هالني ما سمعته من السيد أحمد عبده ماهر في إحدي الفضائيات الخاصة، من جرأة علي أئمة الإسلام، ونقد غير مبرر لكتب التراث علي طريقة «لا تقربوا الصلاة». وما يهمني هنا هو رفع الظلم عن أئمتنا وعن كتبهم، أما أسلوبه فلا علاج له عندي سوي اللجوء إلي ساحات القضاء الذي أظن أنه لن يرضي أن يوصف الإمام القطب الرباني محيي الدين النووي بأنه إرهابي. أما ما يخص موضوع الحلقة، فلا يتسع المقام للرد علي كل ما جاء بها من افتراءات، وإن سمح الوقت والمجال فسوف أتابع الرد علي هذه الافتراءات فرية فرية، وسيكون رداً عقلانياً منطقياً. وفي هذا المقال سأكتفي بالرد علي فرية واحدة، وهي أن الإمام النووي لا يري أن يعالج الرجل زوجته ولا أن يكفنها إذا ماتت، ولبيان ذلك أقول: بالغ مقدم الحلقة وضيفه في الاستهزاء والسخرية من حكم فقهي منقول من كتب التراث وهو أنه لا يجب علي الزوج علاج زوجته إذا مرضت ولا تكفينها إذا ماتت، ولا أري سبباً لهذه السخرية سوي الجهل أو سوء الظن، وأنا أربأ بالرجلين عن ذلك، وأدعو القارئ الكريم إلي متابعة القراءة ليفهم مراد الإمام النووي: 1- بني الإمام النووي هذا الحكم علي أساس متين وأصل في الإسلام -ينبغي أن يفرح به الأستاذ وائل وضيفه- وهو أن للمرأة ذمة مالية مستقلة، فالإسلام هو الذي أنصف المرأة وجعل لها هذه الذمة المستقلة بحيث لم يجعلها تذوب في ذمة زوجها كما هو الحال في الغرب، وإذا كان للمرأة هذه الذمة المستقلة فلماذا لا تنفق منها إذا مرضت؟ 2- هذا الحكم هو حكم قضائي وليس دينيا، وهناك فرق بينهما، فالقضاء لا يعترف بالعواطف ولا بالأحاسيس، وأعني بالحكم القضائي الحكم الذي يكون وقت النزاع والشقاق، وليس في الأحوال الطبيعية، ففي الأحوال الطبيعية يذوب كل من الزوجين في الآخر ولا يكون بينهما أي فرق، بحيث ينفق كل منهما علي الآخر دون تردد أو تململ. 3- إذا أرادت المرأة أن نوجب علي الرجل ذلك، فلتتنازل أولاً عن شخصيتها المستقلة، وعن ذمتها المالية، فهل ترضي بذلك؟ 4- هذا كله علي فرض ثبوت هذا الحكم، فإن فيه خلافاً سائغاً بين العلماء، خلاصة هذا الخلاف ومحله، هو في نقطة صغيرة وهي تحديد حوائج المرأة الأصلية، فمن رأي أن العلاج والكفن من حوائجها الأصلية قال بوجوبها علي الزوج، ومن رأي أن هذه الأشياء ليست من الحوائج الأصلية لم يوجبها عليه، والراجح في المسألة هو الوجوب. 5- هناك فرق بين حال غني المرأة وفقرها، وما يقوله الإمام النووي هو في حال يسار المرأة، أما في حال فقرها فيجبر زوجها علي ذلك قولاً واحداً. 6- إذا قيل: إن كل هذه التأويلات والتوجيهات لم تُذكر في نص الإمام النووي، نقول: إننا لا نُحَفِّظ طلابنا متن الإمام النووي، وإنما نفهمهم إياه، كما أن أسلوب الدراسة في مادة الفقه هو أسلوب عرض الرأي والرأي الآخر، والموازنة بين الآراء والترجيح بينها، فليس كل ما يوجد في كتب التراث صواباً، وإنما منه راجح ومنه مرجوح بالدليل، ومَن يفهم غير ذلك فاللائمة عليه، كما أن هذا الكتاب وغيره من كتب التراث ليس محلاً لأن يقرأه العامة وغير المتخصصين، وإذا أقدموا هم علي ذلك فهم المخطئون، وعليهم أن يسألوا أهل التخصص حتي يبينوا لهم المراد. لمزيد من مقالات د. احمد لطفى شلبى