قد يتساءل البعض متعجباً، لماذا لم يسع أعضاء مجلس نقابة المعلمين إلى سحب الثقة من مجلس النقابة الإخواني، على الرغم من أن التقارير تشير إلى أنه أهدر أموال النقابة على المصالح السياسية للجماعة، لماذا لم تسر نقابة المعلمين علي خطى مجلس إدارة نقابتي الأطباء والمهندسين؟ الإجابة هى، أن نقابة المعلمين تفتقد لعنصر الفاعلية، ويرجع ذلك إلى أنها تشكلت عام 1954 من مجموعة متنوعة من الروابط التى تضم المعلمين، منها رابطة التعليم الالزامى التى نشأت 1924 ورابطة الازهريين 1941 ورابطة المعلمين الجامعية 1942 ، ما زالت حتى يومنا هذا تخضع لقانون 79 لسنة 1969 والذى يشترط العمل بمهنة التربية والتعليم كشرط أساسى للانضمام الإجبارى لنقابة المعلمين. وبناءً عليه أصبحت النقابة أكثر النقابات المهنيه عدداً، وحتى نهاية الستينيات من القرن الماضى كان جميع الأعضاء معلمين بوزارة التربية والتعليم وأعدادا قليلة ممن يعملون بالمدارس الخاصة، وكان معظمهم من خريجى كليات التربية أو مدارس المعلمين أو تخصصات كلية الآداب. وفى منتصف السبعينيات بدأت الحكومة فى تشجيع المواطنين على الاستثمار فى بناء المدارس، مواكبة لسياسة الانفتاح الاقتصادى، وأصبح مجال التعليم من الأنشطة المربحة، وتصارع المستثمرون لفتح المدارس وانتشرت المدارس الخاصة بجميع مستوياتها، من مدارس ذات مستوى عال ومميز إلى مدارس تشبه دكاكين منح الشهادات. ويكفى أن نعرف أن اصحاب هذه المدارس لم يخضعوا لأى نوع من الضوابط التى كانت تكتب على الورق فقط ( قانون التعليم الخاص) فماذا تنتظر من مؤسسة تعليمية كانت ملكا لفران ( لدية مخبز كبير ومدرسة )، ومجموعة مدارس أخرى ذات شهرة كبيرة تمتلكها سيدة كانت تعمل حارس عقار هى وزوجها وحاصلة على دبلوم تجارة، مع احترامى للفران، وتقديرى لحراس العقارات. وفى منتصف الثمانينيات من القرن الماضى بدأت تظهر المدارس التى تسمى مدارس إسلامية، وكان الالتحاق للعمل فى هذه المدارس يعتمد فقط على ما ترتديه من ملابس أو تشترط ارتداء زى معين بعيداً عن التخصص والكفاءه، أما تلك المدارس التابعة للجمعيات الشرعية فحدث ولا حرج . فقد كان شرط العمل ذقنا ونقابا أو انتماء لجماعة معينة، ويكفى أن تجيد القراءة والكتابة كى تصبح معلماً، بل إن المدارس الحكومية باتت تستعين بجميع التخصصات الأخرى بعد أن قام وزير التربية والتعليم بإلغاء تكليف كليات التربية وأصبح الجميع يتم تعيينهم معلمين إلا خريجى كليات التربية، ويكفى أن تكون حاصلا على أى مؤهل كى تصبح مدرسا فى مدرسة حكومية، شريطة أن تكون لديك صلة قرابة أو معرفة، وإن كان ساعيا فى إحدى الإادرات التعليمية. بذلك أصبح التدريس مهنة من لا مهنة له، لقد أدى ذلك إلى ضعف التجانس الداخلى للنقابة، حيث يختلف الإعداد المهنى من مدارس متوسطة ومعاهد عليا وفنية تربوية وغير تربوية خاصة وحكومية، فماذا كانت النتيجة؟. تسبب ضعف التجانس والتماسك بين أعضائها فى فقدان عنصر الفاعلية، عجزت نقابة المعلمين على الانجاز على المستوى المهنى والسياسى وباتت ضعيفة التأثير في تحسين المهنة وإصلاح أحوال المعلمين وأوضاعهم، فضلا عن المشاركة فى تطوير التعليم، كما أن اعضاء النقابة لم ينجحوا حتى كجماعة مصالح تسعى للحصول على حقوقها، فنقابة المعلمين بكل المقاييس من أغنى النقابات على مستوى الجمهورية، من خلال الاشتراكات والمتحصلات التى تؤخذ من المعلمين. إلا أن استفادة الأعضاء منها ضئيلة وخدماتها متواضعة لا تتساوى والدخل الكبير للنقابة. اكتفى المعلمون بالحل الفردى المتمثل فى الدروس الخصوصية، الأمر الذى أوجد آلية جديدة لتحقيق المصالح بعيداً عن النقابة، فماذا ننتظر من نقابة هذا قومها؟ نقابة يفتقد أعضاؤها إلى الانتماء المهنى، وليس أدل على ذلك من نتيجة انتخابات التجديد النصفى للنقابة فى القاهرة، حيث فاز بجميع المقاعد الإداريون والعاملون بمبنى وزارة التربية والتعليم، والذين حصلوا على كارنيهات النقابة، على الرغم من عدم اشتغالهم بالتدريس أو حتى تعيينهم على درجة معلم. هناك فرق أن تكون تعمل بمهنة تعلمت من أجلها وتشعر أنك تنتمى إليها، وبين مهنة اضطررت للاشتغال بها لأنها متاحة، قد يقول البعض إن هذا حال كثير من المهن، وأنا أقول هل يسمح لأى شخص بمزاولة مهنة الطب أو الهندسة أو المحاماة لمجرد حصوله على مؤهل جامعى، هنا يمكن القول من حق كل من يجيد القراءة والكتابة (متعلم) مزاولة مهنة التدريس (أن يكون معلما). فإذا كان خطأ شخصى للطبيب والمهندس والمحامى قد يودى بحياة أفراد، فإن خطأ الشخص الذى يعمل بالتدريس قد يدمر جيلا بأكمله، هل وصلت إجابة السؤال؟. لمزيد من مقالات د. بثينة عبد الرؤوف رمضان