رئيس جامعة المنوفية يتابع خطط التطوير ويكرم الأمين العام المساعد لبلوغه سن المعاش    وزير الزراعة: انخفاض أسعار الدواجن خلال الأيام المقبلة    بعد الهجوم على فنزويلا.. هل يوجه ترامب أنظاره نحو إيران؟    منتخب مصر يواصل تدريباته في تغازوت استعدادًا لمواجهة كوت ديفوار    أمطار غزيرة والحرارة تخفض ل 1| نوة الفيضة الكبرى تضرب الإسكندرية: صور    حزن في كفر الشيخ بعد وفاة شابين من قرية واحدة إثر حادث سير    مصرع شخص في حادث مروري بقنا    خالد سليم وهاني عادل وحمزة العيلي وانتصار وسهر الصايغ على قنوات المتحدة في رمضان 2026 | شاهد    خبير اجتماعي: الزواج في العصر الحديث أصبح أشبه ب«جمعية استهلاكية»    نصائح لتناول الأكل بوعي وذكاء دون زيادة في الوزن    محافظ الدقهلية يستقبل ويكرم فريق عمل ملف انضمام المنصورة لشبكة اليونسكو | صور    غضب عارم في فرنسا.. دعوات لعزل ماكرون بعد حديثه عن إرسال قوات إلى أوكرانيا    صحة الإسكندرية تغلق 10 مراكز غير مرخصة لعلاج الإدمان | صور    "مدبولي" يُشيد بجهود منظومة الشكاوى.. ويُوجه بمواصلة تلقي بلاغات المواطنين    دراما ركلات الترجيح.. باريس يتوج بكأس السوبر الفرنسي على حساب مارسيليا    ريهام حجاج تواصل تصوير مسلسلها «توابع» تمهيدا لعرضه في رمضان    الفنان منير مكرم يحتفل بزفاف ابنته.. صور    دمشق تستضيف الملتقى الاقتصادي السوري- المصري المشترك الأحد المقبل    «النقل» تنفي وجود أي حساب للفريق كامل الوزير على فيسبوك    ضمن مبادرة «صحح مفاهيمك».. «أوقاف كفر الشيخ» تطلق البرنامج التثقيفي للطفل لبناء جيل واعٍ | صور    شاهدها الآن ⚽ ⛹️ (0-0) بث مباشر الآن مباراة أرسنال ضد ليفربول في الدوري الإنجليزي2026    نجم وادى دجلة علي ابو العنين يتأهل إلى نصف نهائي بطولة ريتش فينوس كراتشي المفتوحة 2026    الحلقة 24 من «ميد تيرم».. دنيا وائل تقدم جانب إنساني عميق صدقًا وتأثيرًا    ما هي الساعة التي لا يرد فيها الدعاء يوم الجمعة؟..هكذا كان يقضي النبي "عيد الأسبوع"    حريق 3 مخازن للخشب بالمنوفية    المبعوث الأممي باليمن: الحوار الجنوبي المرتقب فرصة مهمة لخفض التوترات    آخر تطورات سعر الدينار البحريني أمام الجنيه في البنوك    يحيي خالد أفضل لاعب في صفوف منتخب اليد أمام البرتغال بدورة إسبانيا    بين الشائعات والواقع.. كواليس اجتماع مجلس إدارة الزمالك    الذكاء الاصطناعى الدستورى- عندما يسبق الأمان التطوير.. نموذج أنثروبيك    خالد الجندي يحذر من الزواج من شخص عصبي: هذه صفة يكرهها الله    هل من لم يستطع الذهاب للعمرة بسبب ضيق الرزق يُكتب له أجرها؟.. أمين الفتوى يجيب    مياه الجيزة: قطع المياه عن بعض المناطق لمدة 8 ساعات    الصحة تعلن تحقيق الخط الساخن 105 استجابة كاملة ل41 ألف اتصال خلال 2025 وتوسعًا في خدمات التواصل الصحي    الصحة تتابع الاستعدادات الطبية لمهرجان سباق الهجن بشمال سيناء    غدًا.. إعلان نتائج 49 مقعدًا ب27 دائرة    الأغذية العالمي: 45% من سكان السودان يواجهون الجوع الحاد    مسؤول سابق بوكالة الاستخبارات الأمريكية: الأزمة الإنسانية في السودان بلغت مرحلة مؤسفة للغاية    الأكاديمية العسكرية تفتح باب التسجيل فى برامج الدراسات العليا للتخصصات الطبية    انطلاق حفل توزيع جوائز ساويرس الثقافية بالجامعة الأمريكية    فيلم السادة الأفضل يحقق 78 مليون جنيه منذ عرضه    محافظ الجيزة يبحث آليات تنفيذ المرحلة الأولى من تطوير طريق «المنيب - العياط»    بث مباشر.. قمة نارية بين أرسنال وليفربول في الدوري الإنجليزي.. الموعد والقناة الناقلة وموقف الفريقين    بعد سحب عبوات حليب الأطفال من مصر وعدة دول.. ماذا يحدث مع شركة نستله العالمية؟    سانتفيت مدرب مالي: تنتظرنا معركة شرسة أمام أقوى فرق ربع نهائي أمم أفريقيا    وكيل صحة أسيوط يعقد اجتماعا لبحث احتياجات عيادات تنظيم الأسرة من المستلزمات الطبية    العراق يعرب عن قلقه من التطورات الأخيرة في حلب    تخصيص قطعتي أرض لتوفيق أوضاع عمارات إسكان اجتماعي بمحافظة جنوب سيناء    لجنة انتخابات الوفد تستقبل طلبات الترشح لرئاسة الحزب لليوم الأخير    خبر في الجول - المصري يتمم اتفاقه بتجديد عقد محمود حمدي    "تغيّر المناخ" يحذر من شتاء أشد برودة وتقلبات حادة تؤثر على المحاصيل والمواطنين    ضبط شخص بحوزته بندقية آلية لإطلاقه النار احتفالا بفوز مرشح انتخابى فى الدلنجات    «التنمية المحلية» تعلن تشغيل 4 مجازر جديدة لسكان 3 محافظات    اسعار المكرونه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى محال المنيا    أكثر من مليون أسرة في أوكرانيا أصبحت بلا تدفئة ولا مياه    دار الإفتاء تحدد آخر وقت لصلاة العشاء: الاختيار والجواز والضرورة    مواقيت الصلاه اليوم الخميس 8يناير 2026 فى المنيا    رئيس كولومبيا: أطلعت ترامب على جهود مصادرة المخدرات في البلاد    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أكبر عملية احتيال فى التاريخ
العرب مائة عام من الدم والنار و«الجهاد الألمانى»

ذات يوم حلم أحدهم بعالم يسوده السلام، حتى ينام الحمل دون خوف إلى جوار الأسد، فرد عليه آخر بأنه إذا كان مقررا أن "يستلقى الحمل إلى جوار الأسد، فيجب إحلال الحمل بشكل دورى"..هذا ما اكتشفه العرب، منذ الحرب العالمية الأولى التى لاتزال لقمة أكبر من البلعوم لا تمضغ ولا تبلع، مرارة دائمة يتذوقها اللسان، وتخفى دفاترها أسرارا مرعبة؛ مرت عليهم مائة عام من النوم بجوار الأسد الأوروبى، فى بدايتها تمرد بعضهم على استبداد خلافة العثمانيين، وفى نهايتها أعلن آخرون خلافة داعش، وما بين خلافتين وربيعين، تحول العرب من ضحايا إلى مدانين، انتقلوا من التقسيم إلى التفتيت، ومن التفتيت إلى "اللاشيء"، امتزج النفط بالدم والحقيقة بالزيف، خاضوا حروبا كثيرة، بحثا عن التطهر المتبل بالألم، لكن الحرب جحيم زادها الموت، والموت لا يموت..هذه السطور لاتنبش فى الدواخل أو تفتح الجروح، إنما وقفة تحذير من هجمة جديدة تعصف ببلادنا، تفوح منها رائحة بارود وخيانة، تحملها رياح سوداء، تنبعث من تحت ركام الحسابات القديمة، وتمزج الحياة بكل ماهو ضدها.!
تحكى الأساطير الإغريقية أن أحد الآلهة أخبر الإله زيوس بأن زوجته متيس (أثينا)- وكانت حاملا منه- سوف تنجب ولدا أقوى منه، فابتلع زيوس زوجته متيس، ليمنع تحقق النبوءة، ولما فعل أصابه صداع شديد، اضطر معه ابنه هيفايستوس (إله الحدادة) أن يضربه بفأس على رأسه، فشقُه، وخرجت منه أثينا بكامل لباسها تصرخ صرخات الحرب، من ساعتها والحرب وحش كاسر لا يرحم، لايشبع، لا يتوقف، هكذا الحرب العالمية الأولى، واحدة من أعنف الصراعات فى تاريخ الإنسانية، نشبت بين قوى أوروبية، وتوسعت لتشمل بلادا من القارات الخمس، اشترك فيها 60 مليون عسكرى، قتل 10ملايين منهم، بالإضافة إلى 20 مليون جريح و6 ملايين أسير و10 ملايين لاجئ و3 ملايين أرملة و6 ملايين طفل يتيم، كان العرب على هامشها، ثم وجدوا أنفسهم وسط معمعتها، وانتهت كارثة فوق رءوسهم، وإلى اليوم مازالوا يعيشون مرحلة مماثلة، وربما أشد سوءا، يحاولون إطفاء ألسنة اللهب التى خلفتها فلا يستطيعون..فهل انتهت تلك الحرب حقا؟!..
التناحر الاستعمارى
عقب صلح وستفاليا عام 1648م، أخذت الدول الرأسمالية الغربية تتحول إلى "الامبريالية" والحروب، لتعزيز قوتها ورفاهتها ومكانتها عالميا، ونهب المواد الخام وفتح الأسواق ونشر المعتقدات والأفكار، شقت الرغبة الاستعمارية المستعرة فى كل عاصمة أوروبية جداولها بشبق، ثم اتسعت الجداول وفاضت على جوارها، ثم التقت فى صورة أطماع وتناحر استعمارى اجتاح أفريقيا وآسيا والأمريكتين، غير أن الوحوش الكاسرة، وهى تتزاحم بالمناكب على الفريسة- كما وصف جوزيف كونراد فى "قلب الظلام"- وصلت لنقطة الصراع الدموى، فكانت الحرب العالمية عام 1914، حلبة لتقدير أوزان وقوة المتصارعين وتحديد أنصبتهم من الفريسة، وهما بالأساس فريقان، الأول: بريطانيا وفرنسا وروسيا،..(دول الحلفاء)، والثانى: ألمانيا ومملكة النمسا والدولة العثمانية،..(دول المحور). وقتها كان العرب مناطق نفوذ خاضعة للاحتلال البريطانى ( مصر والسودان وعدن،..) أو الفرنسى ( المغرب العربى،..) أوالعثمانى (الجزيرة العربية والشام،..)، وكانت لتركيا السيطرة الإسمية على معظم بلادهم؛ ونتيجة لمحاذاتها خطوط المواجهة التاريخية بين المتنافسين، وهى خطوط متحركة باستمرار إلى الأمام والخلف، دفع العرب ثمنا سياسيا وإنسانيا باهظا، بعدما تحولت بلدانهم ساحات نزال وعراك دام.
يرصد الألمانى فريتز فيشر، فى كتابه "الطموح إلى القوة العظمى" (1961)، أن تركيا، بتحريض من ألمانيا، تبنت استراتيجية"عدو عدوي، صديقي"، فى تلك الحرب، استراتيجية تقوم على التلاعب بالتناقضات الدينية والإثنية والسياسية، لخلق ثورات فى المناطق الخاضعة للقوى المعادية، وفى مقدمتها بريطانيا، لتحريض المسلمين فى مصر والهند على التمرد على الاحتلال البريطاني، وإضعاف موقف الحلفاء.. ومنذ هذه اللحظة، إلى اليوم، صارت الدعوة للجهاد الإسلامى (لعبة سياسية) وسلاحا يوظف لإثارة القلاقل والاضطرابات الداخلية، بعيدا عن حقيقة مفهوم الجهاد فى الإسلام ومقاصده التى حددتها شريعته السمحاء.
فى المقابل لم يكن الانجليز غافلين عما يجرى، إذ استشعروا خطورة مبادرة "الجهاد" الألمانية، فى مستعمراتهم التى تعج بملايين المسلمين، فأشهروا السلاح نفسه وإن بصيغة مختلفة، أى إحداث الاضطرابات فى البلاد العربية الخاضعة للعثمانيين حلفاء الألمان، بالاتفاق مع زعمائها المحليين، مستثمرة ضيق شعوبها ذرعا بالظلم والاستكبار التركى..انطلقت شرارة الثورة على الأتراك العثمانيين، من الحجاز فى (9 شعبان 1334ه - 10 يونيو 1916م)، على يد الشريف حسين أمير مكة، عقب مراسلات متبادلة بينه وبين هنرى مكماهون المندوب السامى البريطانى بالقاهرة، اتفقا فيها على أن تدعم بريطانيا استقلال دولة عربية فى المشرق العربى تضم كل ولايات الجزيرة العربية والشام والعراق.
أطلق الشريف حسين بنفسه أول رصاصة على قلعة الأتراك فى مكة مركز الثورة العربية (أوالربيع العربى الأول)، وأذاع منشورا أعلن فيه الاستقلال، متهما الاتحاديين المتنفذين فى تركيا بالخروج على الشريعة الإسلامية، وفى غضون ثلاثة أشهر سيطر على معظم مدن الحجاز الكبرى، ثم بويع ملكا عليها، وتقدمت قواته شمالا فاحتلت العقبة، واتخذتها نقطة ارتكاز لمحاربة الأتراك شرق الأردن، وبذلك قدم الثوار العرب للحلفاء أكبر مساعدة؛ حيث استطاع اللورد "اللنبي" قائد القوات الإنجليزية أن يدخل القدس (غازيا) بمعاونة العرب، وترددت أسماء ضباط إنجليز وفرنسيين، مثل لورانس العرب صاحب كتاب "أعمدة الحكمة السبعة" وكوكس وكاترو وغورو،..ركل بعضهم قبر الناصر صلاح الدين بدمشق، معلنين انتهاء الحروب الصليبية.
ارتفعت أعلام بريطانيا وفرنسا على المناطق التى قاتل فيها العرب وحرروها بسوريا ولبنان وفلسطين والعراق، ولم يكن بينها علم الدولة العربية المنتظرة، ليكتشف القوم أنهم وقعوا ضحية لأكبر عملية خداع واحتيال فى تاريخ الشعوب، من جانب بريطانيا وفرنسا اللتين ضربتا عرض الحائط بتعهداتهما واتفقتا على تقسيم بلاد العرب غنائم، وفقا لبنود معاهدة سرية بينهما (سايكس- بيكو)، عام 1916، ولما تسربت أخبار المعاهدة فى الصحافة الروسية، بعد الثورة البلشفية عام 1917، ادعى الإنجليز مساندتهم حلم العرب بدولتهم القومية، وهو ما اتضح كذبه بعد نهاية الحرب، ورفض مطالبهم فى مؤتمر السلام (سان ريمو) بايطاليا عام 1920، ليسقط العرب فى هوة التضليل والتوهان والمرارة، بعد أن حلموا طويلا بالاستقلال، كحلم الجوعان بالخبز، إذ لازمهم الفشل فى اختبار القوة والإخفاق فى دهاليز السياسة، خلال سعيهم لرسم خريطة جديدة للمنطقة بدلا من "سايكس- بيكو".
لا مكان للأخلاق .. !
تكشف هذه التفاصيل عن قلة الوعى وسوء التخطيط، لم يدرك العرب أن "الحرب نزاع بين المصالح الكبرى يسويه الدم..وأن السياسة هى الرحم الذى تنمو فيه الحرب"، وفقا لمفكر الاستراتيجية الأبرز الألمانى كلاوزفيتز، فى كتابه "فى الحرب"، لهذا ضربتهم الدهشة، وجرفتهم الآمال الكبرى دون إعداد العدة، إلى أوقات عصيبة.. ماذا يعنى ذلك؟
يعنى أن الغرب الذى تعامل مع العرب بمنطق شيلوك "تاجر البندقية"- فى مسرحية شكسبير الشهيرة- ضحك على ذقونهم بعد أن صدقوه، وهذا عيبهم هم أولاً..لأن أدبيات الحروب فى الغرب تثبت أن حقائق القوة وحدها تفرض نفسها إلى أن تضعف، أما اعتبارات القانون والاخلاق فلا مكان لها، ففى أثناء نقاش حول الأسلحة النووية قال المؤرخ الأمريكى تيودور درابر إنه :"إذا كان من اللازم عض ألسنتنا، قبل النطق بكلمة واحدة فى هذه المناقشة فإن تلك الكلمة هى الأخلاق"، إذن المصالح لا الأخلاق والوعود هى من يحدد بوصلة الغرب، لافرق بين الغاصب التركى والمستعمر الانجليزى أو المحتل الفرنسى.
لم تخفت جذوة المطالبة بحق تقرير المصير والاستقلال فى نفوس الشعوب العربية، وفقا للمبادئ الشهيرة التى أعلنها الرئيس الأمريكى ويلسون آنذاك ، والتى كانت شعارات وهمية رفعها الحلفاء للعزف على أحلام الشعوب. قذف بركان الغضب العربى حممه، فتأججت الثورات فى المشرق والمغرب، بدءا من ثورة 1919 فى مصر، و1920 فى العراق، وفى سوريا، ثم ثورة المختار بليبيا، وغيرها من الثورات التى تفاوتت حدتها، وصولا للثورة الفلسطينية. بعضها حقق نجاحات، تهاوت سريعا كبيوت الرمال، نتيجة داء الاختلاف والفرقة، وعدم حسم مسألة الهوية الوطنية، فتمزقت بلادهم أشلاء وأشتاتا، فى موازاة الطامة الكبرى أى إصدار بريطانيا وعد بلفور المشئوم لقيام وطن قومى لليهود على أرض فلسطين، فى أفدح مأساة إنسانية لشعب فى الوجود، لتخرج فلسطين من دائرة الجمع إلى دائرتى القسمة والطرح.
أخطأ العرب مرة أخرى قراءة أبعاد التفكير الاستراتيجى للمستعمر، فاحترقت أشياء غير قابلة للاحتراق على وهج اللهب الطالع من "سايكس –بيكو"، زرع الغرب فى أرضهم نزاعات تستنزفهم وتجعلهم يدورون دائما فى فلك نفوذه، وكان إنشاء إسرائيل، بعد سلخ وطن بأكمله، هدفا نموذجيا يدفع العرب للبحث عن الحماية عند "الجلاد" الذى يضمن، فى الوقت نفسه، حياة "الجزار" الإسرائيلى..!
حرب البقاء
ما يجعل الحاضر متداخلا مع الماضى، أن الفرز الجيوسياسى لاتفاقية سايكس- بيكو ما زال يتحكم فى توازنات القوى فى الشرق الأوسط، مما أفضى إلى ثلاث معضلات عربية، الأولى:أن انصراف الشعوب العربية بعيد الحرب الأولى عن بناء نظم سياسية –اجتماعية سليمة، إلى هدف التخلص من الاستعمار وأعوانه طيلة القرن العشرين، أفرز أنظمة ديكتاتورية مستبدة، ألقت بظلال ثقيلة خانقة عطلت تطور مجتمعاتهم، وكانت سببا فى ثورات الربيع العربى عام 2011. أما الثانية فهى أن حدود "سايكس- بيكو" أوجدت بيئة انفجارية حاضنة للصراعات الطائفية والعرقية فى المنطقة، مما هيأ للمعضلة الثالثة: أن تهتك نسيج تلك الشعوب وعدم حسم مشكلة الهوية والشخصية الحضارية، جعلها تعانى خلخلة سياسية وفراغا إقليميا يجذب الطامعين الأقوياء، لذا تعيش تلك الشعوب حرب بقاء قاسية.
فى فبرايرالماضى، رجحت مجلة "دير شبيجل" أن تكون ثورات الربيع العربى، أحد تداعيات الحرب العالمية الأولى، واستمرارا لصراع دموى بدأ قبل 100 عام، ولم يصل إلى نهايته بعد، وسط كثير من الحروب الأهلية والهجمات الإرهابية، وعللت ما يجرى بعدة عوامل من بينها الكساد الاقتصادى بالشرق الأوسط، وفشل النخبة العربية بسبب التدخل المستمر من القوى العظمى ودور الإسلام السياسى واكتشاف النفط وتأسيس إسرائيل والحرب الباردة.
الحقائق المخفية لاتزال قابلة للنبش، ولايزال عبث الإمبراطوريات القديمة والجديدة بجسد المنطقة متواصلا، على نحو أفدح من الماضى. يحذر الجنرال البريطانى روبرت سميث، فى كتابه "صلاحية القوة.. فن الحرب فى العالم الحديث"، من أن الحروب والسياسات الغربية فى المنطقة مهدت الطريق إلى ما يمكن أن نطلق عليه (الحرب الشعبية), حيث (الإرهاب) و(المقاتل من أجل الحرية), أصبحوا حاملى السلاح, للوصول إلى هدفهم, وهو استنتاج برهنت عليه الباحثة الباكستانية أنيزة نياز فى كتابها :"الحروب..الإرهاب وحركات التمرد"، وكل هذا ينضح من إناء واحد، "استراتيجية العبث بالإسلام "سياسيا للتحكم بالشعوب فى لعبة الأمم.
البداية من فكرة "الجهاد الألمانى" التى تلقفتها تركيا، وببراعة لعبت بريطانيا بورقتها، حتى انهارت الخلافة التركية بعد هزيمتها فى الحرب الأولى، ولأجل ذلك ولدت "جماعة الإخوان المسلمين" فى مصر، بدعم الاستعمار البريطانى، ومن عباءتها ولدت جماعات وتنظيمات "جهادية" عنقودية، عبأت الفضاء العربى والإسلامى برائحة الدم، طيلة 85 عاما، وصولا إلى تحالفها المقدس مع أمريكا، برعاية المخضرم زبجينيو بريجينسكى مستشار الأمن القومى الأمريكى الأسبق، حتى انهيار الاتحاد السوفيتى. وتحت "راية الجهاد" جاء تنظيم "القاعدة" فى أفغانستان، ومن التدمير الأمريكى للعراق ولدت جماعات كثيرة كأذرع أخطبوطية، آخرها "داعش" وفى سوريا أيضا، مع جبهة النصرة، وأنصار الشريعة فى ليبيا وبيت المقدس فى مصر، والجماعة المقاتلة فى الجزائر...وهلم جرا، وكلها أسماء على مسمى واحد.
جماعات تختطف الإسلام بزعم الجهاد، تقتل المسلمين وتستحل نساءهم بدعوى "جهاد النكاح"، إنها استراتيجية استعمارية أثبتت نجاحا باهرا، انتقلت من القوى الكبرى إلى أصغر اللاعبين، وهل الاستعمار إلا مساحات نفوذ وهيمنة بطرق خشنة أو ناعمة.. يوضح الفيلسوف الفرنسى ميشيل فوكو فى كتابه "أركيولوجيا المعرفة" أن "الظاهرة الاستعمارية عموما هى بنية سلطوية أو بنية هيمنة". فى هذا السياق انظر إلى ما تفعله إسرائيل أو إيران، بل انظر إلى علاقة قطر وتركيا، مثلا، بالإخوان وأخواتها من "الدواعش" شرقا وغربا، إنه استلهام للفكرة الاستعمارية نفسها، فى مسعى لإعادة ضبط موازين القوة وخلخلة معادلات السياسة فى المنطقة، بين الهوامش "قطر، مثلا"، والمركز "مصر".
ومن خلال تحليل ضاف للظاهرة الاستعمارية، ينقلنا عالم الاجتماع والسياسة المصرى سمير أمين إلى استنتاج أخطر، هو أن القواعد الأساسية للسياسة الاستعمارية القديمة لم تتغيّر جذريا، وأننا نعيش حاليا مرحلتها الثالثة، أى "الإخضاع الإمبريالى للكرة الأرضية"، بين الثلاثي: الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا واليابان"..
ماذا لو ..؟!
يرى بعض العرب أن اتفاقية سايكس–بيكو لم تكن شرا خالصا، وأنها انطوت على "حسنات"، لأنها رسمت الحدود العربية، وفق اعتبارات تاريخية واستراتيجية وكان الأجدى البناء عليها، بدلا من محاولة هدمها دون جدوى، مثلما فعلت الدول الأفريقية مع الحدود الموروثة من الاستعمار، وهو رأى برغم وجاهة منطقه، يمثل جانبا من المعادلة، الجانب الآخر أنه أغفل فارقا مهما وهو وجود إسرائيل كنصل حاد فى القلب العربى، إغفالا يجعل هزة الدم على قارعة الأوطان، كغرغرة من رئتين تالفتين، فلم يزل لورانس العرب يجول فى الصحراء العربية بأقنعة جديدة ..!
كتب العظيم تولستوى رائعته الخالدة "الحرب والسلام"، تذكيرا بويلات "بنات أثينا"، قبل العالمية الحرب الأولى، فماذا لو عاش أهوالها؟!.. لنخرج من الصعب إلى الأصعب، بسؤال: كيف نمنح الماضى فرصة أن يمضي، والمستقبل أن يولد؟
الإجابة بالطبع عسيرة،إذ تتنوع الاستراتيجيات فى مواجهة الأزمات، ولعل البداية تكون فى إعادة الاعتبار للعقل والحرية والكرامة الإنسانية، والتعامل مع مناخ الأزمة بإصغاء للثعلب المحنك هنرى كيسنجر:"أن السياسة الكبرى هى تلك التى تقتات على القدرات الإبداعية المتواصلة، وهى التى تعيد تعيين أهدافها بصورة مستمرة". إن التفكير الإبداعى الخلاق وإرادة الفعل الصلبة، قد تحول المحنة إلى منحة، يضع الغرب ألغاما فى طريقنا، لكن علينا التوقف تماما عن فكرة المؤامرة "ضدنا نحن بالذات"، لأن السياسة "مؤامرة دائمة" بين الجميع، لهذا نتفق مع الدكتور فؤاد زكريا على أن المواجهة الحقيقية لأى مؤامرة إنما تكون بالعمل الشاق الدائب، من أجل أن نبلغ المستوى الذى نغدو فيه أندادا للغرب، ثقافيا وعلميا وتكنولوجيا وسياسيا".
هنا نحن بحاجة لاسترجاع مقولة الأستاذ محمد حسنين هيكل، عن أن "الأمم الكبيرة تحيا لتتذكر والأصح أنها تتذكر لكى تحيا، لأن النسيان هو الموت أو درجة من درجاته، فى حين أن التذكر يقظة، واليقظة حالة من عودة الوعى، قد تكون تمهيدا لفكر ربما يتحول إلى نية فعل، ثم إلى فعل إذا استطاع أن يرتب لنفسه موعدا مع العقل والإرادة فى يوم قريب أو بعيد، بمثل ما فعل المشروع الصهيونى على امتداد قرن كامل: عاش نصفه مع الوعد ونصفه الآخر مع تحقيق الوعد"..
فلا مفر إذن من أن نواصل السعى والحلم بعالم بلا حروب، بنظام عالمى بلا ظلم، بمجتمعات بلا عنف، بوطن عربى مستقر، بجهد وسعى لا ينقطع.. بحَمَل يتصدى- بذكاء- للأسد، لا أن يرقد بجواره..!


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.