تعرضت الفلسفة عبر فترات تاريخية متنوعة للعديد من محاولات التحريم والتكفير والاجهاض والإقصاء والمنع, وربما يعود ذلك إلي أن الفلسفة عادة ما تتخذ موقفا نقديا ورافضا تجاه السلطات القائمة وتعري الأوهام البشرية. وتناقش وتحلل وتفند الأفكار القديمة والموروثة مما يجعل منها خطرا يهدد كافة المنتفعين وأصحاب المصالح ممن لايرضيهم تغيير الأوضاع القائمة أو الثورة عليها. والواقع أن الموقف النقدي للفلسفة قد يختلف كما وكيفا وفقا لاختلاف المراحل التاريخية المتنوعة. لكن الحقيقة التي لا يمكن انكارها هي أن الفلسفة لم تتخل أبدا في أي عصر من العصور عن ممارسة دورها, وحتي في أحلك العصور, وفي ظل أشد الحكومات تسلطا كنا نجد فلاسفة عظاما يعرضون أنفسهم للنفي أو القتل أو التعذيب والاضطهاد.. كل ذلك من أجل تلك الكلمة الرائعة التي تسمي' الحقيقة', وشهداء الفكر كثيرون: سقراط, الحلاج, السهروردي, جوردانو برونو, روزا لوكسمبورج.. وآخرون غيرهم ضحوا بحياتهم وسعادتهم من أجل حرية الإنسان وكرامته. والهدف الدائم للنقد الفلسفي الأصيل هو ألا يضيع الإنسان في واقع مزيف, أو يستسلم لحقيقة كاذبة, أو يخضع لأفكار وأنماط من السلوك يتوهم أنها أبدية, أو مقدسة, وفوق النقد. إن النقد الفلسفي يهدف إلي ايقاظ الوعي الإنساني, وبعث القدرة علي الرفض: رفض القيم والتقاليد والتصورات التي من شأنها أن تلغي حرية الإنسان, وتحرمه حقه في التفكير المستقل وتقمع قدرته علي الفعل المبدع الخلاق. وقدرة الفلسفة علي النقد تجعلها في عملية صدام دائم مع رموز السلطة سواء أكانت هذه السلطة دينية أم سياسية, أم سلطة الموروث القديم من العادات والتقاليد. والسلطة واحدة وإن اختلفت أو تنوعت مظاهرها, وتتحدد قدرة الفلسفة وأصالتها في مدي صمودها وعدم استسلامها أو خضوعها للسلطات, فالفلسفة تموت... إذا ما انهزمت أمام السلطة وتخلت عن دورها في التمسك بحرية الفكر, ووظيفة النقد, وضرورة التغيير, والعكس صحيح, تحيا الفلسفة إذا ما قام العقل بوظيفته الأساسية في التحليل والنقد من أجل التغيير. وإذا كانت الفلسفة قد شكلت أساسا فكريا لعدد من المشاريع السياسية كالماركسية والليبرالية, فإن إخفاق أي مشروع من هذه المشاريع في تحقيق أهدافه المرجوه لايعني أن نعلن يأسنا منه بوصفه مشروعا فاشلا, وبالتالي فإن علينا أن نستبدله بالمشروع المناقض له. أعني أن فشل الاشتراكية لا يعني أن الرأسمالية هي سفينة نوح الجديدة, وإنحراف مسار الليبرالية لا يعني أن الديكتاتورية هي البديل المناسب. وإنتهاكات الأنظمة العلمانية لحقوق الإنسان لا يعني أن الحكومات الدينية هي الحل. فالمذاهب الفكرية والسياسية ليست أقراصا مسكنة أو وصفات جاهزة يمكن بها علاج أزمات الشعوب. إن إخفاق فكرة معينة في التطبيق لا يعني أنها قد انتهت تماما, لأن الأفكار العظيمة لا تموت, وإذا ماتت في زمن ما أو في مكان ما, فإن هذا لا يعني نهايتها إلي الأبد, لأنها يمكن أن تبعث من جديد في زمن آخر ومكان مغاير, ويبدو أن ملاحظة' إرنست بلوخ' في هذا النطاق صحيحة, إذ يري أن المشاريع الفكرية الراقية والمتميزة يمكن أن تعيد إنتاج نفسها بصورة تقدمية في وعي ثقافي جديد, لأن كل فكرة عظيمة تتضمن' فائضا يوتوبيا'( مستقبليا) يتجاوز أساسها الأيديولوجي المرتبط بمكان وزمان محددين, وهذا الفائض اليوتوبي هو القوة أو الطاقة التي تمنح أي ثقافة القدرة علي إنتاج ذاتها في إبداعات وقراءات وتفسيرات جديدة تتوائم مع الواقع التاريخي المتغير والمتطور. ويمكن تفسير ظاهرة خلود واستمرار بعض الأعمال العظيمة في الفن والعلم والفلسفة من خلال فكرة' الفائض اليوتوبي', لأن هذا الفائض يجعلها تتجاوز الوعي الزائف, وتتمرد علي أي محاولة لتوظيفها في تبرير السلطة السائدة, ومن ثم تصبح موجهة ناحية المستقبل, ومن الممكن نقلها من تربتها التاريخية والاجتماعية الأولي, واحيائها في تربة ثقافية مغايرة. إن الفلسفة عبر تاريخها الطويل استطاعت أن تقدم لنا أفكارا عظيمة تمثل هذا الفائض اليوتوبي الذي يتجاوز حدود الزمان والمكان, ويسعي إلي التحرر من مأزق الأيديولوجيا. فمقولات مثل الحرية( بمعناها العقائدي والفكري والسياسي), والعدالة أو المساواة( بشقيها الاقتصادي والسياسي), والسعادة( بجانبيها الفردي والجمعي) تشكل من وجهة نظري المبادئ العامة أو الأساس الفكري الذي من خلاله تؤكد أي فلسفة مدي إنحيازها للإنسان بصرف النظر عن لونه أو جنسه أو ديانته أو طبقته. وعلينا كباحثين أن نعيد قراءة الفلسفة عبر هذه المقولات بحيث نبقي فقط علي تلك الفلسفات التي تتفق معها, أما الفلسفات التي يمكن أن تتعارض مع أي من هذه المقولات فيجب استبعادها بوصفها أفكارا متخلفة يجب أن نلقي بأوراقها الصفراء في أقرب سلة مهملات. غير أن دفاعنا عن هذه القيم أو المقولات الفلسفية الراقية لا يجب أن يفهم منه إننا ندافع عن مطلقية القيم, لأنه لا معني لأي مطلقات في العالم الإنساني ولكننا فقط ندافع عن قيم لها طابع اليقين النسبي, وتتمتع بقدر من الكلية والعمومية. وهذه القيم التي نقصدها ليست مستقاه من العدم, ولكنها جماع تجربة الإنسان الحضارية الطويلة, ونتاج رحلة النضال البشري الساعي إلي كسب الحرية والوصول إلي العدالة وتحقيق السعادة لبني البشر. وبوسعنا أن نجد هذه المبادئ والقيم في كل الفلسفات التي جعلت الإنسان شاغلها الأوحد. ومع ذلك فإن هذه الأفكار إذا ظلت أفكارا في رؤوس معتنقيها, فإنها ستكون عديمة التأثير, إذ لابد وأن نناضل من أجل أن تتحقق, وكي تتحقق لابد وأن يكون ذلك من خلال قوي اجتماعية وطبقية مؤثرة, تتبني هذه الآمال, وتؤمن بها وتسعي بكل الطرق لتحقيقها. وفي هذه الحالة قد يحدث أن تتحول هذه الأفكار الراقية إلي أيديولوجيات تدافع عن مصالح طبقية ضيقة, وتتخلي عن دعواها الإنسانية الواسعة. وهنا تنشأ الحاجة مرة أخري إلي رؤي فلسفية جديدة تتبني أفكارا مغايرة, وتسعي إلي تجاوز ما هو قائم, وتتبني قيما وآمالا إنسانية جديدة تتجاوز كل ألوان التعصب الديني, والتحيز الطبقي والعنصري. وهكذا يمكننا القول أن تاريخ الفلسفة هو في نفس الوقت تاريخ الصراع بين الفلسفة والأيديولوجيا, أو بين التسامح والتعصب, وبين الحرية والقمع وبين المنفتح والمنغلق.... أخيرا فإن علي الفلسفة اليوم وبعد أن اجتاحت الثورات البلدان العربية ألا تقف صامتة أمام ما يتعرض له البشر خاصة في عالمنا العربي من قهر وتشويه وإرهاب وقمع. ان عليها أن تستعيد رسالتها العظيمة التي طالما لعبتها في عصور التاريخ, ألا وهي التذكير الدائم بالإنسان واحترام كل ما هو إنساني بغض النظر عن الفروق الطبقية والسياسية والدينية, وبرغم هشاشة ونعومة ورومانسية هذا النداء, إلا إنه قد يكون بمثابة شعاع يخترق ظلمة الليل الكئيب, وربما يكون بمثابة الصرخة التي تدوي في صمت اليأس الرهيب. لمزيد من مقالات د.حسن حماد