لو كان «أحمد فؤاد نجم» لا يزال بيننا، لتوقف ضاحكا أمام المفارقة التي قضت بأن يتم الإعلان - يوم الأحد المقبل - عن جائزة باسمه لشعر العامية المصرية بعد أيام من العيد الخامس والثمانين لميلاده، لتعلن نتيجة الجولة الأولى منها في الذكري الأولي لرحيله، في 3 ديسمبر من هذا العام، بسبب يدعوه بالفعل لأن يسخر - بالسين وليس بالشين - لأنه عاش ومات دون أن يحصل هو نفسه علي جائزة في شعر العامية، الذي كان علامة بارزة في مسيرته. وربما كان السبب في هذا هو أن الجوائز الرسمية لا تدرج شعر العامية، من بين الأنواع الأدبية، التي تستحق جوائز الدولة في الأدب والفنون والعلوم الاجتماعية منذ انشائها عام 1958 دون أن يكون هناك نص صريح يحظر ذلك في قانون الجائزة أو لائحتها فيما عدا استثناء وحيد، هو الشاعر الكبير «عبدالرحمن الأبنودي» الذي حصل علي الجائزة التقديرية في الآداب، منذ عدة سنوات، لأن إحدي الجهات التي لها حق الترشح لهذه الجائزة- وهي محددة علي سبيل الحصر في لائحة الجوائز- رشحته وقبل المجلس الأعلي للآداب، الترشح واسفرت نتيجة التصويت عن فوزه بها. وليس شعر العامية، هو الوحيد من بين الأنواع التي تخطئ جوائز الدولة الطريق إليها، ففي مجال الفنون اختفي فن الغناء من قائمة الفائزين بها، فيما عدا «أم كلثوم» التي حصلت عليها مرة، بل إن «محمد عبدالوهاب- » الذي فاز بها في السنة نفسها مع «أم كلثوم»- حصل عليها باعتباره ملحنا ومؤلفا موسيقيا وليس باعتباره مغنيا، وقيل في تبرير ذلك أيامها وبعدها ان الغناء ليس فنا، لأن الأساس في الفنون هو «الابتكار» والمغني «يؤدي» ما يبتكره الفنان الذي هو المؤلف والملحن، وظلت الجائزة تخاصم كتاب السيناريو السينمائي والتليفزيوني، إلي أن حصل عليها قبل سنوات اثنان من ألمع كتاب هذا «الفن» هما الكاتبان الكبيران «أسامة أنور عكاشة» و«وحيد حامد».. مع أن السيناريو يقوم علي الابتكار، مثل المسرحية التي حصل كبار مؤلفيها - ومنهم «توفيق الحكيم» و«نعمان عاشور» و«ميخائيل رومان» و«ألفريد فرج».. الخ علي جوائز الدولة في سنوات مختلفة. ومن بين التبريرات التي تقال أحيانا، إن سبب غياب شعر العامية عن قوائم المرشحين لجوائز الدولة، هو أنه يكتب باللهجة العامية، وليس باللغة العربية الفصحي، التي تسعي جوائز الدولة لتشجيع الإبداع بها، وهو منطق لا يستقيم لأن معظم كتاب المسرح الذين فازوا بالجائزة، كانوا يكتبون نصوصهم بالعامية، كما أن ذلك لم يحل دون حصول كتاب القصة والرواية، الذين يديرون الحوار بين شخصيات أعمالهم بالعامية، علي جوائز الدولة، وإن كان قد حال دون اقتناء مكتبات المدارس نسخا من أعمالهم، اعتقادا من المسئولين في «وزارة المعارف»- آنذاك - بأن ذلك هو الذي يحافظ علي لغة الضاد، وهو الذي يشجع طلاب المدارس علي الحوار فيما بينهم باللغة الفصحي.. علي طريقة «ثكلتك أمك»! من بين الأسباب التي أدت إلي اختفاء أسماء شعراء العامية من قوائم الحاصلين علي الجوائز العامة والخاصة، أن المصطلح نفسه ظهر لأول مرة في منتصف خمسينيات القرن الماضي، مع صدور ديوان «صلاح جاهين» الأول «كلمة سلام»، متواكبا مع بروز الدعوة إلي تحطيم عمود الشعر التقليدي والانتقال إلي شعر التفعيلة الذي هجر رواده من الشعراء الذين يكتبون بالفصحي بحور الشعر التقليدية، وتخلوا عن القافية وتحرروا من أغراض الشعر الموروثة التي كانت تحصره في الفخر والهجاء والوصف والغزل والمراثي.. لتكون القصيدة وحدة واحدة تعبر عن ذات الشاعر، ويختل سياقها إذا حذف منها بيت واحد. وعلي عكس «الزجل» الذي كان آنذاك الوجه الآخر ل«القصيدة العمودية،» يلتزم مثلها بالبحور التقليدية والقافية الموحدة، والأغراض الثابتة، ولا يختلف عنها إلا بأنه يكتب باللهجة «العامية»، فقد نشأت «مدرسة شعر العامية»، لتكون الوجه الآخر لمدرسة الشعر الحر في الفصحي، متحررة مثله من البحور والقافية والأغراض التقليدية، معتمدة في موسيقاه علي التفعيلية، وفي قصائده علي تجربة الشاعر الذاتية، فكان طبيعيا أن يناله من الطيب الذي ناله الشعر الحر في بدايته نصيبا، وعلي عكس الأول الذي كان الكاتب الجبار «عباس محمود العقاد» - رئيس لجنة الشعر فيما كان يسمي آنذاك ب«المجلس الأعلي لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية» - يحيل ما يصله منه إلي «لجنة النثر» باعتباره - في رأيه - ليس شعرا، فقد احاط الصمت بتجربة شعر العامية في بدايتها، علي الرغم من تميز أعمال جيل الرواد الذي أسسه، فاختفي «فؤاد حداد» في معتقل الواحات ولولا الصحافة والكاريكاتير والغناء، لما لمع اسم «صلاح جاهين»، الذي يعود له الفضل في اكتشاف الجيل الثاني من شعراء العامية المصرية الذي اكمل المسيرة معه، وفي طليعته «عبدالرحمن الأبنودي» و«سيد حجاب» و«فؤاد قاعود». وبرز اسم «أحمد فؤاد نجم» في ساحة شعر العامية بعد نكسة 1967، فأضاف إلي ديوان شعر العامية، بصمته الخاصة المميزة، إذ جاءت قصائده تعبيرا عن بيئة مختلفة عن البيئات التي عبر عنها من سبقوه علي الرغم من أنهم جميعا كانوا يستلهمون البيئات الشعبية، وينهلون من التراث الثري للفلكلور المصري في أمثاله ومواويله وملاحمه وأغانيه واذكاره، وينتمون سياسيا وفنيا إلي اليسار فتأثر «فؤاد حداد» و«صلاح جاهين» ببيئة الطبقات الوسطي في المدينة، استلهم «عبدالرحمن الأبنودي» بيئة الجنوب الذي أمضي فيه طفولته وصباه، وفرضت «بحيرة المنزلة» التي جاء منها «سيد حجاب» صورها واخيلتها علي قصائده الأولى، وجاءت قصائد «أحمد فؤاد نجم» لتعبر عن بيئة من كان يسميهم «الجبرتي» ب«سكان الحارات البرانية من الزعر والجعيدية والحرافيش وأوباش الناس» الذين كانوا يعيشون في عهده، خارج أسوار القاهرة المملوكية، وانتقلوا بعد ذلك إلي داخل المدينة، والذين عاش بينهم «نجم» وتأثر بموروثاتهم الشعبية، وبروح المقاومة التي دفعتهم - ودفعته - لرفض الهزيمة والدعوة لتحديها. أما المؤكد هو أن «نجم» لم يسع يوما للحصول علي جائزة كان يعرف أن أحدا لن يمنحها له، علي كثرة الذين كانوا يعجبون بشعره، من أصحاب الجاه والنفوذ داخل مصر وخارجها، ليس فقط لأن شعر العامية المصرية، كان مرفرعا من الخدمة في معظم الجهات الرسمية والشعبية التي تمنح الجوائز أو لأن اشعاره كانت تتصدي بقسوة لكل أشكال القبح السياسي والاجتماعي والتي تفشت في الزمن الذي عاش فيه ،لكن - كذلك - لأنه كان يراهن دائما علي جائزة واحدة حصل عليها بالفعل وحرص علي أن يظل محتفظا بها علي الرغم من تغير الظروف وتقلب الأزمنة والأنظمة، هي الجائزة التي منحها له الذين تلقفوا أشعاره الأولي ليتخذوا منها زادا يتقوت به رفضهم للهزيمة، وشباب الجامعات الذي نهضوا في بداية السبعينيات يتظاهرون طلبا لتحرير الأرض وتحرير الإنسان، واتخذوا من ابيات قصائده هتافات لتظاهراتهم، وتدفأ بها ثوار يناير فى أثناء اعتصامهم في ميدان التحرير في ليالي البرد ليشحذوا عزيمتهم بأن النصر قادم لا محالة. أما المؤكد ثانيا، فهو أن «أحمد فؤاد نجم» - الذي لم يحصل علي جائزة في حياته- سوف يسعد بتخصيص جائزة لشعر العامية تحمل اسمه، إذ كان مفتونا بالمواهب الجديدة، التي احتشدت حوله واختار من أصحابها قصائد لحنها وغناها «الشيخ إمام» ويعتقد أن من واجبه، أن يكتشف هذه المواهب ويدفع بها إلي الإمام، وهذا هو الهدف الأساسي الذي من أجله تأسست الجائزة، لكن ذلك - علي أى حال - لن يمنعه من أن يعلق ساخرا - بالعين وليس بالشين - علي المفارقة التي قضت بأن تخصص جائزة باسمه بعد رحيله مع أنه لم يفز بأي جائزة في حياته!