تشهد مصر حالة متفاقمة من تدهور الأمن الجنائي في البلاد في ظل انتشار ظواهر البلطجة والسطو المسلح, والسرقات بالإكراه, والاختطاف بهدف الحصول علي فدية كبيرة, والتحرش الجنسي... الخ. وأصبح المواطن لا يأمن علي نفسه أو ماله أو عرضه, ما دعا الكثير من المراقبين إلي وصف ما يحدث في الشارع بأنه نتيجة طبيعية لتراجع اهتمام الدولة بالأمن الجنائي بشكل كبير لمصلحة الأمن السياسي. وحتي يمكن تناول كيفية تفعيل دور الدولة في مكافحة انتشار الجرائم بشكل أكثر تحديدا, يمكن تعريف الجريمة الجنائية من حيث الشكل بأنها كل مخالفة لنص في قانون العقوبات يترتب عليه عقوبة جنائية, أو هي كل فعل يفرض له القانون عقابا. أما وفق الموضوع, فتعرف الجريمة الجنائية من خلال التركيز علي جوهر الجريمة ذاتها باعتبارها واقعة ضارة بمصالح المجتمع الأساسية والتي يقوم عليها أمنه وكيانه. أما علي صعيد الواقع العملي, فلابد للدولة من استرداد دورها الغائب أو المفقود أو المسلوب أيا كانت المسميات في مكافحة انتشار وتفاقم الجرائم الجنائية في المجتمع, وهو الدور الذي لا ينازعها فيه أحد. فكما أوضح العلامة الجليل السيد المستشار طارق البشري تمتلك السلطة التنفيذية الموارد والإمكانات والطاقات والنفوذ باعتبارها الجهاز الذي يجمع المعلومات عن كل كبيرة وصغيرة علي نطاق المجتمع كله ويركزها ويلخصها ويرفعها لقمة الهرم, وبالتالي تكون القيادة قادرة علي تكوين رأي يستند إلي تلك المعلومات وتطبقه من خلال الأجهزة المعنية, وهو ما يعتبر بمثابة نقطة قوة للسلطة التنفيذية لا تتوافر للسلطة التشريعية ولا القضائية, بل وأضيف من جانبي ولا تتوافر للمعارضة علي اختلاف مشاربها وتوجهاتها, أو الإعلام أو المجتمع المدني الذي يستطيع أن يسهم بقوة وإيجابية في دعم دور الدولة في تحقيق الأمن الجنائي من خلال الدور التنويري الهادف في تحفيز مختلف فئات الشعب علي مقاومة الجريمة بمختلف أنواعها, لاسيما في ضوء كون السلطة التنفيذية هي السلطة الوحيدة أو الهيئة الوحيدة في المجتمع التي تمتلك ما يسمي بوسائل العنف المشروع, فلديها قوة الشرطة, بمختلف أجهزتها, والقوات المسلحة, بمختلف فروعها ولدي السلطة التنفيذية أيضا عقوبة السجن عند اللزوم, بالإضافة إلي ما تمتلكه من موارد تخصص لهذا الغرض. في تقديري هناك شرطان لنجاح السلطة التنفيذية في الإضطلاع بالدور المنوط بها في هذا الشأن: الأول: تغليب مبدأ الوقاية خير من العقاب, وذلك من خلال إعادة انتشار قوات الشرطة في مختلف أنحاء الجمهورية, خاصة في المناطق التي تمثل بؤر توتر خطيرة لانتشار الجريمة. فالملاحظ انتشار العديد من الأحداث والجرائم التي شهدها المجتمع لحظة وقوعها, مثل أحداث ماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء.. الخ, ولم تفلح الدولة, ممثلة في الحكومة وتحديدا وزارة الداخلية, ليس فقط في منع وقوعها ولكن كذلك في التوصل لحقيقة مرتكبيها حتي الآن تحت زعم الطرف الثالث, وهو ما يمثل لغزا محيرا للكثير من المراقبين الذين يرون أن تطبيق القانون بقوة وحسم هو السبيل الوحيد ليس فقط لمنع تكرار وقوع الجرائم وانتشارها, لكن كذلك لتوفير الاستقرار والسياق المناسب لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والسياسي, بل والشعور المجتمعي بالأمن والأمان بوجه عام. الثاني: سرعة الانتهاء من متطلبات المرحلة الانتقالية بما يضمن توفير سلطة تشريعية مستقرة تضع القوانين اللازمة لاستقرار المجتمع وكفالة أمنه. وفي هذا, لابد من التأكيد أنه في حين علي الدولة ممثلة في الحكومة بمختلف وزاراتها وأجهزتها ومؤسساتها أن تطبق بحسم القوانين والتشريعات التي يقرها البرلمان وفق جدول زمني واضح المعالم, حتي لا تكون حبرا علي ورق, وأنه إذا لم تقم الدولة بذلك, فهذا يعني تخلفها عن الإضطلاع بواجباتها المنوطة بها مما يقتضي مساءلتها من قبل أعضاء السلطة التشريعية وضعا في الاعتبار أن الأمن مسئولية ونتيجة مشتركة للجميع, حكومة ومعارضة ورأي عام, والاستقرار هدف ومسئولية مشتركة للجميع.