الطماطم ولعت.. أسعار الخضار اليوم تشعل الأسواق    فاديفول يدعو إلى استعادة الثقة في السياسة الدولية وسط مخاوف بشأن سباق نووي جديد    أردوغان يهدي الرئيس السيسي سيارة كهربائية    12 قتيلًا في قصف مدفعي إسرائيلي استهدف مناطق متفرقة من قطاع غزة    شريف عبد الفضيل: غياب إمام عاشور وراء تراجع نتائج الأهلي    جريمة بين القبور.. عامل يقتل صديقه ويدفن الجثة لإخفاء الجريمة بالقليوبية    نهاية مسيرة إجرامية.. المشدد 6 سنوات لعامل حاز سلاحًا واتجر في المخدرات    «الشيماء» الفائزة في الرواية غير المنشورة: الجائزة شهادة إنصاف لروايتي الأولى    حكم زينة رمضان.. حرام بأمر الإفتاء في هذه الحالة    طقس اليوم الخميس.. بداية تغير جذري في الحالة الجوية    بجرعة شهرية واحدة، بشرى سارة من "فايزر" بشأن الدواء الجديد للسمنة    الصين ترفض الانضمام إلى مفاوضات الحد من التسلح مع الولايات المتحدة وروسيا    الهدية.. العطاء الذي قبله النبي للتقارب والمحبة بين المسلمين    منى عشماوي تكتب: لماذا يقتلون العندليب؟!    الناقدة منال رضوان تكتب: من "أمير البيان" إلى اليوم.. مصر وتركيا لقاء صاغه التاريخ وتجدده الرؤى الحديثة    مقتل شخص وإصابة آخرين بانفجار سيارة قرب حيفا في إسرائيل    زيلينسكي يكشف عدد قتلى أوكرانيا خلال الحرب مع روسيا    أمين عام منظمة التعاون الرقمي: الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل القطاعات الاقتصادية    اليوم، قطع المياه عن مدينة إدفو بأسوان لمدة 10 ساعات    أسعار ومواصفات سيارات BYD الكهربائية داخل السوق المصري    ياسمين الخطيب تطل ببرنامج ورا الشمس في رمضان 2026    «كارثة في كل بيت».. «الشيوخ» يدق ناقوس الخطر حول هواتف الأطفال    بان على حقيقته، تصعيد خطير بين إمام عاشور والأهلي والإدارة تمنحه الضوء الأخضر (فيديو)    تراجع الأسهم الأمريكية في تعاملات الظهيرة بسبب انخفاض أسهم شركات التكنولوجيا    «الصاحب سند».. لقطة عفوية تجمع رضوى الشربيني وآن الرفاعي في ختام «هي وبس» (فيديو)    دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في شعبان    نملة تُوقظ نبيًّا.. قصة بدأت بنملة وانتهت بحكمة إلهية    معهد التغذية يدق ناقوس الخطر: المشروبات الغازية تعرض الأطفال ل 3 أمراض    تفشي الحصبة في الأمريكتين يدفع «باهو» لإطلاق إنذار وبائي... والمكسيك تسجل أعلى الإصابات    علماء وخبراء في ملتقى علمي بالإسكندرية: الاستزراع المائي مفتاح الأمن الغذائي.. والبحث العلمي بوابة الاستدامة    رفضت العودة فقتلها.. جنايات مطروح تحيل أوراق قاتل طليقته شنقًا إلى المفتي    السيطرة على حريق منزل بحي المناخ في بورسعيد    عمر مرموش: كنت أحلم بتسجيل الهاتريك.. وهدفنا تحقيق لقب كأس الرابطة    مصرع سيدة أثناء عبورها شريط السكة الحديد فى طلخا بالدقهلية    "سقط فوقهم جدار منزل".. وفاة سيدة وإصابة 3 آخرين أثناء تقديم واجب عزاء في البحيرة    ريال سوسيداد يحقق ريمونتادا أمام ألافيس ويتأهل لنصف نهائي كأس ملك إسبانيا    وزيرة التنمية المحلية ووزير التموين ومحافظ الدقهلية يفتتحون اليوم معرض "أهلا رمضان" بالمنصورة    مدرب كامويش السابق: لاعب رائع لكنه بحاجة لزيادة قدراته التهديفية    صبحي يهنئ منتخب مصر لكرة السلة على الكراسي المتحركة بفضية البطولة العربية    الخطر الحقيقي يبدأ، أمير كرارة يروج لمسلسل رأس الأفعى    مصدر من الأهلي ل في الجول: مهاجم كاميروني تحت السن يخوض معايشة مع الفريق    مصرع شاب وإصابة آخر فى حادث انقلاب موتوسيكل على طريق الرحمانية بالبحيرة    غرفة السياحة: 7 فبراير آخر موعد لاستخراج شهادة الاستطاعة الصحية للحجاج    النيابة الإدارية تُحدد موعد حلف اليمين القانونية لمعاوني النيابة الجدد    نيبينزيا: يجب حرمان داعش من تقنيات الاتصالات الفضائية والطائرات المسيرة    كأس الرابطة الإنجليزية - موعد نهائي أرسنال ضد مانشستر سيتي والقناة الناقلة    الصحة: تكثيف الرقابة على المنشآت الطبية وبخاصة التي تتعامل مع الصحة النفسية    طريقة عمل البسكويت بالجبنة، وجبة خفيفة سريعة التحضير    دعاء إبراهيم ل «البوابة نيوز»: وصول روايتي للقائمة القصيرة للجائزة العالمية فوز حقيقي أهديه لصغاري    مدير أوقاف شمال سيناء يكرم حفظة القرآن الكريم بمسجد السيدة حليمة السعدية بالعريش    حزب الشعب الجمهوري يفتتح ورش عمل آليات العمل البرلماني والميداني    خبير تربوي يضع روشتة ل التعليم للسيطرة على فوضي الإدمان الرقمي    وكيل تعليم كفر الشيخ يعلن إجراء المقابلات مع المتقدمين للوظائف الإشرافية    عبد السند يمامة: مستمر في رئاسة الهيئة البرلمانية للوفد بمجلس الشيوخ    تعليم الشرقية: جاهزية المدارس للفصل الدراسي الثاني على رأس الأولويات    احتفالية الأزهر باليوم العالمي للأخوة الإنسانية تؤكد مركزية القيم الأخلاقية في بناء السلم المجتمعي    إنتر ميلان يواجه تورينو في ربع نهائي كأس إيطاليا.. متابعة حصرية للبث المباشر والتشكيل المتوقع    رحيل والدة نورهان شعيب.. رسالة وداع مؤثرة تطلب فيها الدعاء وتكتفي بالعزاء هاتفيًا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



بريد الجمعة يكتبه: أحمد البرى
الحلم البديل!
نشر في الأهرام اليومي يوم 07 - 08 - 2014

لم أكن اتوقع أن أكتب اليك بمشكلتى التى تلازمنى منذ صغري،
ولكن دفعنى الى ان أعرضها عليك، ما لمسته عبر بريدك الاسبوعى من حلول سديدة، ورؤى صائبة تضيء الطريق أمام اصحابها. وتساعدهم على تخطى الصعاب، وأعود بحكايتى الى الوراء عندما كنت طفلة، فلقد نشأت فى اسرة متوسطة اجتماعيا تضم خمسة افراد، وتنتسب الى عائلتين من كبار العائلات فى احدى القري، وتزوج ابى وأمى بعد قصة حب ربطت بينهما طوال سنوات الجامعة، وكانت قد تخرجت قبله، بعدة سنوات، حيث انه رسب اكثر من مرة، وتحملت الكثير من أجله الى ان تخرج ثم تزوجا، لكنه ظل عاطلا، ولم يقبل باعمال كثيرة كانت كفيلة بمساعدته على القيام بمسئولياته تجاه اسرته، ولم تجرؤ والدتى يوما على ان تفاتحه فى ضرورة ان يعمل لكى يصرف على اولاده وبيته بدلا من ان ينتظروا الطعام من اهلها أو أهله، ولم تشعره بتقصيره، وصرفت كل ميراثها على المعيشة اليومية، وتوفير القوت الضرورى لنا.
وكبرت ووجدتهما قد تبادلا الادوار، فعندما كنت اطلب من أبى مصروفا، يرد بكل بساطة: «خذى من ماما»، ولم يجد حرجا فى ذلك، وكأنه شيء طبيعي، وكم تمنيت أن أكون ابنة ل «رجل عادي» يعمل مثل كل الناس، ولو فى مهنة «النظافة» المهم ان يأتينا برزق حلال، ويرحمنا من الذل، ويتنازل عن انانيته المفرطة، فهو لايفكر إلا فى نفسه.

ولك ان تندهش من منطقه الغريب، فهو لايريد ان يعمل لدى الغير إذ يرى أنه يجب أن يكون «صاحب عمل» وما أكثر المشروعات التى اقامها لكنها فشلت جميعا، لاسباب عديدة منها انه لم يكن جادا فى إقامتها، ولم يعد دراسة جيدة لها، وكلما تراءى له فى مخيلته مشروع اقدم عليه، مختالا بفكره معلنا كبرياءه عازفا عن الاختلاط بالناس الذين يتعامل معهم بتعال، بينما كانت أمى هى التى تتصدر اى مشروع يقيمه، وتحاول قدر جهدها التوفيق بينه وبين مهامها المنزلية، ورعايتها لنا، الى ان ينتهى تماما وتحدث الخسارة، وهى نتيجة منطقية وفقا للمقدمات والمعطيات التى بنيت عليها.

ومازال أبى على حاله إلى الآن، يعمل احيانا ثم يتوقف عند أول مشكلة تواجهه، ولم يعرف يوما المعنى الحقيقى لمسئولية الاسرة والابناء برغم حبه الشديد لنا ولأمنا، فلم يترجم هذا الحب الى افعال، وتناسى قول رسولنا الكريم «كلكم راع، وكل راع مسئول عن رعيته»، وترك رعاية البيت والاسرة لآخرين تدخلوا فى اختياراتنا وتوجهاتنا بما يتناسب مع عطاياهم، فبدلوا حلمى الاصلى الى «حلم بديل»، فالتحقت بكلية ادبية بدلا من كلية علمية، واعترفت بالامر الواقع وسعدت بكليتى وتعايشت معها باعتبار انها الانسب لقدراتنا المادية، وكتمت احزانى فى داخلي، وفضلت الموت على ان اجرحه بكلمة، وحافظت على صورته كهرم مرفوع الهامة امام الجميع حتى اشقائي، ورفضت ان أعيش دور الضحية، كما فعل بعضهم، وفهمت المعادلة التى يجب ان اسير وفقها بكل دأب وجد وعزيمة، وسرعان ما فكرت فى العمل بعد الثانوية العامة حتى أتمكن من توفير احتياجاتى فى الكلية، والتحقت بعمل مناسب اكتسبت منه خبرات كثيرة، ودخل حياتى زميل لى فى العمل، سرعان ما تقدم لطلب يدي، ولكنى رفضت من الوهلة الأولى ليس لعيب فيه. وانما خوفا من فشل الزواج من جهة، ولأننى أعانى مرضا نادرا من جهة اخري، واكتفيت بالدراسة والعمل وسعدت بنجاحاتى فيهما، وأصر على معرفة سبب رفضي، فصارحته بما فى نفسي، فجاء رد فعله جميلا، ومازالت كلماته ترن فى اذنى: «كأننى لم اسمع شيئا منك، وارجوك الموافقة، فأنا اريدك زوجة لى»، فأعجبنى موقفه منى وتمسكه بى ورجاحة عقله، واعتبرت فارق السن بيننا وهو اربعة عشر عاما فى مصلحتي، حيث كان يمثل بالنسبة لى الاب اكثر منه الحبيب والزوج، وأبديت له موافقتى على الارتباط به، وعرضت الامر على اسرتى فباركت زواجنا، ثم جاءت الاعتراضات من العائلة الكبيرة التى تحفظت عليه من حيث السن والشكل والعمل، فلم اتوقف عند هذه الملاحظات، وتمت خطبتى له، ولاحظت عدم حماسه فى عمله، ولا مبالاته فى كل شيء، وراودتنى اسئلة كثيرة عن سبب تأخره فى الزواج وما أوصله الى الحالة التى اراه عليها، ولما طرحتها عليه أجاب بانه اقام مشروعا صغيرا خسر فيه كل ما ادخره من مال، وانه يساند والدته بتحمل اعباء علاجها، وبعد اسابيع طلب «عقد القرآن» فلم اوافق عليه قبل ان يحصل على شقة الزوجية ويبدأ فى توفير اثاث المنزل، وفقا للاتفاق المبرم بيننا، وكنت أناقشه فى هذه الامور وليس أهلى على عكس المتعارف عليه، فنفذ ما طلبت، وهزت فرحتى بالشقة قلبى الصغير، ثم حدث ما عكر صفو سعادتنا، إذ تم الاستغناء عنا فى العمل معا، فلم ايأس وسعيت بكل ما أوتيت من عزيمة وإصرار للحصول على عمل جديد، وكانت الفرص المتاحة لى فى مجالى اكثر منه، لكننى فضلت ان يحصل هو على عمل أولا، وبعد عدة اشهر عرض قريب لى عليه عقد عمل فى احدى الدول العربية فوافق عليه، وبعدها بأيام جاءتنى فرصة عمل، وابتسمت لنا الحياة من جديد، وشجعنى خطيبى على الكفاح والصبر، وخففت كثيرا من هول المفاجأة التى كانت فى انتظاره بالبلد العربي، حيث وجد أنه سيتقاضى نصف المرتب، وبدل السكن المتفق عليه، ومر عام طويل على الحال الجديدة، ثم تزوجنا بما أتيح لنا من أثاث، وتعرفت عن قرب على كل طباعه، فوجدته بطئ الحركة، وان ردود أفعاله تأتى دائما متأخرة، وطموحاته لا تعدو أن تكون «أحلام يقظة» مثل أبى تماما، وهى لا تتناسب مع إمكاناته بأى حال.

ولم يمكث معى سوى شهر ونصف الشهر ثم سافر إلى عمله بالبلد العربي، وتركنى وحيدة، وكنت أنا التى أبادر بالاتصال به والاطمئنان عليه، وحاولت أن ألفت نظره إلى ما أحتاجه من الوقوف إلى جانبى واحتوائى بعد كل ما لاقيته من متاعب على مر السنين.. وطلبت منه أن يتواصل معى تليفونيا أو عن طريق الانترنت، فجاءنى رده بأنه لا يستطيع أن يعمل ويهتم بى فى آن واحد! فتعجبت لهذا الرد، وكظمت غيظي!، وطالت فترة سفره لمدة تقترب من عامين، وعندما زارنا وجدته متبلد المشاعر بدرجة غريبة فأنا الملهوفة عليه دائما، وأنا التى ابدأ بالصلح إذا حدث خصام بيننا، فإذا سألته : لماذا يعاملنى ببرود وجفاء؟ ينفى بشدة عدم اهتمامه بي، ويقول إنه لا يستطيع الاستغناء عني!.

وشعرت كأننى زهرة فى بستان أخذها صاحبها من وسط أقرانها، ووضعها وحيدة فى بيئة جديدة عليها، وعندما بدأت فى التأقلم مع حياتها المستحدثة، واشتد عودها تناساها، وراح يقطر عليها الماء من حين إلى آخر، فلم يتركها تحيا فى بيئتها الأصلية، ولم يرحمها بأن يدعها تموت سريعا (موتة الرحمة) وفضل أن تموت ببطء... وهكذا ايقنت أن هذه هى مشاعره الحقيقية، فالرجولة من وجهة نظره تعنى التحكم فى المشاعر، وعدم البوح بحبه لزوجته حتى وإن كان يحبها بالفعل.. وإزاء موقفه الغامض فكرت فى طلب الطلاق، لكنى فى اجازته التالية وجدتنى حاملا فى طفلتي، التى جاءت إلى الدنيا فى ظروف نفسية صعبة بسبب ابيها، ولا ذنب لها بالطبع فى تصرفاته، وهكذا صرت وحيدة.. وابنتى هى كل عالمي، وقد مر عام جديد، وجاء زوجى فى إجازته المعتادة، وكنت أتصور أنه سيكون ملهوفا على رؤية ابنته، ومع الأسف الشديد قابلها بمشاعر عادية، ولم تتحرك عاطفة الأبوة لديه، تلك العاطفة التلقائية بين أب وابنته، ثم مر عامان، وكبرت ابنتنا ووجدتها تتعامل مع أبيها بحذر، ولم تثمر جهودى معها لتعريفها بأبيها وحثها على حبه والاقبال عليه إلا بقدر ضئيل، فالعلاقة تبادلية، ومن الضرورى أن تشعر الطفلة بوجود أبيها فى حياتها حتى تقبل عليه، وتتطلع إلى أن تكون معه فى كل خطوة من خطوات حياتها، فلقد كنت اشترى لها اللعب، وأقول لها إن اباها هو الذى ارسلها إليها حتى تنشأ على حبه.

إننى كلما نفد صبرى فى التعامل معه أجدنى أستعيد نفسى من جديد، ولم تقهرنى الصعاب، فهل يقهرنى رجل متبلد المشاعر، فأنا ذات الشخصية القوية المثابرة الناجحة فى عملها التى قهرت كل العقبات، ولم يقف امام طموحها شيء، وأنا نفسها صاحبة الشخصية الضعيفة التى سئمت حياتها فى انتظار زوجها الذى لا يشعر بها على الاطلاق، ولا يفهم متطلباتها كأنثى كل ما تتمناه أن تعيش فى ظل رجل يحتويها، ويشعرها بالقوامة والأمان ويعوضها عما فقدته فى بيت ابيها الذى لعبت فيه أمها دور الرجل، ثم ها هى تلعب الدور نفسه فى بيت زوجها... نعم يا سيدي، فلقد أوصلنى برود زوجى إلى حالة من اليأس لم أعد أستطيع معها الصبر، فأنا إنسانة لى قوة تحمل، ولست (ملائكية) وكل ما أريده من زوجى أن يهتم بى ويحتوينى ويشعرنى بوجودى كزوجة، ووجوده كأب.. إننى أتعجب من حاله وحال أمثاله : واسألهم : أين أنتم من وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنساء؟.. فمن حكمته سبحانه وتعالى أن يموت فى حجر زوجته.. لقد سقط أبى الهرم الأول فى حياتى منذ سنوات بعيدة، وها هو زوجى الهرم الثانى يسقط هو الآخر، فالرجال كالأهرامات إذا سقط رجل أصبح كالرمال!!.. وإنى أشكو إلى الله قلة حيلتي، وهواننا أنا وابنتى على زوجي، بعد أن نفد كل ما لدى من صبر.. فهل أجد لديك ما نستطيع أن نتغلب به على الأنواء والأعاصير التى تهز حياتنا بشدة، وقد تلقى بى إلى المجهول؟.

ولكاتبة هذه الرسالة أقول:
لقد تركت نفسك يا سيدتى أسيرة أفكار فى داخلك، وحكمت على الأشياء بمنظورك الشخصي، ولو أنك غيرت هذه الأفكار منذ البداية، وناقشت مع زوجك احتياجك النفسى له، واقتربت منه أكثر من ذلك، وكنت صريحة وواضحة فى البوح بما يعتريك من هواجس وقلق وحيرة من بعض تصرفاته، وأهمها عزوفه عنك وتباعد لقاءاتكما معا.. أقول: لو أنك فعلت ذلك للفت نظره الى ما يؤلمك، ولغير أسلوبه معك على الفور، بدليل تأكيده لك بأنه يحبك، ولم يقف عند مرضك النادر الذى لم تفصحى عنه.. وأقبل على حياته معك بكل ارتياح، وهو أيضا لم يرتبط بأخري، ولا يوجد فى حياته سواك، بدليل أنك لم تنكرى إخلاصه معك ورعايته لك.. ومن هنا فإنك مطالبة بأن تغيرى نظرتك إليه وفكرك تجاهه، وأذكر ما جاء على لسان »جايمس إلين« فى كتابه »مثلما يفكر الإنسان» حيث قال: «سيكتشف الإنسان أنه كلما غير أفكاره إزاء الأشياء والأشخاص الآخرين، فإنهم سيتغيرون بدورهم.. دع شخصا ما يغير أفكاره، وستندهش للسرعة التى ستتغير بها ظروف حياته المادية، فالشيء المقدس الذى يشكل أهدافنا هو نفسنا».

نعم يا سيدتى فنحن بأيدينا أن نغير ما حولنا، وبإمكانك أن تحتوى زوجك بالحوار الإلحاحي، وبأن ترددى على مسامعه أنه كل حياتك، وأنك لا تملكين فى الدنيا طموحا أكثر من أن تسعدا معا بحياتكما وطفلتكما.. إننى أرى من ثنايا رسالتك أن ما يعذبك ليس استبداده، كما جرت عادة الزوجات فى شكاواهن من الأزواج، وانما يعذبك استهتاره، وعدم مبالاته بك على الأقل فى ظاهر الأمر، لكن المحب لا يتوقف عند هنات الحبيب، ويعطيه كل شيء.. يعطيه أفكاره وحياته وجسده وجميع ما يملك، كما أن كل رجل خالص القلب والعزيمة يحترم زوجته ويرعاها ويترفق بها، ويحنو عليها، ويصنعان زواجا ناجحا تسوى فيه كل الخلافات، وأحسب أنكما تزوجتما زواجا سعيدا، لم يكن وليد الظروف، وانما هو بناء شيدتماه على أساس متين، فلا يعقل بعد ذلك أن تهجراه، وتلجآن الى حلم بديل، فالحلم البديل بالتحاقك بكلية نظرية بدلا من الكلية العلمية التى كنت ترغبينها نتيجة الظروف المادية التى مرت بها أسرتك، لا ينسحب على حياتك الزوجية، فتطلبين الطلاق لسفر زوجك المتكرر، أو بعده عنك بعض الوقت، وانشغاله الدائم بعمله.

أما عن تبادل الأدوار، فإن للمرأة دورا أساسيا يتمثل فى رعاية أسرتها، الى جانب دور إضافي، كالعمل مثلا من باب تحقيق ذاتها، والحصول على عائد تساهم به فى تكاليف المعيشة، وتنظيم الإنفاق، أما الرجل فمسئول مسئولية كاملة عن الإنفاق على الأسرة وتوفير الحماية لها ورعايتها، وتهيئة الأبناء منذ الصغر لأن يكونوا أفرادا فاعلين فى الأسرة والمجتمع، ولنا فى السنة النبوية أسوة حسنة فى التكامل بين الزوجين، حيث كان النبى صلى الله عليه وسلم مع زوجته السيدة خديجة بنت خويلد، زوجا وأبا ومساعدا ومكملا، وكانت هى مصدقة له وداعمة ومساندة وحامية، ومكملة لدورها داخل الأسرة دون منّ أو تذمر أو شكوي.

وما يحدث الآن من تبادل الأدوار بين الرجل والمرأة فى أحيان كثيرة، يرجع الى عوامل عديدة أبرزها ضعف الوازع الديني، وقلة الثقافة الدينية، والتنصل من المسئوليات المناطة بكل منهما، والدافع الاقتصادى الذى يعد من أهم الأسباب، فأصبحت المرأة تتحمل فى بعض الأحيان مسئولية إعالة الأسرة.. وأعتقد أن ظروف عمل زوجك وطريقة تفكيره، قد جعلتا الحياة لديه مجرد روتين يومى ممل خال من المشاعر والعواطف المتقدة، مما أفقد حياتكما الزوجية طعمها ونكهتها، والحقيقة أنه أخطأ بعدم حرصه على إبداء عواطفه ومشاعره تجاهك برغم احتياج كل منكما لهذه الأحاسيس، وكانت النتيجة أنك لم تفهميه، ولم تستطعى التكيف معه على حياتك على هذا النحو، فى الوقت الذى ربما يتصور فيه أنك تدركين من تلقاء نفسك قدر حبه لك، وهو فى اعتقاده هذا لا يتخيل الحال التى وصلت إليها، والتى تسببت، أو سوف تتسبب فى اخفاء مشاعرك أنت الأخرى تجاهه، كرد فعل طبيعي، إما اعتقادا منك بأنه لا يستحق عواطفك، أو تيقنا من أنه متبلد المشاعر، وعند هذا الحد أخشى عليكما من الفتور العاطفي.

ومن هنا فإن الثقافة الزوجية مطلوبة من الطرفين، وهناك قاعدة متعارف عليها، وهى «ان المرأة تعطى كل شيء من أجل الحب، والرجل يعطى الحب من أجل كل شيء»، وحين يتوقف أحدهما عن أداء دوره الإيجابي، خاصة الدعم العاطفى والمعنوى لأى سبب تصبح العلاقة فاترة ومملة، فعلى زوجك أن يتنبه لذلك حتى لا يقتل مشاعر الحب المتبادلة، ولا يقف موقف المتفرج، وعليك أيضا ألا تستسلمى لأى ظروف قد تساعد على وجود فجوات بينكما، فصححا الاعتقادات الخاطئة لدى كل منكما تجاه الآخر بالكلمة الحلوة، واللمسة الرقيقة، فيذوب الفتور، وتتجدد حرارة حبكما بإذن الله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.