كمبوديا المصنفة ضمن افقر دول العالم, أصبحت الآن مركز جذب و'قبلة' لكبريات الشركات العالمية الهاربة من اسعار التنين الصيني الجنونية, حيث ينمو اقتصادها لدرجة أنها تنافس وتناطح ثاني أكبر اقتصاد في العالم في جذب الاستثمارات الأجنبية. فالشركات الأمريكية واليابانية والأوروبية تتسابق لتجد موطيء قدم لها في كمبوديا لفتح خطوط انتاج لصناعات تبدأ من تلميع الألماس وتصنيع أسلاك السيارات والشاشات التي تعمل باللمس للهواتف المحمولة إلي أحذية الرقص وإطارات نظارات الشمس. الشركات الأجنبية تتدفق علي بنوم بنه لسبب بسيط جدا, أنها تريد الحد من اعتمادها الكبير علي المصانع في الصين مع تزايد المشاكل بسرعة بالنسبة للمستثمرين في الصين, فالأجور للعمالة ارتفعت بشدة, بل تضاعفت4 مرات خلال السنوات العشر الأخيرة حيث تزامن ازدهار تشييد المصانع الصينية مع انخفاض العمالة الشابة. وخلال العام الماضي, شهدت الصين انخفاضا كبيرا في القوي العاملة بسبب سياسة الطفل الواحد وزيادة نسبة كبار السن. وتري الشركات متعددة الجنسيات أنه من السهل الهروب من أجور الصين المرتفعة لكنها لا يمكنها الاختباء في مثل هذه الدول الصغيرة من حيث عدد السكان والاقتصاد بل المساحة حيث يمكن أن تكون بعض المقاطعات الصينية أكبر مساحة من بعض الدول في جنوب شرق آسيا. ومع تحول الشركات جنوبا فانها تلجأ إلي استخدام العمالة المحلية بسرعة وترفع أجورهم بجنون. وبرغم أن الأجور والفوائد مازالت أقل من المستويات المطلوبة للحصول علي سكن مناسب وغذاء متوازن واستثمار صناعي, إلا أن حجم الاستثمار الأجنبي وصل في كمبوديا إلي نحو70 % عام2011, وهو ما انعكس بالإيجاب علي المستوي الاجتماعي في تلك المملكة الآسيوية حيث انتشل الملايين من الفقر المدقع. بعض الشركات خاصة تلك المتخصصة في الصناعات الصغيرة تريد ترك الصين بشكل كامل, وشركات أخري تقوم ببناء مصانع في جنوب شرق آسيا لإمداد الصناعات في الصين. لكن تظل بكين بسوقها المحلية سريعة النمو وكثافتها السكانية العالية وقاعدتها الصناعية الضخمة جاذبة للكثير من الشركات. في المقابل انخفض الاستثمار الخارجي في الصين بنسبة35 % العام الماضي, وهو حدث استثنائي لم يشهده العملاق الآسيوي منذ عام1980 حتي في ذروة الأزمة المالية العالمية لكن مازال حجم هذا الاستثمار يقدر ب119 مليار دولار سنويا وهو ما يتقزم بجواره أي استثمار في أي منطقة أخري. وبالمقارنة, فإن الاستثمار في كمبوديا ارتفع إلي15 مليار دولار, ولأول مرة منذ بداية صعود الاستثمارات عام1970 يصبح نصيب ودخل الفرد الواحد من الاستثمار أكبر من نظيره في الصين. الشركات لا تبحث عن استراتيجيات خروج من الصين بل عن عمليات موازية لتغطية نفقاتها. فالاستثمار الأجنبي قفز أيضا في فيتنام وتايلاند وميانمار والفلبين. وتعد تكاليف القوي العاملة في كمبوديا ثلث نظيرتها في الصين. وهناك20 ألف عامل في المنطقة الصناعية الخاصة في العاصمة' بنوم بنه' ومن المتوقع أن يتضاعف هذا العدد إلي40 ألفا خلال السنوات القليلة المقبلة خاصة مع تحسين ظروف العمل وزيادة الأجور. ويكمن السبب أيضا في رغبة المستثمرين الأجانب في الانتقال إلي دول أخري في مخاوفهم من الاعتماد علي مصدر واحد فقط وهو الصين ويرون فيه مصدر مخاطرة.