27 يوما بالتحديد مرت منذ قررت إثيوبيا استباق التقرير النهائي للجنة الثلاثية بمشاركة خبراء دوليين حول آثار سد النهضة, وإعلان تحويل المجري المائي للنيل الأزرق لبناء السد الذي أنجزت أديس أبابا ما يقرب من20% منه أصلا, وفي وقت ظهرت مواقف القاهرةوأديس أبابا واضحة جدا حول المشروع الأزمة إن كان رافضا للمشروع وهو موقف الأولي أو موافقا وهو بالطبع موقف الثانية, جاء موقف السودان مختلفا تماما عن الموقف المصري إن لم يكن صادما بالنسبة للقاهرة التي ظنت للوهلة الأولي أن البلدين يشكلا تكتلا تاريخيا مضادا للمشروع الاثيوبي. وبعد تأكيدات سودانية عن عدم وجود أضرار من تحويل مياه النيل الأزرق تلاه تطابق في التصريحات مع أديس أبابا حول جدوي مشروع السد وصولا لأنباء عن إتجاه قوي لإعادة مشاركة الحكومة في مشروعات مبادرة حوض النيل الأمر الذي يمهد الطريق للتوقيع علي إتفاقية عنتيبي واللحاق بدولة الجنوب التي ينتظر أن توقع عليها قريبا. والحقيقة أن المتابع والقارئ لتطورات ملف مياه النيل يري أن التوجه السوداني ليس مفاجئا ولا وليد اللحظة, وظهرت بوادره قبل وقت طويل منذ أهملت القاهرة الملف السوداني وقدمت فرصة ذهبية لأثيوبيا نجحت الأخيرة في إستغلالها, فلأديس أبابا أهمية كبري لدي الدولة السودانية, حيث تتولي الأولي ملف الوساطة بين جوباوالخرطوم كما أنها تعمل جاهدة علي تقريب وجهات النظر بين الجانبين, كما أن قوات حفظ السلام الاثيوبية معنية بإدارة أبيي لفترة مؤقتة منذ ان سيطر عليها السودان في مايو عام2011, وهو أمر دفع بالعديد من الخبراء لتمهيد الطريق أمام الرأي العام لقبول أهمية الجارة الأثيوبية وتعديد سبل وأوجه التعاون والتكامل المأمولة فمثلا يقول الخبراء السودانيون أن بإمكان أثيوبيا مد السودان بحاجته من الكهرباء, في مقابل أن يتعاون الجانبان في قطاع الزراعة والثروة الحيوانية مستغلين الأراضي الشاسعة بالسودان, كما أن هناك نجاحات متتالية علي صعيد اللجان المشتركة. وكل ماسبق شكل إشارات إيجابية للحكومة والشارع السوداني لقبول الخطوة الأثيوبية فتغض الخرطوم الطرف عن القرار الذي تم ظاهريا بدون إستشارة دولتي المصب, وبدت دعوات واسعة في البلاد, وترحب بالقرار وسط آمال عريضة بالإستفادة من فائض كهربائي كبير من سد النهضة قد يغنيها في أحسن الأحوال عن البترول من دولة الجنوب, أيضا تحدث خبراء آخرون من أن قيام السد سيقلل من مخاطر الفيضان مما يحقق المزيد من الإستقرار للبلاد, وذلك في مقابل أصوات أخري تحدثت عن الآثار السلبية إن لم تكون مدمرة للبلاد, بسبب ضعف معامل الأمان في السد مما يهدد بإغراق جميع المناطق الواقعة أسفل السد حتي أن بعضهم ذهب للتنبوء بغرق وفناء الخرطوم وحتي تغيير الخريطة المصرية والصعيد بالإضافة لتغيير الطبيعة الجغرافية في المناطق القريبة من السد.أيضا الموقف السوداني الجديد أثار العديد من المخاوف بالقاهرة من إستخدام ورقتي حلايب وشلاتين للضغط علي مصر من أجل التنازل عن المثلث الحدودي في مقابل دعمها بملف المياه. ولا نستطيع هنا أن نناقش موقف السودان بدون دراسة وبيان موقف دولة الجنوب, حيث ترتبط بعلاقات وثيقة هي الأخري مع أثيوبيا التي مثلت نقطة إنطلاق مهمة لقادة الحركة الشعبية لتحرير السودان أثناء سنوات الحرب الأهلية الطويلة, وقد جنت أديس أبابا ثمار مساعدتها لجوبا عندما صرح وزير الري والمواراد المائية بدولة جنوب السودان بول مايوم, أن بلاده لاتعترف باتفاقية عام1959, بسبب كونها تحت سيطرة السودان عند توقيعها, وهي إشارات تتوافق مع توقيع جوبا علي إتفاقية عنتيبي خلال الساعات الماضية أثناء إستضافتها لمؤتمر وزراء مبادرة حوض النيل, وبالتالي تقوية موقف أثيوبيا وتشكيل عامل جديد للضغط في مواجهة مصر. وقد جاء الموقف السوداني من أزمة ملف سد النهضة مغايرا تماما لما توقعته القاهرة, ويبقي في جميع الأحوال مراعيا وموازنا لمصالحه ودارسا لعوائده الإيجابية بالنسبة له, متماشيا مع المزاج الشعبي العام في البلاد من حيث إظهار النضوج وعدم التبعية للموقف المصري, مما يطرح العديد من تساؤلات حول ما وراء هذا التغيير, إلا أن الواقع علي الأرض يطرح واقعا جديدا تكون فيه' المصلحة' هي كلمة السر الأمر الذي يحتم علي كل دولة التحرك وجني الفوائد دون الإعتماد علي أطراف أخري.