جمعتني المصادفة ، ثم تكررت بعدها ، في مقابلات لبعض المسئولين الكبار عند موقع المسئولية يختصون بسرعة اتخاذ القرار والمتابعة ، ودقة النظر وجدية الحركة وهم مرخص لهم بحكم مسئولياتهم بخوض المعارك ومواجهة الصراعات والصعاب ، وحمل الاثقال اذا لزم الأمر ، وعندما تابعت افعالهم في اكثر من مناسبة ، وهم يحاولون الاستعانة بصديق لاتخاذ القرار ، رغم خبراتهم الطويلة ، وطول السنين، فمنهم من هم عند السبعين ومنهم من تجاوزها، واشفقت عليهم من عناء تحمل هذه المسئولية لان الشخصية في هذه السن قد بدت مترهلة لاتقوي علي حمل الصعاب. وتؤكد الاحصائيات عن اخصائي طب الشيخوخة ان 40% من الامراض تظهر عند المسنين باعراض غير اعتيادية ، اكثرها شيوعاً اقسام رئيسية يتفرع عنها مشاكل ثانوية، فمشكلة الخرف مثلا تثير مرض الزهايمر ونشاف شرايين الرأس او الهلوسة احياناً ، فضلا عما تؤدي اليه مشكلة الخرف من نقص القدرات العقلية التي تشمل النسيان وعدم القدرة علي التحليل وحسن التوجيه والتفكير . لكن علينا في ذات الوقت ان نقر ونعترف، بأن بلوغ هذه السن تجمع الخبرة العالية وحصاد السنين، وهي تاج علي رؤسنا جميعاً، نلجأ اليها ونأخذ منها ونضيف اليها، كما انه حق لهم وعلي ابناء الوطن الاعزاز و التقدير والاحترام، ومن حق اجيال الشباب عليهم ان يستمروا ليقدموا المزيد من العطاء وبغير حدود، طالما وقد مًّن الله عليهم بالصحة وبطول العمر ، لتكون الخبرة رصيداً متراكماً في الافكار والتنوير والرأي لكل المجالات والتخصصات، تفيد في دراسة الحاضر ، وتنفع المستقبل ، نبراساً وهادياً للتصويب والتصحيح . وعلي قدر خبرة السنين واتساع دائرة العلم والنجاح ، تعلو قيمة الخبرة كرصيد متراكم نافع ، وتظل قيمة مجردة او نسبية ، نأخذ منها ونقف امامها احتراماً وتعظيماً ، حتي ولو اختلفنا معها ، او صاحبتها بعض الاخطاء والمخاطر ، طالما كان ذلك كله في نطاق الخبرة والتنظير التي تحمل بطبيعتها الاجتهاد والخطأ والصواب . لكنه في جانب آخر ، يعد انحرافاً عن جادة الصواب ومضيعة للوقت والجهد ، ان نطلب من هذه الخبرات العظيمة والهائلة ، مهما بلغت درجتها، او نقحمها في ساحات حمل الاثقال.. او دائرة السباق او قطع الاميال.. أو خوض الصراعات وحقول الألغام والعمل الدءوب.. ، لأن كل هذه المسئوليات تتطلب قوة وتحتاج قدرة وطاقة وفتوة لايتحملها الا من هم في سن الشباب ودون السبعين ، ولا يقوي علي تحملها من هم بعدها ، ولو كانوا من اصحاب الخبرات القوية التي جمعت حصاد السنين . وهذا المنطق هو العدل بعينه والواقع بمقتضاه ، والمصارحة دون التفاف ، لانها تتفق مع طبائع الامور وتطور السنين ومنطق الزمان ، حتي ولو خرج عنها قلة تمثل استثناء ، فنجد بعض من بلغوا سن الثمانين او يزيد يتصارعون و يتكالبون علي المناصب .. ويقحمون انفسهم في حلقات المصارعة ، لكن عليهم ان يعترفوا بواقع الاشياء ، وهو امر يحقق الصالح العام . ويتحقق الصالح العام عند احترام الخبرة والعلم علي مر السنين ، التي تمثل تقديراً وتعظيماً واحتراماً ، وان نضع اصحابها في مرتبة القدوة والمثل .. كذلك يتحقق الصالح العام في فتح الآفاق .. والابواب .. وافساح الفرص أمام الاجيال الجديدة من الشباب القادرة علي تحمل المسئولية، بالجهد والقوة .. والقدرة علي حمل الاثقال .. يأخذون نصيبهم من المساهمة و بذل العطاء في البناء . علينا ايها السادة ان نراجع التشريعات.. واللوائح.. وندرس الواقع الذي يفرض علي الناس البقاء في تحمل مسئولياتهم عند السبعين او بعدها.. فالتشريعات كلها كانت قديما تقف عند سن الستين بلوغاً للمعاش أوالتقاعد، ومازال معظمها كذلك ، لكن منها ما خرج علي هذه القاعدة لاسباب كانت معظمها تحقيقا للمزايا وكسب التأييد، وعلينا ان ندرس الواقع، ماذا جد بعد مد السن الي السبعين او اطلاقه بغير حدود، وفي اي مواقع وتخصص يكون، وان نباعد بينها وبين مواقع مسئولية اتخاذ القرار ، لنضع هذا الامر في اولويات التشريعات التي تحتاج الي تعديل ، لنحافظ علي الطاقات التي لديها الخبرة والعلم ونستعين بها في مواقع تتفق مع قدراتهم وخبراتهم، وان تترك مواقعها التي تتطلب الجهد والمعاناة قبل ان يصيبها الترهل والشيخوخة والخرف اللعين والقلق ، وان نتركها للاجيال الجديدة والشباب ، ولنتذكر حكمة الخالق .. عندما خلق الانسان طفلا .. ثم شاباً .. ثم كهلاً ، اذ يؤكد لنا القرآن الكريم ان طبيعة الخلق تبدأ بالضعف ثم من بعد الضعف قوة ثم من بعد القوة ضعفاً وشيبة ، وانه بعد ان يبلغ الانسان اشده يُرَّد الي أرذل العمر .. فلنفسح الطريق امام الاجيال الشابة .. التي تتحقق بها مصلحة البلاد في كل زمان ومكان ، قبل ان يلحقها الترهل .. وحتي لا نغلق الباب أمام تواصل الاجيال .. ثم نلوم زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا . لمزيد من مقالات د . شوقى السيد