن الكريم    بين الكوميديا والأحداث الحقيقية| أفلام العيد تشعل المنافسة    الرئيس السيسي يهنئ الشعب المصري والأمتين العربية والإسلامية بعيد الفطر المبارك    طريقة تحضير بسكويت العيد في المنزل زي المحلات    26 مارس أولى جلسات استئناف محام على حكم حبسه في سب وزيرة الثقافة    الإفتاء تعلن غدًا الجمعة هو أول أيام عيد الفطر    عمل متميز..عمرو الليثي يشيد ب"حكاية نرجس"    «الصحة» تكشف مواعيد عمل الوحدات ومكاتب الصحة خلال إجازة عيد الفطر    انتصار رمضان تفوز بلقب الأم المثالية على مستوى محافظة قنا    حافظ الشاعر يواصل كتابة سلسلة مقالاته «رمضان..حين يعود القلب إلى الحياة»..المقال(الأخير)..الليلة الأخيرة من رمضان.. حين تكتب الخواتيم ..ها نحن نقف على عتبة الوداع    بعد المغرب.. مفتى الجمهورية يعلن موعد أول أيام عيد الفطر المبارك 2026    دعاء يهز القلوب.. فجر 29 رمضان من مسجد الصفا بكفر الشيخ (لايف)    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الدستور بالإجماع

قلنا ولسنا أول القائلين ولن نكون آخرهم إن الدستور هو القانون الأساسي الذي يجب أن يمثل المصريين بكل فئاتهم وطبقاتهم وعقائدهم وأن ينال إجماعهم‏.‏ بحيث يري كل مصري نفسه فيه‏.‏ لا يكفي في الدستور أن تصدره أغلبية. لأن الدستور هو التعاقد الأول الذي يشهد فيه المصريون علي أنفسهم بأنهم أمة واحدة, ولا جدال في أن هذه الشهادة يجب أن تكون بالاجماع إذ لا ينتظر من أحد المصريين أن يقول: لا! أنا لست مصريا! فإذا كنا مجمعين علي أننا جميعا مصريون وأن وجودنا المشترك في مصر وانتماءنا لها هو الرابطة الأولي التي تجمع بيننا وتسبق ماتلاها من الروابط والانتماءات التي تميز بعضنا عن بعض, فيجب أن يكون الاتفاق علي الدستور بالاجماع. فليس الدستور إلا تشخيصا لهذه الرابطة الثابتة الجامعة, وبيانا لما يترتب عليها من حقوق وواجبات.
غير أن هذا الشعور بالانتماء الوطني لا يخلو من غموض واختلاط. وذلك حين يقف بعضنا أو كثيرون منا محتارين مترددين بين الانتماءات المختلفة.
نحن مصريون ننتمي لمصر, وكل منا ينتمي لعقيدة دينية, ولثقافة تختلف قليلا أو كثيرا عن ثقافة غيره من المصريين, ولطبقة اجتماعية, واقليم, وأسرة وهي دوائر متعددة يدخل بعضها في بعض ويتسع بعضها لبعض فلا تتضارب ولا تتناقض إلا عند من يحلون انتماء محل انتماء آخر, ويستبدلون الطائفة بالأمة, ويضعون الخاص فوق العام. كما هو حادث عند هؤلاء الذين يفاضلون بين الوطن والدين, ويعتقدون أن انتماءهم للإسلام أو للمسيحية سابق علي أنهم مصريون.
ونحن نعرف أن الرابطة التي تجمع بين أفراد المجتمع لم تكن دائما علي حال واحدة, وإنما ظلت تتطور من عصر إلي عصر وتخرج من حال إلي حال.
في البداية لم يكن الإنسان ينتسب إلا لمن تجمعه بهم رابطة الدم, فأهله هم وطنه, وعشيرته أمته, والآخرون أغراب وأحيانا أعداء. ثم ارتقي المجتمع الإنساني حين عرف الديانات والثقافات الكبري التي خاطبت البشر باعتبارهم جنسا واحدا فحلت العقيدة محل الدم. ثم اتسعت الرابطة بالحياة المشتركة والمصالح الحيوية والمطالب التي جمعت الناس علي اختلاف طبقاتهم وعقائدهم في وطن واحد يحفظ لكل من يعيش علي أرضه حقه في الحياة والأمن والحرية. وهذا هو الوضع الذي انتهت إليه معظم المجتمعات في العصور الحديثة.
ومع أن المصريين بالذات عرفوا الانتماء للوطن منذ آلاف السنين لأنهم عرفوا الاستقرار والدولة المركزية وعرفوا الدين والقانون منذ وقت مبكر فبعض المصريين أو كثير منهم لايزالون يخلطون بين الانتماءات المختلفة ويقدمون الانتماء للدين علي الانتماء للوطن كما يحدث كثيرا حين يتحدث بعضهم عن الأمة الإسلامية أو عن الشعب القبطي فيخلطون بين الأمة والملة ويعجزون عن التمييز بين الدين والوطن. وقد رأينا في افتتاح مجلس الشعب نوابا يتحرجون وهم يؤدون القسم للدستور فيشترطون ألا يكون فيه ما يخالف الشريعة, مع أن الشريعة شريعة والدستور دستور, ولا يصح الخلط بينهما علي نحو ما فعل هؤلاء النواب الجدد, وما فعل النائب المؤذن وسواه ممن انتخبهم الشعب فخلطوا بين البرلمان والجامع وتصرفوا كأنهم يمثلون خليفة بغداد أو السلطان التركي ولا يمثلون الأمة المصرية.
هذا الخلط بين الدستور والشريعة لا يقع فيه هؤلاء النواب وحدهم, وإنما يقع فيه الكثيرون الذين يعالجون قضايا الديمقراطية والدستور والمواطنة بعقلية العصور الوسطي وثقافتها ولغتها. فالديمقراطية عندهم هي الشوري, والقرآن هو الدستور كما يقول الإخوان المسلمون. والمواطنة لا تفرض المساواة. والأغلبية الدينية هي الأغلبية السياسية. وهذا كله خلط نقع فيه لأننا نجهل أن الديمقراطية ليست مجرد تصويت وإنما هي ثقافة ومثل عليا وضمير وأن الدستور ليس مجرد نصوص مكتوبة وإنما هو ثمرة خبرات طويلة وتجارب قاسية وتضحيات قدمتها البشرية طوال العصور الماضية لتحصل في النهاية علي حقوقها.
الديمقراطية ليست هي الشوري وإنما هي أن يتحرر الشعب من الطغيان ويحكم نفسه بنفسه. أما الشوري فلا تفرض علي الحاكم الفرد إلا أن يستمع لرأي من حوله وله ألا يلتزم به. والشوري إذن لا تطمع إلا في أن تجمل وجه الطغيان!.
والقرآن بالطبع ليس الدستور. القرآن كتاب الله جل وعلا. والدستور كتابنا. والقرآن ينظم علاقة المسلم بربه أما الدستور فينظم علاقة المواطنين بعضهم ببعض. والمواطنون ديانات مختلفة ومصالح متباينة فلابد من قانون جامع يسوي بينهم ولا يميز مواطنا عن مواطن ويرجع إليه الجميع. وهذا هو الدستور الذي لا يصح بأي حال أن تكون مرجعيته دينية لأن المرجعية الدينية خاصة لا عامة, ولأنها تحرم الأمة من التشريع لنفسها وتنقل التشريع من البرلمان الي دار الافتاء. وهذا يتناقض مع المبدأ الدستوري الذي يجعل الأمة مصدرا لكل السلطات.
وإذا كانت المرجعية الدينية تحرم الأمة كلها من التشريع لنفسها فالحرمان الذي يشعر به من لا يعتنقون دين الدولة حرمان مضاعف لأنهم لايشاركون في التشريع ثم يخضعون بعد ذلك لقوانين مستمدة من شرائع غير شرائعهم.
وبما أن الدين سيكون هو المرجعية فقد اصبحت النتيجة معروفة سلفا ولم يعد أمامنا أي مجال للاجتهاد أو الاحتكام للتصويت لأن الاصوات لن تحسب علي اساس سياسي ولن تختلف النتائج باختلاف القضايا المطروحة وإنما ستحسب علي أساس ديني وهو أساس جامد لايتحرك, فالأغلبية الدينية معروفة والاقلية الدينية معروفة والقرار للاغلبية. وما علي الاقلية إلا الخضوع الذي لن يفرض علي الاقلية وحدها بل سيفرض في الحقيقة علي الجميع الاقلية والأكثرية لأن المرجعية الدينية سوف تترجم إلي حكومة دينية لن نكون في ظلها مواطنين أحرارا نقبل ونرفض ونمنحها الثقة ونسحبها بل سنكون رعايا ممتثلين نأتمر بأمر الحاكم الذي يمثل السماء وننتهي بنهيه وإلا فالمعارض آبق زنديق!.
باختصار المرجعية الدينية لا مكان لها في دستور تضعه الجماعة الوطنية لنفسها. لأن دستور الجماعة الوطنية ينظم حياتها المشتركة في الدنيا, بينما ينظم الدين علاقة كل منا بربه, فإن أقحمنا الدين في الدستور خرجنا من الديمقراطية إلي الطغيان, وهذا ما تعلمه الأوروبيون من تاريخهم الذي سبقونا فيه فعرفوا قبل أن نعرف أن الدين لله والوطن للجميع. ان هدف الدولة كما يقول جون لوك هو حياتنا علي الأرض. أما الدين فهدفه حياتنا في السماء. ونحن نولد فنكون ملكا للوطن ثم يختار كل منا ديانته كما يشاء. وانتماؤنا للوطن إذن يسبق انتماءاتنا الدينية. ولما كان المجتمع المدني يقوم علي رعاية مصالحنا في الدنيا فليس من حق الدولة أن تقحم العقيدة الدينية في التشريع.
هذه الثقافة السياسية تنقصنا وهذا أمر طبيعي لأننا عشنا تاريخنا كله في طغيان متواصل استخدم القوة واستخدم الدين. ثم لم نكد نتحرر منه بعض الشيء في العقود الثلاثة التي أعقبت حصولنا علي الاستقلال بعد ثورة 1919 حتي جاءت حركة يوليو لتعيدنا إلي الطغيان من جديد, وتنسينا القليل الذي تعلمناه قبلها من ثقافة الديمقراطية. فنحن الآن لا نميز بين الديمقراطية والشوري, ولا بين القرآن والدستور, ولا بين تمثيل الشعب المصري وتمثيل خلفاء بني العباس!
المزيد من مقالات أحمد عبد المعطي حجازي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.