دخل رسول الله يثرب مهاجرا مع من هاجر معه من مسلمي قريش وكانوا علي غير عهد بالزراعة, فوجد أنصار المدينة يزرعون ويهتمون بالزراعة اهتمام المهاجرين بالتجارة, فقال من أحيا مواتا فهي له أي من استصلح أرضا بورا واستزرعها كانت ملكا له ويقول عليه الصلاة والسلام في حديث آخر من غرس غرسا أو زرع زرعا تأكل منه دابة أو بهيمة أو إنسان كتب له بها صدقة. إلي هذا الحد كان اهتمام الرسول بالزراعة واستصلاح الأراضي وهو في أولي مراحل بناء الدولة الإسلامية بالمدينة. ويقول الحق تبارك وتعالي في كتابه الكريم وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون, وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون, ليأكلوا من ثمره وما عملته ايديهم أفلا يشكرون ويقول في سورة عبس أنا صببنا الماء صبا, ثم شققنا الأرض شقا, فأنبتنا فيها حبا, وعنبا وقضبا, وزيتونا ونخلا, وحدائق غلبا, وفاكهة وأبا, متاعا لكم ولأنعامكم صدق الله العظيم. تبين الآيات مراحل الزراعة من بدء إيجاد وسيلة الري وعمليات الحرث والتسوية ثم الزراعة لتنبت الأرض خيرات الله. يقول تبارك وتعالي في سورة الشعراء فاخرجناهم من جنات وعيون, وكنوز ومقام كريم, كذلك وأورثناها بني إسرائيل والكلام هنا عن مصر وخيراتها وقد تركها فرعون وجنوده وهم في سباق مع الزمن ليدركوا موسي وقومه من بني إسرائيل, وهو نفسه فرعون الذي نادي قومه وقد أخذته العزة بالنفس أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي سورة الزخرف.. أنهار وخيرات وزروع وخضرة ونماء ومقام كريم هذا هو وجه مصر أيام الفراعنة العظام. ونأتي إلي سورة يوسف وفيها يقول نبي الله يوسف عليه السلام وقد مكن الله له أرض مصر وخيراتها وخزائنها قال اجعلني علي خزائن الأرض اني حفيظ عليم.. وقتها كانت مصر عامرة بالخيرات وخزائنها لا تنضب, وقد تربع علي أمورها الاقتصادية نبي كريم يأتيه البشر من أدني الأرض وأقصاها يبتغون رمق الحياة في غلات الدنيا التي تخرجها أرض مصر. .. واليوم انشقت الأرض عن بشر لا يعرفون من مصر إلا أنها خلقت لتبني فوقها عمائر ومسطحات خرسانية, ردموا الترع أو جعلوها مسارا لمياه الصرف الصحي وقذفوا في نهر النيل وأفرعه بجميع ما يملكونه من نفايات الأرض. وليت الأمر توقف عند إزاحة الخضرة أمام الزحف الخرساني بل سار معه في نفس الطريق تجريف تربة مصر فأنهت حياة مساحات هائلة من أرض مصر وجرفت معها الخير والرخاء. وبنظرة إلي دول وأمم حولنا فيها العبرة والمثل والقدوة.. نجد أن هولندا مزرعة العالم بنت اقتصادها القومي من الزراعة بعد أن جفت آلاف الهكتارات من بحر الشمال, وتم تحويل الأرض المالحة الجدباء إلي أرض خصبة. وإسرائيل لم تترك شبرا من أرض غزتها إلا وحولتها إلي زراعية تعطي غلات تدعم بها اقتصادها وليست صحراء النقب وما فيها ببعيدة عن الناظرين. والسعودية وقد نشأت في ظروف صحراوية قاحلة وليس لها في الزراعة باع طويل, وصل تطورها الزراعي إلي حد تصدير فائض القمح إلي الخارج, وتحويل الإنسان البدوي المتنقل وراء الكلأ إلي إنسان زراعي ثابت في موطنه تدعم الدولة مستلزمات إنتاجه الزراعي. واستراليا والولايات المتحدةالأمريكية دولتان حديثتان في الأسرة الدولية كانتا أرضا بوارا أحالها إنسان العصر الحديث إلي ملايين الأفدنة من الأرض الخصبة تعطي غلات يغطي إنتاجها دول العالم غنيها وفقيرها. هذه هي الزراعة.. خيرات وثمار ونماء ورخاء, وبلغة العصر اقتصاد قومي وتقدم وتطور إلي الأفضل والأحسن والأنفع لبني الإنسان. ألا يحق للمصريين وقفة مع النفس وفي نفس الوقت التقاط الأنفاس من هوجة البناء فوق النماء والثمار والرخاء. ألا يكفي إزالة أكثر من ثلاثة أرباع مليون فدان من أخصب أراضي مصر لتقام فوقها بنايات لا تسمن ولا تغني من جوع, وتجريف آلاف الأفدنة من أجود أراضي مصر. مهندس زراعي صيام عوضين مدير عام بالمعاش