استبقت كل الاطراف المعنية فى الازمة الاوكرانية، الاستفتاء الذى من المقرر ان يجرى اليوم فى شبه جزيرة القرم حول انضمامها لروسيا بعد ما يقرب من ستين عاما تحت الحكم الادارى لاوكرانيا بتصريحات نارية تحمل فى طياتها مختلف صنوف الوعيد والتهديد، وإن صدرت فى لهجة توحى بالرغبة المشتركة فى التهدئة. الجميع يحاول الانطلاق فى مواقفه من القانون الدولي، وإن بدت موسكو اكثر اصرارا على موقفها من استعادة "حقوقها التاريخية" فى القرم رغم كل التهديدات الصادرة عن خصومها ممن تسميهم تأدبا ب"الشركاء". "للقرم مكانة خاصة فى القلب والعقل معا، ولا يجوز التعامل معها بعيدا عن سياقها التاريخي" .. هكذا اوجز سيرجى لافروف وزير الخارجية الروسية موقف بلاده من شبه جزيرة القرم التى طالما كانت ارضا روسية خضبتها دماء ابناء الامبراطورية الروسية طوال قرون عدة، وجرى ضمها بقرار من الزعيم السوفييتى الاسبق نيكيتا خروشوف يقضى بتبعيتها الادارية لاوكرانيا فى عام 1954 دون سند قانوني. وحين خرج الوزير الروسى لافروف ونظيره الامريكى جون كيرى بعد مباحثات مضنية طالت فى لندن اول من امس (الجمعة) لما يزيد عن الخمس ساعات، ليعقد كل منهما مؤتمره الصحفى منفردا عن الاخر، بات واضحا ان لقاء "الفرصة الاخيرة" لم يسفر عن تقليص هوة الخلافات بينهما، وان الجانبين صارا اقرب من ذى قبل الى "المواجهة"، وإن حرص كلاهما على تاكيد استبعاد اضفاء الطابع العسكرى عليها . الشواهد تقول ان موسكو حسمت امرها وقررت عدم تفويت الفرصة الراهنة لاستعادة حقوقها التاريخية، وتحمل كل تبعات القرار غير المعلن، ووطأة ما قد تتخذه كل الاطراف الاخرى مجتمعة، من عقوبات وقرارات اكد الكرملين انها لا بد وان تعود على اصحابها بذات التاثير والدرجة من الاضرار المشتركة!!. ولعل ما حرص لافروف على اعلانه فى لندن يؤكد هذا الاصرار :" اذا ما قال شركاؤنا الغربيون إن لكوسوفو وضعا خاصا، فاننا نرد على ذلك بان للقرم وضعية أكثر خصوصية،لا يجوز النظر اليها بمعزل عن التاريخ". ومضى لافروف ليقول:"أن القرم بالنسبة لروسيا تعنى أكثر بكثير من جزر القمر بالنسبة لفرنسا، وجزر فوكلاند بالنسبة لبريطانيا"، وإن لم يشر الى تمسك روسيا بها كقاعدة رئيسية للاسطول الروسى فى البحر الاسود!!. ويذكر تاريخ الامس القريب كيف شخصت الولاياتالمتحدة بكل قواها العسكرية فى مطلع ثمانينيات القرن الماضى لتساند القوات البريطانية التى انطلقت من اقصى الشمال الى اقصى جنوب النصف الاخر من الكرة الارضية لتستعيد ما وصفته بحقوقها التاريخية فى جزر الفوكلاند حين تجاسرت الارجنتين على استعادتها بالقوة العسكرية. وهنا تعود موسكو لتعلن من خلال كل ما تتخذه من قرارات ومواقف، انها باتت تدرك اكثر من ذى قبل ابعاد المخططات الغربية، وما يضمره الناتو من نوايا فى المنطقة، وما تريده واشنطن لاحقا من اجل ان تعيش روسيا ما سبق ولحق بالاتحاد السوفييتى السابق من ويلات التفكك والانفصال. وذلك وحده مبرر منطقى لما يبديه الكرملين من تشدد وتمسك ببنود القانون الدولي، اولا حول حق الشعوب فى تقرير المصير، وثانيا حول عدم مشروعية كل ما قام ويقوم به الناتو الذى يواصل "التهام" كل المناطق المتاخمة لروسيا، منذ حل حلف وارسو فى عام 1991، على طريق تحقيق الهدف النهائى الذى تدرك الصين المجاورة انه لن ينتهى عند الحدود الروسية!!. ومع ذلك فقد تقدم الجانب الروسى فى مباحثات لندن الى جون كيرى وزير الخارجية الامريكية بخطة عمل تقضى بضرورة تشكيل "مجموعة اتصال" من اجل مساعدة الاوكرانيين على تحقيق الوفاق الوطنى من خلال العودة الى اتفاق 21 فبراير الذى توصلت اليه المعارضة مع الرئيس المخلوع يانوكوفيتش بوساطة غربية. وتنص "ورقة العمل" ايضا على ضرورة البدء فى الاصلاحات الدستورية بمشاركة واسعة من كل الاطراف الاوكرانية قبل اجراء الانتخابات الرئاسية، فيما تتضمن بندا يعترف بمشروعية استفتاء القرم، وهو ما لم يلق قبول الجانب الامريكي. ومن اللافت فى هذا الصدد انه وفى الوقت الذى تحاول فيه موسكو البحث عن حلول عملية للازمة الراهنة، يعلن الغرب مقدمة عقوباته التى من المقرر ان تكون سارية المفعول اعتبارا من 17 مارس الجاري، بحق العديد من ابرز رموز القيادة الروسية وفى مقدمتها سيرجى شويجو وزير الدفاع، ونائب رئيس الحكومة دميترى روجوزين، ورئيس ديوان الكرملين سيرجى ايفانوف، وسكرتير مجلس الامن القومى الروسى ورئيس جهاز الامن والمخابرات ورئيس لجنة الشئون الخارجية فى مجلس الدوما وآخرين. اما عن رد الفعل فلم يعلن الجانب الروسى بعد موقفه من تسريب تفاصيل هذه القائمة، وما قد يتبع ذلك من اجراءات اخرى تقول المصادر ان موسكو بصدد الكشف عنها وتشمل شخصيات امريكية بارزة من منطلق مبدأ "المعاملة بالمثل"!!. ونأتى لاستفتاء اليوم فى القرم لنقول انه سيظل علامة فارقة فى تاريخ شبه الجزيرة،على اعتبار انه المقدمة "القانونية" لعودة القرم الى اصولها التاريخية حسب تعبير ابناء شبه الجزيرة، فى توقيت مواكب لاحتشاد الالوف من ابناء كبريات المدن والاقاليم الروسية تأييدا لحقوقهم فى العودة الى احضان الاشقاء فى الوطن الام. وكانت موسكو وفى محاولة لاحتواء معارضة تتار القرم ممن يظلون على كراهيتهم التاريخية لروسيا منذ سنى الامبراطورية القيصرية دخلت فى اتصالات مباشرة مع ممثلى هذه الطائفة التى يبلغ تعدادها نسبة تقترب من 15% من سكان القرم لاثنائهم عن مقاطعة الاستفتاء والابتعاد عن معسكر الخصوم فى كييف. وكان منتيمير شايمييف الرئيس السابق لتتارستان وخلفه رستم مينيخانوف وعدا تتار القرم بالكثير من الامتيازات المادية والاستثناءات القانونية، فضلا عن اتصال الرئيس بوتين التليفونى المباشر مع مصطفى جليلوف رئيس "مجلس التتار"(البرلمان) واحد نواب حزب "باتكفشينا" من اجل اقناعه بالموافقة على الاشتراك فى استفتاء القرم واستمالته من خلال الكثير من الوعود التى تضمن لتتار القرم المزيد من الحقوق فى الفترة المقبلة. وعلى طريق "التنازلات" مضت موسكو لتعلن على نحو غير مباشر عن موافقتها على الجلوس الى مائدة المفاوضات مع السلطة الاوكرانية الجديدة فى كييف رغم تأكيداتها حول عدم مشروعيتها، فى محاولة للفت الانظار بعيدا عن استفتاء القرم، وهو ما ادركت واشنطن وحلفاؤها مغزاه، لتواصل الضغوط من اجل دفع الكرملين الى اثناء قيادات القرم عن اجراء الاستفتاء او على اقل تقدير انتزاع وعد بعدم الاعتراف بنتائجه. وكان الوزيران لافروف وكيرى اتفقا فى لندن ورغم اتساع هوة الخلافات بين الجانبين، على اللقاء لاحقا لمواصلة مباحثاتهما على ضوء ما سيسفر عنه استفتاء القرم من نتائج معروفة سلفا، وما قد يعلنه الرئيس بوتين من تصريحات ومواقف، ستحدد الكثير من ملامح الاتصالات والتطورات لاحقا فى الساحتين الاقليمية والدولية.