لا يمكن لأي شخص يتابع برامج الفضائيات المختلفة سواء كانت برامج «توك شو» أو برامج «منوعات» أو برامج «حوارية» أو أي لون آخر من البرامج وخاصة البرامج الرمضانية إلا أن يلمس أنه لا وجود لأي أثر من تقييم علمي منهجي فكري تخصصي قيمي حقيقي لمقدمي البرامج قد تم علي أساسه اختيار هذا الإعلامي أو ذاك، أو هذا المذيع أو ذاك لتولي مهمة تقديم تلك البرامج، مما يعني أن عملية اختيار مقدمي البرامج تتم بشكل عشوائي، ولا أقصد هنا المعني الحرفي للعشوائية إنما أقصد «العشوائية المقصودة». وأعني بمصطلح «العشوائية المقصودة» أن العشوائية في هذا الأمر هي تجاهل ما يجب أن يكون عليه الإعلامي أو المذيع من تخصص وعلم وفكر ومنهج وثقافة وقيم هادفة عند اختياره لتقديم مثل تلك البرامج. ومن ثم تتحول هذه العشوائية إلي هدف مقصود من قبل بعض القائمين علي المؤسسات الإعلامية ليتم اختيار الإعلامي وقياس مدي نجاحه ونجاح برنامجه واستمراره علي قيم أخري، من تلك القيم التي يتم الآن علي أساسها اختيار الإعلامي أو المذيع هي مدي ارتفاع صوته وتحرشه واستفزازه وتطاوله علي الجمهور وعلي الضيوف، وكذلك مدي غوغائيته وانفعاله وهوجائيته، ومدي ما يثيره من فتن وزوابع وتوابع وفضائح وإثارة عقب انتهاء الحلقة. وكذلك مدي تركيزه وإلحاحه علي الموضوعات والتلميحات ذات الطابع الجنسي، ومدي تطرفه في الطرح وتطرفه في اختيار ما يعبر به من ألفاظ وتطرفه فيما يقوم به من سلوكيات واستعراضات، فكلما ازداد تطرفا فيما يقول وفيما يفعل وفيما يطرح كلما ازداد نجاحه وازدادت جماهيريته وذاع صيته وبالطبع زاد أجره. وما يبرهن علي ذلك أن المتابع لهذه البرامج لا يمكن أن يلمس في إعلامي أو إعلامية أو مذيع أو مذيعة من هؤلاء وعيا ما أو علما ما بأي قضية يقوم بطرحها مع ضيوفه، فمثلا حين يكون الموضوع المطروح للنقاش موضوعا دينيا ويقوم أحد المتصلين أو الضيوف بتوجيه أي سؤال أو نقد حول رأي المذيع الذي يجهر به في الحلقة، تجد المذيع أو المذيعة علي الفور يقر ويعترف بأنه غير متخصص في الجوانب الدينية رغم أنه يناقش موضوعا دينيا. وفي الوقت نفسه يجهر بتبنيه لرأي بعينه من الآراء المطروحة في الحلقة فنراه يردد رأيه بطريقة ببغاوية من دون أي عي بالحيثيات العلمية والفكرية لخطأ هذا الرأي أو صوابه. وهكذا في الموضوعات السياسية والتاريخية والاقتصادية والفلسفية والعلمية واللغوية وغيرها من الموضوعات، حتي يصل المشاهد إلي قناعة يقينية. أن هذا الإعلامي أو ذاك ليس لديه أدني مقومات الثقافة العلمية والفكرية والمعرفية في أي فرع من فروع العلم يؤهله للتصدي لأن يكون إعلاميا أو مذيعا حقيقيا متخصصا لدرجة تجعل سؤالا مهما وملحا يقفز إلي الذهن ألا وهو: علي أي أساس وبأي مقومات ولأي هدف أو غاية يتم تلميع هؤلاء الإعلاميين وتقديمهم كنجوم للمجتمع رغم عدم أهلية هؤلاء العلمية والفكرية والثقافية والتخصصية؟ هل بقصد تجهيل الجماهير وتلويث قيمهم وأفكارهم وتشويه وعيهم وتجريدهم من قيمهم الإنسانية، أم من أجل الربح المادي الذي يطغي بريقه ورنينه ويعلو ويسمو علي أهمية القيم والمبادئ والأفكار بل وعلي إنسانية الإنسان ذاته؟ وهل الانحطاط العام الذي نلمسه في جميع جوانب حياتنا الآن هو إفراز طبيعي وحتمي لهذا اللون من الإعلاميين؟، علي اعتبار أن الإعلام الآن هو المصدر الوحيد لتشكيل وعي الناس وقناعاتهم وانتماءاتهم وتوجهاتهم. إذ لو كان ما يقدمه هؤلاء الإعلاميون للناس فيه قيمة ما أو خير يذكر لكنا قد لمسنا ذلك الخير أو تلك القيمة في الناس وفي المجتمع من حولنا، أو كما قال المسيح عليه السلام: «من ثمارهم تعرفونهم» أو كما قال الحق سبحانه: «والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا».