كان يري أن الفن يعبر ولا يروي.. يشير ولا يشرح.. لذا انهمك بشدة في طرق متشعبة بلا سياج.. حرص دوما علي ان يظهر عالمه الداخلي بكل ما يموج به من انفعالات للعيان.. كان متعددا.. شاعرا وفيلسوفا ومثقفا ثوريا.. مجددا.. يساري الهوي.. ريفي الجذور والمنبت.. ناري المزاج.. عوالمه تتماشي فنيا مع بيكاسو وماتيس في الخطوط وجوجان وفان جوخ في الألوان.. وكان عالميا بفكره إلي ابعد الحدود.. روحه تنطوي علي شيء من الصوفية التي تتوق للمعرفة وفض الأسرار لتغذية الحدس وتنقية النفس من الشوائب.. اعتاد الذهاب إلي أبعد مما يتراءي في الأفق. إنه حامد عبد الله1917 ..1985 الفنان التشكيلي الكبير الذي لم يحصل علي ذيوع الصيت والشهرة بما يتوازي مع مكانته الفنية.. شأن بعض العظماء الذين لا يعيرون هذا الأمر اهتماما كبيرا.. طالما أنهم يسيرون في الدرب الصحيح من وجهة نظرهم.. ومن ثم لا يحرصون علي انتزاع التقدير والسعي في المحافل الفنية وترويج الذات ولكنها الموهبة وحدها ترتد علي صحابها ولسان حالها يقول هذه بضاعتنا ردت إلينا, والآن بعد مرور28 عاما علي وفاته أخذت أسرته علي عاتقها.. إعادة التعريف به في الأوساط الفنية في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط خاصة بين الأجيال الجديدة التي لم تعاصره وتم تجميع معظم أعماله وسيرته الذاتية في كتاب أنيق بثلاث لغات العربية والانجليزية والفرنسية, وقد تفرغ الفنان كريم فرنسيس لهذا العمل تماما لمدة خمس سنوات كاملة مع سمير ابن الفنان.. فحامد عبد الله هو رائد التشكيل بالحروف, وقد أشار إليه قاموس بتي لاروس الشهير للفنون راصدا قدرته الخارقة علي تطويع كل مفرداته وأسلوبه الشخصي.. هذا الفنان العصامي الذي ذكر انه لم تكن له مرجعية فنية لأن والده كان مزارعا أميا من سوهاج ثم استقر في منيل الروضة بالقاهرة في قطعة أرض زراعية صغيرة.. وألحق حامد بقسم الحديد المشغول في معهد الفنون التطبيقية.. فتمرد علي أسلوب التدريس.. لكنه اكتسب من الحديد الصلابة وقوة الإرادة.. طحنته ظروف الحياة واضطر للكدح عاملا حتي يتمكن من تدبير نفقاته.. ولم تمر أعوام قليلة حتي بدأ نضجه الفني يؤتي ثماره فأقام أول معارضه عام..1938 يقول عنه الأديب الكبير أدوارد خراط: لا أظن أن فنانا مصريا استطاع أن يسيطر علي مراحل فنه المختلفة بأستاذية وإلهام لا يخطئ مثله, علي الرغم من تنوع المراحل واتساقها في آن مثلما فعل حامد عبد الله. تزوج في بداية حياته من الفنانة الكبيرة تحية حليم.. وكان بالنسبة لها بمثابة المعلم الأول, وكان هذا الدور اثيرا بالنسبة له, حيث تتلمذ علي يده الكثيرون من مشاهير الفن في مصر والملكة فريدة أيضا.. حيث كان يمتلك مدرسة لتعليم الفنون بشارع شامبليون منافسا الإيطاليين الذي كانوا رودا في هذا المجال.. ترك مصر عام1956 متوجها إلي الدانمارك, حيث تزوج وانجب ثلاث أبناء ولدين وبنت, وفي عام1966 استقر في باريس وذاعت شهرته في أوروبا كلها وكتبت عنه الصحافة هناك: فنان مصري يكتسح باريس بأعماله المبهرة. مرت حياته الفنية بمراحل.. بدأ واقعيا وانتهي تجريديا..وهو أكثر فنان مصري أقيمت له معارض في معظم عواصم العالم, يقول عنه ابنه سمير: عاد أبي إلي مصر بعد عام1971 بعد وفاة عبد الناصر مستشعرا مدي الخسارة التي منيت بها مصر والأمة العربية بوفاة هذا الزعيم.. وتعتبر فترة السبعينيات من أكثر فترات حياته خصوبة.. حيث كان يرسم أكثر من عشرة أعمال في اليوم الواحد.. عالج حامد عبد الله موضوعات كثيرة, وعن اسلوبه الفني يوضح لنا الناقد الكبير صبحي الشاروني إنه بعد هجرته إلي أوروبا اتجه إلي التشكيل بالحروف.. لما يحققه هذا الأسلوب من تعبير جمالي من وحي الكلمات التي كان يرسمها معبرا عن معناها.. حتي أن مضمونها كان يصل مباشرة لمن لا يعرف العربية.. فعبد الله سبق الجميع بهذا الأسلوب وكان أسبق من العراقيين الذين اسسوا جماعة الحروفيين في السبعينيات.. لكنه بدأ في الستينيات وكان يمتلك نظرة نادرة في التكوين وأعماله دائما مكتملة شأن المذهب الفلسفي أو النظرية المغلقة التي لا مجال لتجديدها إلا بنظرية جديدة.. كان حريصا علي توزيع الألوان بطريقة مبهجة حتي وهو يكتب كلمة مهزوم.. ويرصد الفنان كريم فرنسيس الموضوعات والعناوين التي عالجها حامد عبد الله من خلال الرسم بالكلمات فنجدها تشمل كل مفردات الحياة تقريبا الحزن القهر العبودية الركوع الألم الثورة الهزيمة الحرية. كان هذا الفنان النادر مدفوعا بدهشة طفولية بمجرد ان تلمس ريشته سطح اللوحة.. يشعر بنشوة عجيبة تسري في اوصاله وهو يكابد هذه الانفعالات التي تتوق للانطلاق من فرشاته. صديقته الشاعرة الفرنسية المصرية الأصل اندريه شديد وصفته وهو في حالة من حالات تجلياته الفنية قائلة: بشر ومشاهد طبيعية تنبثق من سطوح متشققة للطمي والشغف كان حامد عبد الله يسميها علامات عالمه هنا في باريس ممتزج بعوالم مصر.. الباقية ابدا في نبضات دمه.. الكلمات دوما فائضة عن الحاجة عندما تقترب من اللوحة.. عالمه يحوي بعضا من عوالمنا أشياء تكشفها لنا عينه اليقظة.. يلاحق دوما معاني الأشياء الغامضة والنابضة وهو يمشي بلا هوادة يكدح. من منيل الروضة إلي باريس مرورا بالدانمارك وأوروبا مستلهما مواضيعه من بيئته الشعبية الأولي ثم من مصر كلها.. فالوطن العربي والانسانية جمعاء. استمد عبد الله قوته من اصوله وتجاربه.. مهارته تتجلي في تجسيد خلجاته إزاء الآخرين في لوحاته.. كان يعتز باللغة العربية وقرآنها الذي حفظه في الكتاب.. ويستشهد بفن الرقش العربي الذي اطلع عليه الغرب واعتبره الفيلسوف الألماني كانط.. قمة فنون العالم.. حروفه شخوص وعوالم قائمة بذاتها فكلمة جبان تنطوي علي كل معاني الانكسار والخنوع واحيانا يشعر المتلقي ان اللوحة توحي بشيء من الهيروغليفية العربية ان جاز التعبير.. كان صاحب مدرسة جريئة في استخدام الألوان عنها يقول: ألواني تتناسب وطبيعتي كمصري.. يخطئ الرسامون الغربيون إذ يعتقدون أن الشرق يستدعي الألوان الحارة.. بينما اللون الأبيض هو الذي يهيمن علي خشبة الألوان المصرية.. ومرد ذلك أن الضوء المبهر الخاص بمصر يخفف من حدة الألوان وكثافتها في خضم هذه الارتجالات الخطية كما اطلق عليها.. رسم وجوها مستوحاة من كنيسة سلاتين في صقلية.. يظهر فيها تأثير الخط العربي. كل وجهة نظر جامدة تستحيل إلي عقيدة ثابتة.. لكي يتجنب ذلك ظل محلقا مغردا في سماء الفن.. يرسم اللحظات الحرجة التي يمر بها الوطن وهو في غربته.. واتخذ من الفن سلاحا وبعد أن أصبح الواقع خيالا.. آثر الرحيل تاركا وراءه كنزا من الإبداع والجمال في ركام من التخريب والارهاب نعاني منه الآن.. يدفعنا للتمسك بالفنون لأنها الوسيلة الأولي للارتقاء وتعليم البشر بصورة فطرية نسبية الحكم علي الأشياء وعدم اصدار احكام مطلقة.. أليس هذا هو لب مشكلتنا الحالية؟