معروف عن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنها شخصية قيادية محنكة لا تلعب المشاعر أو العواطف دورا ما فى قراراتها، فهى تتصف بالبراجماتية الشديدة وبالتالى فهى تغير من سياستها دون أى مشكلة، وتتراجع عن قرارات سابقة مادام هناك معطيات جديدة تفرض ذلك وتحقق مصلحة بلادها. وقد وصفتها وثائق ويكيليكس تهكما "بميركل تفلون" وهى المادة العازلة التى تستخدم فى أوانى الطهو " التيفال" لأنها لا تتأثر بالهجوم والنقد الشخصى ولا يهمها أن تنتقد بسبب تغيير موقفها، فهى لا يلتصق بها شىء تماما كالتيفال! توضيح هذه الصفة فى المستشارة الألمانية يبدو مهما لفهم تبدل موقفها الآن من القيادة المصرية الجديدة، بل وسعيها للقاء الرئيس السيسى على هامش اجتماعات دافوس، وكان الرئيس الوحيد الذى اجتمعت معه ميركل خلال زيارتها القصيرة للمنتدى الاقتصادى العالمى، التى استغرقت أربع ساعات فقط.المستشارة الألمانية لديها هاجس أمنى كبير منذ فترة، وقد تضخم الآن بعد اعتدءات باريس التى وصفها وزير خارجيتها شتاينماير "بالحدث الجلل الذى غير أوروبا بالكامل". وترى ميركل ومعها عدد كبير من السياسيين والمسئولين الأمنيين أن هجوما إرهابيا ينفذه متطرفون إسلاميون أو جهاديون عائدون من سورياوالعراق فوق الأراض الألمانية هو مسألة وقت فقط! خاصة أن ألمانيا تكثف من دعمها العسكرى بالسلاح والتدريب لمقاتلى البشمركة فى مواجهة داعش. كما أن ظاهرة الجهاديين الألمان الذين يسافرون لسورياوالعراق لا تنحسر بل يزداد عدد المنضمين لداعش من الشباب المسلم ألمانى الجنسية. وليس سرا أن "داعش" دعا لاعتدءات فى ألمانيا وأهدر دم ميركل نفسها! وقد تعهدت المستشارة أمام البرلمان منذ أيام بمواصلة دعم الأكراد فى شمال العراق، ومواجهة إرهاب هذا التنظيم فى كل مكان، كما شددت الحكومة الألمانية قوانين مكافحة الإرهاب، واتخذت عدة قرارات أبرزها سحب البطاقات الشخصية من الشباب المتطرف المعروف لديها لمنعه من السفر إلى سوريا أو العراق عن طريق دول الجوار التى يمكن السفر إليها بالبطاقة فقط دون جواز السفر مثل تركيا ومصر أيضا. وقررت أيضا زيادة الدعم المالى لأجهزة الأمن والمخابرات ومواجهة تهريب السلاح وعمليات تمويل داعش من خلال جمع التبرعات أو التحويلات من ألمانيا. غير أن أهم ما تعول عليه ميركل هو التعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات فى الدول الشريكة فى هذه الحرب ضد إرهاب داعش، وفى مقدمتها دول عربية مثل مصر والجزائر ودول الخليج العربى. وقد حرصت ميركل خلال بيانها أمام البرلمان الألمانى منذ أيام على تأكيد أن هذا التعاون الأمنى لابد أن يسعى لتحقيق التوازن بين الحرية والأمن، ولكنها شددت على أنه لا بديل عن التوسع فيه وتكثيفه. إزاء التهديدات الجديدة لأوروبا وألمانيا غيرت ميركل من لهجتها بشكل واضح فى حديثها عن الإسلام والمسلمين. فى كلمتها فى دافوس وصفت إرهاب داعش بالتحدى الكبير الذى يواجهه العالم حاليا، لأنه لا يتوقف على أبواب أوروبا وأمريكا، بل يهدد الجميع بمن فيهم المسلمون. وأمام البرلمان الألمانى وصفت ميركل الإرهاب بأنه ظاهرة عالمية لم تبدأ فقط مع اعتدءات 11 سبتمبر، مذكرة أيضا بالإرهاب النازى الذى أباد اليهود، والإرهاب الأمريكى الذى اغتال مارتن لوثر كينج، وإرهاب منظمة الجيش الأحمر فى ألمانيا، وأخيرا إرهاب الخلية النازية التى اغتالت المواطنين الأتراك على مدى سنوات فى ألمانيا. وأعلنت ميركل بشكل غير مسبوق عن دفاعها عن الجالية المسلمة فى بلادها أمام أى محاولات لوصفها بالإرهاب وإقصاء اعضائها. وكررت قول الرئيس الألمانى السابق كرستيان فولف "الإسلام جزء من ألمانيا" رغم ما أثارته هذ العبارة من حملة انتقادات عليها من داخل معسكرها المسيحى المحافظ، بل وأدانت المستشارة الاعتدءات على المساجد فى بلادها بعد فترة صمت طويلة إزاء هذا الموضوع.
ويكمن سر هذا التحول فى خطاب ميركل فى الإستراتيجية الشاملة التى تريد وضعها لمواجهة خطر إرهاب الجهاديين المتطرفين. فقد أدركت أنها لا تستطيع أن تكتفى بالتعاون الأمنى مع حلفائها فى أوروبا وواشنطن، بل تحتاج أيضا إلى دعم المسلمين والعرب، أولا على الصعيد الداخلى من أبناء الجاليات التى تعيش فى ألمانيا وأوروبا، لذلك سعت لطمأنة هذه الجاليات واحتوائها بخطابها الجديد وبمشاركتها غير المسبوقة أيضا فى تظاهرة المسلمين أمام بوابة براندنبورج التاريخية فى برلين. وثانيا على الصعيد الخارجى من خلال التعاون مع دولة مثل مصر التى تخوض أيضا حربا شرسة ضد نفس الإرهاب، كما أنها تحتضن الأزهر الشريف الذى ترى ميركل أنه يمكن أن يلعب دورا رائدا فى مواجهة الفكر المتطرف، تماما كما قال الرئيس المصرى فى كلمته أثناء الاحتفال بالمولد النبوى الشريف. وقد جاءت كلمة السيسى التى دعا فيها الأزهر لتجديد الخطاب الدينى، وبذل جهد أكبر لتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام، فى الوقت المناسب تماما والتقطت المستشارة الخيط، وهى تلقى بيانها أمام البرلمان الألمانى قبل أيام، فوجهت نداء لرجال الدين وعلماء المسلمين تطالبهم فيه بالرد على أسئلة المواطنين العاديين فى ألمانيا الذين لا يفهمون لماذا يحتقر الإرهابيون الحياة البشرية ويبررون جرائهم بعقيدتهم الإسلامية؟ ولماذا يقول المسلمون دائما بعد كل اعتداء إن هؤلاء الإرهابيين لا علاقة لهم بالإسلام، فى حين ترتكب الجرائم باسم هذا الدين؟.. هذه الاسئلة لابد من رد عاجل عليها من قبل علماء الدين، ولا يمكن تجاهلها أكثر من ذلك كما تقول المستشارة.
أما على صعيد تكثيف التعاون الأمنى مع مصر والجزائر وتركيا ودول الخليج وغيرها من دول الترانزيت والمواجهة مع الإرهاب، فقد أكدت ميركل أن الزعماء الأوروبيين سيضعون استراتيجية هذا التعاون خلال قمتهم المقبلة فى شهر فبراير بناء على ما اتخذه وزراء داخلية الاتحاد فى اجتماعهم الأخير والذى كان من بين قراراته إرسال خبراء أمنيين أوروبيين إلى البعثات الأوروبية فى هذه الدول وزيادة تبادل المعلومات بين أجهزتها الأمنية حول المتطرفين والجهاديين المسافرين والعائدين، وتجفيف منابع تمويل الإرهاب والتصدى لاستثمارات داعش فى النفط وتحسين العلاقات مع الجاليات العربية والمسلمة فى أوروبا والحوار معها.
إذن يعتبر ملف التعاون فى مواجهة الإرهاب أبرز الملفات التى دفعت المستشارة لإذابة الجليد مع القاهرة، بعد أن كانت برلين قد انتقدت التطورات فى مصر بعد ثورة 30 يونيو. وقد فسر الموقف الألمانى فى مصر وقتها بأنه داعم للإخوان المسلمين، فى حين أكد المراقبون هنا أن موقف برلين ينبع من موقف ألمانى مبدئى يرفض تدخل المؤسسة العسكرية فى السياسة. ولهذا السبب حرصت المستشارة ميركل فى اتصالها التليفونى الأول بالرئيس السيسى فى سبتمبر الماضى - وكان موضوع التباحث أيضا الحرب على الإرهاب وجهود الولاياتالمتحدة وقتها لتشكيل تحالف دولى لمواجهة داعش- حرصت على دعوة الرئيس المصرى لزيارة برلين بعد الانتخابات البرلمانية فى مصر وليس قبلها، تأكيدا منها على ضرورة استكمال مصر خريطة الطريق الديمقراطية. ولكن ميركل رأت كيف أن العواصم الأوروبية، باريس وروما، تفتح أبوابها لاستقبال السيسى، كما رأت أن الحاجة ملحة للتعاون مع مصر فى مجال مكافحة الإرهاب، كما رأت أن خطاب الرئيس أمام الأزهر يتفق تماما مع ما تطالب به من تجديد للخطاب الدينى، كما رأت أن الانتخابات البرلمانية تم الإعلان عن موعدها فى شهر مارس المقبل، ومن قبلها مؤتمر اقتصادى ضخم يساهم فى النهوض بالاقتصاد المصرى، فكان طلبها لقاء السيسى فى دافوس، وتجديد دعوتها له لزيارة ألمانيا، وتصريحاتها المتفائلة بشأن مستقبل مصر، وإشادتها بخطابه أمام الأزهر، وتأكيدها ضرورة توحيد جهود مكافحة الإرهاب، وان استقرار مصر مفتاح استقرار المنطقة بأكملها.