إستضافت جامعة وايومنج منذ سنوات المفكر الأمريكي الأشهر نعومي تشومسكي في ندوة حول قضية التحكم في الأفكار الذي تمارسه وسائط الإعلام الأمريكية. وعندما احتجت إحدي الحاضرات قائلة: أنا أصنع قراري بنفسي, رد عليها تشومسكي قائلا: هل أنت متأكدة.. تدبري جيدا الأساليب التي تعمل بها الوسائط, والمجهود الهائل الذي تمارسه من أجل تضليل عامة الناس والسيطرة عليهم.. نحن نعيش في شبكة لا تنتهي من الخداع, في مجتمع ملقن يسهل فيه دفن الحقائق.. وعلي الناس أن يبذلوا جهدهم من أجل التحرر من أسر هذه الشبكة المطبقة عليهم. وحيث أنني عشت في الولاياتالمتحدة وبريطانيا, ورأيت ما تفعله هذه الوسائط بالعقول, وقدرتها علي أن تخلق من الحبة قبة, ومن القبة حبة, وعلي تحويل الأكاذيب إلي حقائق في العقول, وعلي تصوير الشخص التافه الجهول وكأنه عبقرية فذة, تتنافس الوسائط علي النفخ فيه وتضخيمه, في الوقت الذي تتجاهل فيه شخصيات جادة متجردة, حتي تجعلها نسيا منسيا فقد استشعرت منذ خلع مبارك خطورة الدور الخبيث الذي تلعبه وسائط الإعلام في مصر, وحاولت مرارا التحذير من مغبة السكوت علي جرائمها. هناك أسباب كثيرة أدت إلي الأوضاع المضطربة التي وصلنا إليها اليوم. ولكنني أجزم أن السبب الأول والأخطر هو الفتن التي تصنعها الوسائط, والأكاذيب والشائعات التي لا تتوقف عن بثها صباحا ومساء, والغطاء الإعلامي الذي توفره للبلطجية والمرتزقة ومن يمولونهم ويديرونهم.. هذا الغطاء هو الأكسجين الذي يضمن استمرار العنف, وما يؤدي إليه من استنزاف لاقتصاد مصر وأمنها. لن أتناول الأكاذيب والشائعات علي مدي عامين, التي يحتاج رصدها إلي مجلد ضخم. وإنما أتناول أحد الأساليب الشيطانية التي أشار إليها تشومسكي, وهي التعامل بانتقائية مع الأخبار والأفكار.. من الترويج والنفخ إلي التجهيل والتعتيم. فمثلا هناك أفكار وآراء مقبولة يجري الترويج لها, وأخري محظورة غير قابلة للطرح علي حد تعبير تشومسكي. عندما نشرت صحيفة خاصة في فبراير2011 مقالا لأستاذة جامعية اتهمت فيه د. يوسف القرضاوي بأنه إخواني يريد أن يختطف الثورة وأن يكون خميني مصر, وذلك علي خلفية خطبته في ميدان التحرير(2/18), كتبت ردا تحت عنوان الهوس بالاسلاميين وصفة أكيدة للفشل, أطالب فيه العلمانيين بألا يستنزفوا طاقتهم في تخوين الإسلاميين واستعدائهم وشيطنتهم, وأن يبذلوها إيجابا بالتواصل مع الشعب وطرح أفكارهم وبرامجهم عليه. ورفضت الصحيفة الخاصة نشر الرد. وعلي الرغم من تكرار محاولتي نشر هذه الفكرة من خلال ردود علي مقالات أخري مهووسة بكراهية الإخوان, فإن الصحيفة أصرت علي حظر ما اعتبرته فكرة مرفوضة. كانت هذه المقالات, وأمثالها في صحف أخري, هي اللبنات الأولي في جدار العداء والاستقطاب الذي أبدع العلمانيون ووسائطهم الإعلامية في تشييده بعد الثورة. أيضا هناك أخبار عن الرئيس تتجاهلها الوسائط وكتابها وضيوفها, مثل تحرير مصر من الحكم العسكري واستضافة مؤتمر القمة الإسلامي الشهر الماضي. فقد اتفقت جميع الصحف والفضائيات الخاصة وكأنها أوركسترا يقودها مايسترو واحد علي عدم الإشارة بكلمة لمؤتمر القمة, وذلك كما يبدو حتي تتفرغ لسب وإهانة وشيطنة الرئيس. وفي وقت واحد تقريبا منذ شهرين صدرت مقولتان: عن قيادي إخواني حول عودة يهود مصر, وعن روائي علماني عن حرمان الأميين من التصويت, ومن حريتهم في التعبير عن رأيهم في اختيار نوابهم. وعلي الرغم مما انطوت عليه المقولة الثانية من احتقار واضح لجزء كبير من الشعب, وأنها كشفت حقيقة الموقف العلماني من الديمقراطية, فإن إشارة المايسترو وأدت الفضيحة في مهدها بتجاهل الحديث عنها في أي وسيط إعلامي.. فلم يهاجمها مقال رأي واحد, ولم ينتقدها برنامج حواري واحد.. وذلك في الوقت الذي نصبت فيه الوسائط سيرك السخرية للمقولة الأولي, وظلت علي مدي أسابيع تفترس القيادي الإخواني الذي أطلقها من خلال مقالات رأي وبرامج حوارية. وتواطأت الوسائط بتعليمات المايسترو الذي اصطلحنا في مصر علي تعريفه ب الطرف الثالث علي التعتيم والتجهيل, حتي لا تعلق الفضيحة بأذهان الناس. فضائح أخري صدرت عن قيادات في الجبهة إياها, جري التعتيم عليها وتجهيل الناس بها, فلم يتعرض لها بالهجوم أو النقد برنامج حواري واحد أو مقال رأي يتيم, مثل الدعوات.. للاستقواء باللوبيات اليهودية من خلال الحديث لمجلة ألمانية عن الهولوكوست, وللانقلاب العسكري علي الحكم المنتخب, ولإلغاء الدستور المستفتي عليه.. إلخ. عندما جاء وزير الداخلية السابق إلي منصبه, تعرض لهجوم عنيف باعتباره من الفلول وبأنه مسئول عن انتهاكات عديدة خلال خدمته قبل الثورة. غير أن الوسائط التي هاجمته من قبل, حولته إلي بطل عندما تركت الشرطة عشرات من مقار حزب الحرية والعدالة تتعرض للحرق والنهب والتخريب, دون أدني تدخل منها, ووصفت إقالته بأنها نتيجه رفضه تنفيذ أجندة الاخوان. وعندما تعرض رئيس نادي القضاة إلي خدش في وجهه, هاجت الوسائط وماجت, ونشرت إحدي الصحف علي موقعها في خلال ساعتين فقط30 خبرا عن الواقعة. ولكن عندما سقط ثمانية من شباب الإخوان قتلي أمام قصر الرئاسة تجاهلتهم الوسائط, وركزت فقط علي الصحفي الذي قتل معهم لا لشيء إلا لأن الأجندة السياسية لتحالف الثورة المضادة يخدمها إبراز مقتل الصحفي, وتجاهل مقتل شباب الإخوان.. تماما كما يخدمها إبراز واقعة السحل في محيط قصر الرئاسة, وتجاهل ما جري في الليلة نفسها من اغتصاب عشرات الفتيات في ميدان التحرير. والعجيب أنه لم يخرج علينا أحد جهابذة الإعلام من نجوم الفضائيات ليتساءل عن أسباب انجذاب البلطجية والمتحرشين إلي مظاهرات العلمانيين, ونفورهم من الاقتراب من مظاهرات الإسلاميين. إلا أن كل ما سبق كوم, والتعامل الإعلامي مع المحكمة الدستورية كوم آخر.. وللحديث بقية.