سيتحدث المؤرخون في المستقبل عن رابعة العدوية الإخوانية, التي بجوار مصر, كما تحدث مؤرخو العصر الروماني عن مدينة الإسكندرية الهيلينية التي بجوار مصر, جراء الفجوة السياسية والثقافية الهائلة. وأستدرك فأقول: إنه بينما كانت الإسكندرية مركز الحضارة الهيلينية العالمية ومنارة البحر المتوسط, وتتقدم محيطها الوطني بقرون بعد إضمحلال حضارة مصر الفرعونية الرائدة; إذا برابعة العدوية مركزا لدعاة ردة تعود بمصر الحديثة قرونا الي عهود الانحطاط في تاريخها الوسيط, وبؤرة للتحريض علي العنف والإرهاب ضد الأمة والوطن. وفي رابعة العدوية, التي بجوار مصر الجديدة, تري حشدا من مواطنين مصريين, مضللين ومخدوعين, دفعتهم فئة باغية من قادة الإخوان وحلفائهم الي حالة اغتراب نادرة عن الأمة المصرية. فرغم المتاجرة المتأخرة بالوطنية, يعلو صياحهم في جوف الليل بشعار الخلافة: ارفع رأسك فوق أنت مسلم, الذي رفعه الإخوان وحلفاؤهم لإسقاط شعار الوطنية: ارفع رأسك فوق أنت مصري, وترتفع رايات القاعدة الإرهابية السوداء حتي يدعوهم مخادع الي رفع أعلام مصر, ثم تنزوي مجددا; إذ لا يصمد علي رفع الراية الوطنية من لا يعرف معني الوطن. وتري لافتة تائهة مثل مسيحيون ضد الانقلاب, وسط حشد مضلل وأمام منصة مضللة يعلوها فقهاء الكراهية الطائفية ورموز التحريض الديني وأعداء دولة المواطنة, فيزيد مشهد رابعة العدوية اغترابا عن مشهد الوحدة الوطنية العظيم في الثورة التي انضم فيها المصريون المسيحيون الي المصريين المسلمين لإسقاط مشروع دولة التمييز والإقصاء الديني. وقد أطاحت الأمة المصرية, شعبا وجيشا, بحكم الإخوان وحلفائهم بثورة30 يونيو, وشاركت جموع الأمة في جمعة26 يوليو ضد العنف والإرهاب, مقدمة تفويضا لم أر موجبا له سوي طلب إعلان الأمة الصريح بالموافقة علي دفع ثمن قيام الدولة بواجبها في تصفية بؤر العنف والارهاب, سواء في مواجهة من يتاجر بالدين في بؤرتي رابعة والنهضة, أو من يقتل باسم الدين في ربوع الوطن خاصة سيناء. ولم يعد ثمة مبرر لتقاعس الدولة عن شن حرب لا تعرف الهوادة لتصفية بؤر الإرهاب المسلحة في سيناء, وحل جماعة الإخوان شبه السرية وشبه المسلحة وغير الشرعية وغير الوطنية, وسرعة تقديم كل من ارتكب جرائم العنف والإرهاب والخيانة وغيرها للمحاكمة. ولابد أن يتضمن تعديل الدستور حظرا لتكوين الأحزاب الدينية, وأن تكون بوصلته بناء دولة المواطنة, لتتقدم مصر علي طريق تصفية البيئة المفرخة لجنود الإرهاب, من فقر وجهل وتهميش, وتجعل من الارهابيين جنرالات بغير جنود. وقد نهض بعض من النخبة بواجبه في فضح وعزل فكر ونهج الإخوان وحلفائهم. لكنه من المؤسف, وفي خضم الصراع, أن هب بعض يدعو الي مصالحة مع جماعة فاشية تدعي احتكار الدفاع عن شرع الله, وتستحل دماء أبناء الوطن, ودافع بعض آخر عن حق اعتصام من يروعون الأمة ويقتلون جنودها. ولا جدال أن مكافحة الإرهاب والعنف مهمة الدولة حين يكون السلاح في مواجهة السلاح, لكنه علي النخبة إدراك واجبها في خوض صراع فكري لا يعرف المهادنة ضد الفكر الكاره للآخر, والداعي الي إقصائه واستئصاله, وأن تضع دون لبس في صف الأعداء كل الذين يمارسون ويبررون جرائم العنف والقتل التي تمارس ضد الشعب والجيش والشرطة. ومع شن حرب لا تعرف الهوادة ضد خطاب دعاة الكراهية والتحريض الطائفي المقيت, لا ينبغي أن ينزع البعض لاختلاق أعذار لمهادنته, أو يدعو الي مصالحة دعاة الدولة الدينية, الإقصائية والاستبدادية, ومنظري الإرهاب وممارسي جرائمه باسم الإسلام زورا وبهتانا. وقد جاءت جمعة26 يوليو جمعة للفرقان بين الحق والباطل; لكنها لم تأت كما صورها محرض رابعة الإرهابي اليائس, وإنما بين حق انتصرت له الأمة المصرية وقواتها المسلحة, وباطل انهزمت معه جماعة الإخوان الفاشية وأذرعتها الإرهابية. فحاول الأخيرون أن يطغي مشهد الدم في رابعة علي مشهد النصر في التحرير, وروجت لمشهد الدم قناة الجزيرة العميلة, وأبواق معادية موتورة, جراء إسقاط مشروع تمكين الإخوان. ورغم كل دواعي الأسي علي الدم المراق, لم يرتب مشهد رابعة المسلحة سوي تفاقم غضبة الأمة المصرية من طغمة الإخوان وزمرة الإرهاب, وخيانتهم للوطن وكراهيتهم للأمة, بعد أن انكشف تحولهم من تجار دين الي تجار دم; فجمعوا بين خلق الكذاب المنافق المتاجر بالدين من أجل اغتصاب حكم مصر, وبين جرم القاتل الإرهابي المتاجر بدم بؤساء يدفعونهم للإنتحار بوهم استرداد حكم اغتصب ولن يعود!! ويبقي أنه لا ينبغي أن نخطيء الهدف, فنتصور أن أعضاء وجماهير الأحزاب والتيارات المسماة إسلامية هم المستهدفون, ليس فقط لتجنب تفريخ المزيد من جنود الارهاب الأسود, العاملين والاحتياطيين, وإنما لأنهم مواطنون لهم كل حقوق المواطنة في دولة المواطنة, التي دعوت اليها دوما, والتي لا تعرف الإقصاء بعكس دولة الإخوان الإقصائية. وفي الفض الواجب لاعتصام رابعة العدوية وغيره, ينبغي الالتزام بالمعايير الدولية, وأهمها حالة الضرورة القصوي, واستنفاد فرص الفض السلمي, وتناسب استخدام القوة, وحق الدفاع عن النفس. وقد بين قرار مجلس الوزراء ضرورة فض اعتصامي ميداني رابعة العدوية ونهضة مصر, لما تبعهما من أعمال إرهابية وقطع للطرق وترويع للمواطنين; ولإنهاء الإرهاب والعنف, اللذين يهددان بتحلل الدولة وانهيار الوطن; وحفاظا علي الأمن القومي والمصالح العليا والسلم الاجتماعي وأمان المواطنين. لكنه مازال واجبا علي أساتذة القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان ونشطاء حقوق الإنسان ووزير العدالة الانتقالية عضو المحكمة الجنائية الدولية السابق إفادتنا بمعايير فض اعتصامات مسلحة, تستخدم النساء دروعا بشرية, وتلبس الأطفال الأكفان, وتدفع بالشباب للانتحار, في اتجار مشين بالدماء. لمزيد من مقالات د. طه عبد العليم