فى العلاقات الدولية الراهنة الجائزة الكبرى هى تأكيد استراتيجية الهيمنة بأشكال مختلفة على مواقع وأماكن جغرافية حاكمة فى صراع الأقطاب. مثال ذلك الشرق الأوسط الذى يمكن تقسيمه الى 1- الشرق الأوسط القلب الذى يضم كل البلاد العربية من مصر الى العراق ومن سوريا الى اليمن ودول الخليج العربى 2- الشرق الأوسط الكبير من القوقاز الجنوبى الى الصومال ومن افغانستان الى المغرب وموريتانيا شاملا ايران وتركيا واليونان فى الشمال ودول حوض النيل الشرقى (السودان واثيوبياوالصومال واريتريا) وليبيا وتونس والجزائر والمغرب. هذا الاقليم يمثل نطاقا أرضيا كبيرا بين جيوبوليتيكية روسيا فى مواجهة جيوسياسة أوروبا الغربية. وبالتالى فهو منطقة صراع طويل بين جبهتين : القوى الروسية تتحرك جنوبا من سهول أوكرانيا والقوقاز ووسط آسيا لتلقى بالنفوذ الأوروبى المتغلغل فى الشرق الأوسط قادما من البحر المتوسط ومن الهند لمنع روسيا من التقدم الى المياه الدافئة. ليس الاستحواذ أو احتكار مصادر الطاقة هو العامل الحاسم فى التحليل السياسى لأحداث المنطقة. فهو اذا اقتصر على ذلك يصبح تحليلا احاديا لا يتفاعل مع عوامل اخرى سياسية اقتصادية وعسكرية معا. فالبترول الصخرى الكندى والأمريكى الآن أصبح مستقبلا للطاقة فى امريكا الشمالية دون الالتجاء الى الاستيراد. بينما أوروبا لا تزال فى قبضة مصادر الطاقة من خارجها. ومن هنا يمكن فهم خلافات أوروبا وامريكا فى استراتيجيات وسياسات متعددة لكنها لا تطفو للسطح الا قليلا. فالبترول ليس كل مكونات الخلافات بين اوربا وامريكا أو بين أوروبا وروسيا . فهناك صراعات مكتومة بين أمريكا وأوربا حول محاولات الهيمنة أو التدخل أو التجسس الأمريكى أو اقامة الدرع الصاروخية فى بولندا وتشيكيا حول روسيا أو التدخل الفج الأمريكى فى اوكرانيا والقوقاز ضد روسيا. وبالمثل صراعات مماثلة بين أوروبا وروسيا حول الحدود المتشابكة لحلف الأطلنطى والتحاد الأوروبى خاصة فى البلقان والبلطيق. صحيح أن البترول مؤهل لتفسير سياسات كثيرة فى الشرق الأوسط. فلا شك فى أن الحصول على موارد الدول النامية من مصادر الطاقة الحالية والمستقبلية بخاصة الحقول البحرية الحديثة فى البحر المتوسط واحتمالات ذلك فى البحر الأحمر أمر مهم لكنه فى نهاية الأمر ليس إلا صورة واحدة من صراع بين اللاعبين الكبار يستخدمون دول المنطقة كمحك للقوة بينهم. لكن برغم الارتباطات البترولية لدول الخليج مع امريكا واوروبا فإن ذلك لم يمنع السعودية والكويت والامارات من اتخاذ مواقف ضد بوليتيكية أمريكا الساعية لدعم محاولات استعادة الهيمنة الاخوانية التى أعدت مصر لتكون مركزها العصبى فى الشرق الأوسط القلب. وربما الخلاف الأمريكى الأوروبى فى هذا الطرح بالذات هو هل عودة حكم الاخوان أم عدم استبعادهم كفصيل سياسى فى المكون السياسى الجديد فى مصر؟ وحينما سحب الشعب ثقته من حكم الاخوان اتقد الصراع فى جبهتين الأولى عدم تقبل الاخوان وامريكا وخروج الاخوان بعد أن رسموا متغيرات المنطقة على ركيزة مصر الاخوانية. وما يمارس الآن من اعمال لارهاب الدولة بغض النظر عن سقوط ضحايا كثيرة قد أدى الى ضرر فادح على مستقبل الاخوان السياسى فى مصر ومستقبل العلاقات مع الدول الداعمة لهم. هو ضرر لهم أكثر من اضرارهم بمصر وإن كان يؤدى الى ابطاء ملحوظ فى التوجه نحو البناء الاقتصادى الاجتماعى المطلوب. والجبهة الثانية ضد مصر هى «حرب» حول مياه النيل تستخدم فيه اثيوبيا وتُستخدم كمخلب للقوى الغربية المناوئة لتشتيت الجهود بفتح جبهات تهدد مورد الحياة المصري. هو تهديد بفاعلية زمنية مؤقتة هى سنوات امتلاء بحيرة سد النهضة الاثيوبى 5 أم 10 سنوات. هناك حملات اعلامية مضخمة تخيف مشاعر المصريين بتأييد حق اثيوبيا فى التنمية . هل الهدف أن تعود مصر كجزء حيوى من الجيوبوليتيك الأمريكى للمنطقة وبالتالى تخفيف مضار الاصرار الاثيوبى على استكمال سد النهضة ولكن فى حدود حجم يؤمن مصر حصتها من المياه؟ هل يحدث هذا بتوقف الدول الأجنبية المانحة لاثيوبيا حتى تحل الأزمة باعتبار ان السد قد دخل مجالا سياسيا بين دول حوض النهر؟ أغلب خيارات اثيوبيا أن التراجع سيؤدى الى سقوط الحزب الحاكم وبالتالى ستظل اثيوبيا وسد النهضة مصدر تهديد لمصر فترة زمنية حتى تتغير توجهات الصدام الداخلية والخارجية التى تزيده اشتعالا. ختاما الأمر مرهون بمدى الصمود المصرى أمام واقع مؤقت يمكن تجاوزه أولا باستمرار استخدام السياسة والقوانين الدولية فى موضوع مياه النيل ، وثانيا وربما هو الأهم والأجدى والأسرع- العمل الجدى لوضع اطار شامل تلتزم به كل حكومة تأتى دون تغيير فى الأهداف. يشتمل هذا الاطار التنموى على تنويع مصادر الحياة بتحديث وتنمية ما لدينا من اقتصاد متعدد مع التأكيد على فتح مجالات صناعية أكثر من مشروعات الزراعة الكبرى شبه المتوقفة بيروقراطيا ومائيا. ربما بذلك نقوى داخليا فينعكس على موقفنا الاقليمى والدولى من موقف قوة. مرت مصر كثيرا بمواقف انتهت ببطلان الأزمات وبقاء مصر دولة الشعب والحضارة والاعتدال. لمزيد من مقالات د. محمد رياض