منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلي السلطة في تركيا عام2002 لاحت في الأفق تغييرات عميقة في السياسة التركية عامة وتجاه جوارها العربي بصفة خاصة, والتي تأكدت مع تولي أردوجان رئاسة الحكومة في14 مارس.2003 بعد أن تمكن من إسقاط الحكم الصادر ضده, والذي سجن علي إثره عام1998 بتهمة التحريض علي الكراهية الدينية حيث اقتبس في خطاب له أبياتا من شعر تركي يقول فيه: مساجدنا ثكناتنا.. قبابنا خوذاتنا... آذننا حرابنا.. والمصلون جنودنا.. هذا الجيش المقدس يحرس ديننا. ليؤكد انتماءه وحزبه لتيار الاسلام السياسي. فقد تشكل حزب العدالة والتنمية من قبل النواب المنشقين من حزب الفضيلة الإسلامي الذي كان يرأسه نجم الدين أربكان وتم حله بقرار المحكمة الدستورية التركية عام.2001 وكانت النية مبيته والنزعة واضحة نحو توسيع النفوذ التركي من خلال إضعاف الدول العربية الكبري حتي تتمكن تركيا من قيادة المنطقة العربية, التي نفضت الغبار التركي وظلام الجهل العثماني الذي فرضته القسطنطينية عليها, وجردها من طاقاتها الإبداعية, واستقلالها الوطني وكرامتها لقرون, وذلك بعد أن قام محمد علي باشا بتحرير مصر مطلع القرن التاسع عشر, وقاد الشريف حسين بثورة عربية كبري في الحجاز والشام ضد الاستعمار العثماني المستبد مطلع القرن العشرين. وبدأت دعاوي إحياء الخلافة الاسلامية في المنطقة أو ما عرف بالعثمانية الجديدة, والتي كانت العراق أولي ضحاياها. ففي6 فبراير2003 وافق حزب العدالة والتنمية علي توسيع ورفع مستوي القواعد الأمريكية في تركيا استعدادا لقدوم قوات غزو العراق, أعقب ذلك إرسال5000 جندي تركي إلي الحدود العراقية. ورغم تصويت حزب العدالة والتنمية في1 مارس2003 لصالح غزو العراق وانضمام تركيا للتحالف الدولي ونشر62 ألف جندي أمريكي ومئات الطائرات الحربية لهذا الغرض, ودعوة أردوجان للموافقة علي القرار ومشاركة الجيش التركي في الغزو لوجود فوائد ستعود علي تركيا من جراء ذلك, فإن البرلمان التركي رفض نتيجة رفض حزب الشعب والاحزاب القومية العلمانية ولم تتحقق الأغلبية بفارق3 أصوات. وعاد حزب العدالة والتنمية ووافق في19 مارس2003 علي فتح المجال الجوي التركي للولايات المتحدة دون قيد أو شرط واستطاع استقطاب الأغلبية المطلوبة هذه المرة والحصول علي موافقة البرلمان. ولم يتوقف منذ ذلك الحين العبث التركي بأمن العراق واستقراره ووحدة وسلامة أراضيه. وقبيل ثورات الربيع العربي بدا التحالف بين أردوجان وتنظيم الإخوان واضحا جليا وأخذ الطرفان في التخطيط معا لتمكين الإخوان من سرقة ثورات شعوبنا الحرة في تونس وليبيا ومصر وسوريا واليمن وغيرها من الدول العربية لتعود القيادة التركية البغيضة للمنطقة تحت حكم المماليك من الأخوان المسلمين في هذه البلدان, الذين قبلوا خيانة أوطانهم وشعوبهم وعروبتهم, ووضعوا أيديهم في يد الشيطان التركي ليعبثوا معا بأمننا واستقرارنا من أجل مصالح شخصية ضيقة وزعامة وهمية لن تسمح إرادتنا الحرة بأن تتحقق أبدا. ويفسر هذا الجنون الذي أصاب أردوجان عقب ثورة30 يونيو التي أطاحت بأحلامه وأدت إلي القضاء علي مشروعه. فقد استثمر الجهد والمال في دعم التنظيم الإخواني اعتقادا منه أنه سيكون السلم الذي يصل به إلي السحاب, فإذا به يجد نفسه معلقا في الهواء تهوي به الريح. إلا أنه لا يوجد شيء علي الإطلاق يبرر الإساءات البالغة التي صدرت عن أردوجان في حق مصر والمصريين, والتي جاوزت كل التقاليد والأعراف الدولية, ومثلت خرقا للقواعد الدبلوماسية التي تحكم العلاقات بين الأمم والشعوب المتحضرة. ولم يقف الأمر عند حد التجاوزات اللفظية المسيئة والمؤتمرات البهلوانية التي لا تليق بقادة دول حيث قام أردوجان وحكومته بالتدخل السافر في الشأن الداخلي المصري علي النحو الذي يهدد أمننا القومي من خلال الدعم غير المسبوق لتنظيم الإخوان, بل وسمح لنفسه بمناقشة الوضع الداخلي المصري في اجتماعات التنظيم الدولي للإخوان بأسطنبول, واتخاذ قرارات من شأنها زعزعة الاستقرار في مصر وتمكين الجماعات المتطرفة من ممارسة نشاطها الإرهابي علي أرض وطننا الحبيب لترهيب المصريين وحصد أرواح الأبرياء من مواطنينا وجنودنا. لقد استقبلت وغيري كثيرون قرار قطع العلاقات الدبلوماسية مع تركيا بمزيد من الارتياح, فقد كان قرارا صائبا وإن جاء متأخرا بعض الشيء. وودت لو شمل القرار دولا أخري تجاهر مصر العداء وتتعمد أيضا العبث في الداخل المصري رغم كونها ليست ندا لنا في شيء وفي مقدمتها قطر. إن مصر ستظل قوية بشعبها الحر وجيشها الباسل, وستمر هذه التجربة المريرة, والمرحلة الصعبة من تاريخنا كما مرت مراحل أصعب في الماضي, ولكن علينا استيعاب ما تحمله لنا من دروس وعظات, ومنها أن أرباب السجون لا يمكن أن يقودوا شعوبا حرة, ومكانهم حيث يجب أن يكونوا في مزبلة التاريخ. لمزيد من مقالات د.نورهان الشيخ