يكتب: هناك ظاهرة هذه الأيام يحرص عليها رؤساء المهرجانات السينمائية في داخل مصر وفي البلاد العربية وهي الإصرار علي إشراك الممثلات المصريات وبالتحديد نجمات السينما في لجان تحكيم هذه المهرجانات. بل يصل الأمر إلي الإلحاح الشديد من جانب القائمين علي المهرجانات وذلك عندما تحاول إحدي النجمات أن تعتذر عن عدم الاشتراك في لجنة تحكيم أحد المهرجانات لانشغالها في أحد الأعمال الفنية أو أن ظروفها الخاصة لا تسمح بذلك. ويصل الأمر أيضا في كثير من الأحيان إلي طلب الوساطة من بعض المقربين من بعض النجمات لكي توافق وتتغاضي عن اعتذارها أو محاولة الإغراء بأن يقوم المهرجان بتكريمها بمناسبة أو دون مناسبة. وليس اشتراك نجمات السينما في لجان تحكيم المهرجانات بدعة في الخارج أي في مهرجانات أمريكا وأوروبا ولكنه من المعمول به منذ عشرات السنين. ويصل الأمر أحيانا إلي أن تتبوأ إحدي النجمات السينمائية الشهيرات رئاسة لجنة التحكيم وذلك حتي في أكبر المهرجانات العالمية مثل كان وبرلين وفينيسيا وكارلوفيفاري. وليس هذا بمستغرب أو حتي يثير استنكار أهل الفن السينمائي بل أنه يعطي أحيانا قيمة كبيرة واحتراما أكبر بالنسبة للجنة تحكيم المهرجان. يختلف الأمر بالنسبة لنجمات السينما عندنا تماما. وقد يسألني البعض عن سبب الاختلاف أو يتهمني بالتعسف, وخاصة المنافقين الذين يحبون الصيد في الماء العكر وبالطبع أهل الجهل منهم. أقول لكل هؤلاء أن المتتبع للسير الذاتية لنجمات السينما في أمريكا أو في أوروبا يدرك ما تتمتع به النجمة منهن من ثقافة عامة وثقافة فنية بل إن الأمر ابعد من ذلك ويجعلنا لابد من مناقشة أهم الجوانب السلبية في حياتنا وهو علي سبيل المثال التعليم. فالمستوي العام للتعليم في أمريكا والبلدان الأوروبية يعلو بكثير عن مستوي التعليم في بلادنا. بل إن أهل الثقافة والفكر أجمعوا علي الحضيض الذي وصل إليه مستوي التعليم في مصر منذ ما يقرب من ثلاثين عاما إن لم يكن أكثر. ومن يتفحص مناهج الدراسة في الخارج ومستوي الذين يقومون بعملية التعليم يدرك مدي تخلفنا واستهتارنا بالنسبة للعملية التعليمية حتي تحولت الآن إلي تجارة رابحة بل أكثر ربحا من تجارة الطب في بلدنا. أصبح المعلمون من كل المستويات حتي المستوي الجامعي مثل التلاميذ والطلبة الذين يقومون بالتدريس لهم في حاجة هم أيضا إلي من يعلمهم تعليما حقيقيا. وللأسف أن الشيء اللافت لأساتذة الجامعة أن اهتمامهم بالمناصب السياسية أصبح يفوق بكثير اهتمامهم بالتعليم والتثقيف. ولأن اختيار الوزراء مثلا منذ العهد الناصري يقوم علي مبدأ غريب يري أن أهل الثقة وليس أهل الخبرة هم الأجدر بتقلد منصب الوزير. ولذلك أصبح معظم أساتذة الجامعات وكل واحد منهم يسعي إلي أن يحظي أو يثبت بأنه من أهل الثقة حتي يستطيع أن يقفز علي أحد المناصب بأن يكون رئيس هيئة أو يعمل مستشارا في إحدي الوزارات. لم تكن مثل هذه الأمور موجودة في الماضي البعيد عندما كنا ندرس في الجامعة في أواخر الخمسينات من القرن الماضي في الجامعة. كان حظنا كبيرا لأننا درسنا علي أيدي بقايا الأساتذة العظام الذين كانوا يضيئون مدرجات الجامعة بأنوار الثقافة والعلم. لم يكن واحد منهم يطمح إلي أن يكون أكثر من أستاذ, بل أن الكثيرين منهم في أيام الملكية كانوا حاصلين علي لقب الباشوية والبكوية تقديرا لما يتمتعون به من علم رفيع مثل أحمد لطفي السيد باشا والدكتور طه حسين باشا والدكتور منصور فهمي باشا ومصطفي عبد الرازق باشا والدكتور علي إبراهيم باشا والدكتور نجيب محفوظ باشا والأستاذ شفيق بك غريال وغيرهم مما لا يتسع له المجال هنا. للأسف الشديد فإن بعض نجماتنا السينمائية لم يتجاوزن في تعليمهن المرحلة الثانوية ومن تجاوزن منهن هذه المرحلة وبلغن المرحلة الجامعية فإن ثقافتهن لا تقاس بثقافة تلميذة في بداية المرحلة الثانوية في أمريكا أو دول أوروبا. هذا بالإضافة إلي أن معاهدنا الفنية للأسف الشديد تعتبر معاهد متواضعة من الناحية العلمية والإمكانيات مثل معاهد أكاديمية الفنون خاصة معهد السينما ومعهد الفنون المسرحية. أما إذا نظرنا إلي الجانب الآخر من القضية فسنجد أن هناك في أمريكا وأوروبا معاهد يقوم بالتدريس فيها كبار أساتذة الفنون الدرامية والسينمائية حيث من بينهم بعض أصحاب النظريات العالمية في هذا المجال. هذا بالطبع بالإضافة إلي أن النجمات في الخارج يعملن مع أفضل العناصر الفنية في الأفلام السينمائية. ويعتبر العمل في الفيلم السينمائي الواحد بمثابة منهج دراسي من ناحية السيناريو والإخراج والتصوير والمونتاج وحتي المكساج. فما بالك إذن لو أن النجمة التي يختارها أحد المهرجانات الدولية لتكون عضوا في لجنة التحكيم أو رئيسة لهذه اللجنة وتكون هذه النجمة قد عملت في ثلاثين فيلما فتكون عندئذ كمن درست ثلاثين منهجا فنيا أو مذهبا من مذاهب الفن المختلفة لكبار كتاب السيناريو والمخرجين والمبدعين. وبالطبع لا ابالغ وأشير إلي أن النجمة في الخارج عملت في خمسين أو ستين فيلما أو أكثر من ذلك مثلما يحدث عندنا. فقد تعودنا في مصر أن بعض النجمات بمجرد أن تنتهي الواحدة منهن من العمل في أحد الأفلام حتي تدخل علي الفور فيلما آخر. وفي كثير من الأحيان لا يتسع لهن الوقت لقراءة السيناريو ومناقشة كاتبه أو مناقشة المخرج الذي سوف يقوم بإخراجه. هذا بالإضافة أيضا إلي حقيقة مؤسفة وهي تواضع مستوي القائمين علي الفيلم في كثير من الأحيان وذلك فيما يتعلق بالسيناريو وفيما يتعلق بالإخراج. وللأسف فإن كثيرا من المخرجين عندنا ليست لديهم المعرفة الكافية بفن التمثيل حتي أنه شاعت عندنا قاعدة غريبة تكاد تماثل التحذير الذي نقرأه علي علب السجائر وهذه القاعدة تقول إن التمثيل مسئولية كل ممثل. وهذا يعني أن المخرج لا دخل له في توجيه الممثل في الأداء. وبالطبع نتيجة لذلك لا يدرك المخرج الفرق بين الأداء في المسرح والأداء في السينما والأداء في التليفزيون. بل إن المخرج لا يستطيع أن يحدد لنفسه رؤية فنية بالنسبة للأداء التمثيلي العام في الفيلم ويصبح التمثيل أشبه بالنشاز الذي نلمسه ونعزف أوركسترا لا يسيطر عليها مايسترو عن وعي بفن قيادة الأوركسترا. ونجد كثيرا من نجمات السينما الأمريكية والأوروبية صاحبات مواقف سياسية نابعة من إدراكهن العميق لمشاكل عصرهن والتزامهن تجاه المشاكل الإنسانية العامة. وتنبع هذه المواقف من ثقافة واسعة استطعن الحصول عليها من خلال القراءة والمشاهدة وحضور المهرجانات والمؤتمرات. وللأسف الشديد لا تهتم النجمات عندنا في المهرجانات سوي بالحفلات والتصوير وقلما تجد واحدة منهن في قاعات العرض لمشاهدة أفلام المهرجان. وعلي سبيل المثال ففي مهرجان كان أو بالتحديد قبل المهرجان بأيام تقوم بعض النجمات بالدعاية لأنفسهن في الصحف في اليوم الأول فقط في المهرجان حيث يتم التقاط الصور لهن لنشرها في الصحف والمجلات العربية ثم يختفين فجأة إلي نهاية المهرجان وكأن الأرض انشقت وبلعتهن ونراهن بعد انتهاء المهرجان بأيام كثيرة في مصر. وأنا لست أتحدث من فراغ أو أنني أتجني علي نجمات السينما المصرية عندما اتهمهن بضحالة الثقافة لديهن. فقد شاءت الظروف التي يقتضيها العمل مع بعضهن إلي دخول بيوتهن التي تكاد هذه البيوت تقاطع الكتب. وأذكر أنني دخلت بيت واحدة منهن لأول مرة فوجدتها قد وضعت علي أحد المقاعد القريبة من المكان الذي سوف أجلس فيه نسخة بالانجليزية من مجموعة مسرحيات تشيكوف طبعة بنجوين وقد انقلب الكتاب مفتوحا ليمتد العنوان ويدل علي أنها قطعت شوطا طويلا في قراءته ثم اكتشفت بعد ذلك أنها لا تجيد الإنجليزية بل إنني اكتشفت أنه الكتاب الوحيد الموجود في شقتها. ونجمة أخري أثناء قراءة سيناريو يعالج مشكلة نفسية للبطلة فنصحتها بأن تحاول أن تقرأ في علم النفس في جانب معين يتعلق بمشكلة البطلة فإذا بها تذهب وتشتري أو أحضره لها أحد أصدقائها في كتابا ليس له أي صلة بالموضوع. ومنذ سنوات طويلة أنشأت هذه النجمة مكتبا لتقابل فيه من يتعاملون معها من أهل الفن والصحافة فوجدتها وقد وضعت فوق مكتبها كتابا يعلوه التراب ظل موضوعا في مكانه سنوات طويلة ولا أظن أنها حتي تصفحته أو تذكر عنوانه. وشاءت الظروف أن أزور نجمة أخري في شقتها الجديدة الفاخرة وهذه النجمة تتهافت المهرجانات العربية علي أن تكون عضوة لجان تحكيمها. وفي حجرة مكتبها الفاخرة فوجئت بمكتبة ضخمة تحوي عشرات المجلدات من الكتب المجلدة تجليدا فاخرا. وعندما اقتربت من المكتبة أتفحص كتبها فإذا بها الكتب من الطبعات اللبنانية للتراث العربي الإسلامي. فكانت المكتبة تحتوي علي كتاب البداية والنهاية لابن كثير ذو العشرة أجزاء وكتاب مروج الذهب بأجزائه الأربعة للمسعودي وكتاب الكامل في التاريخ بأجزائه العشرة لابن الأثير وكتاب تفسير الجلالية للسيوطي وكتاب طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة وكتاب التذكرة في أحوال الموتي والآخرة للقرطبي وكتاب تاريخ أبي الفداء بجزئيه لأبي الفداء وكتاب الفتوح بأجزائه الأربعة لابن الأعثم وكتاب القانون في الطب لابن سينا وغير هذه الكتب من الموسوعات العربية في طبعات أنيقة. ولم أجد في المكتبة كتابا عن الفن السينمائي أو الدرامي أو فنون التمثيل لأن معظم هذه الكتب لا تباع مجلدة هذا التجليد الفاخر الذي يعطي رونقا وأبهة لحجرة المكتب. وبالطبع فإنك لو سألت النجمة عما تحويه هذه الكتب لاكتشفت أنها لا تعلم عنها شيئا. هذا للأسف هو حال نجمات السينما عندنا التي يتهافت رؤساء المهرجانات العربية علي الحصول علي شرف اشتراكهن في لجان التحكيم دون التفكير في غيرهن من كبار النقاد وأصحاب الثقافة السينمائية الذين يستطيعون الحكم علي الجوانب الفنية للأفلام السينمائية التي تتنافس مع بعضها في هذه المهرجانات. ولكن للأسف فإن أصحاب هذه المهرجانات يسعون إلي الشهرة والبريق فقط معتقدين أن وجود النجمات الشهيرات يعطي قيمة لمهرجاناتهم من خلال بريقهن دون أن يدركوا حقيقة غائبة عنهم وهي ليس كل ما يلمع ذهبا. لمزيد من مقالات بقلم : مصطفي محرم