الرئيس: لسنا بمعزل عما يحدث بالمنطقة ولا نفكر في زيادة العبء على المواطن    د. محمد معيط وزير المالية السابق فى «صالون الأخبار» :الرئيس السيسى تحمّل المسئولية كاملة لإصلاح البلد    فخ التصعيد ...الحرب تتحول إلى صراع أكثر كلفة وتعقيدًا    مرموش يقود مانشستر سيتي أمام وست هام    يلا سبووورت | بث مباشر مباراة الهلال والفتح اليوم في دوري روشن السعودي 2025-2026    بعد التعافي من الإصابة.. جافي جاهز للمشاركة ضد إشبيلية    مباشر الدوري الإنجليزي - أرسنال (0)-(0) إيفرتون.. خطيرة لأصحاب الأرض    دروع وأسلحة بيضاء.. الداخلية تكشف تفاصيل مشاجرة في الإسكندرية| فيديو    "بيبو" الحلقة 10 .. سيد رجب يُغري كزبرة بالأملاك ومنصب العمدة حتى يبقى في الصعيد    بسعر تذكرة 110 جنيها.. أيمن الشيوي يعلن عودة «الملك لير» بالمسرح القومي في عيد الفطر    استخراج «دبوس طرحة» من حنجرة فتاة وإنقاذها داخل مستشفى بنها الجامعي    وزارة الدفاع السعودية تعلن اعتراض وتدمير طائرتين مسيّرتين في المنطقة الشرقية    سعر ال100 ين ياباني أمام الجنيه في البنك المركزي (آخر تحديث)    من الحكاية إلى الدعم دراما المتحدة تدخل عصر جديد.. لأول مرة نشاهد توثيقا علميا للقضايا المطروحة وأرقام تليفونات للدعم تفتح أبواب النجاة    مسلسل إفراج الحلقة 25.. عمرو سعد يقترح عمل صدقة جارية على روح عمه ويخطط لفضح قاتله    المفتي: انفراد السيدة عائشة بنزول الوحي في بيتها شرف لم ينله غيرها من أمهات المؤمنين    العراق.. رفع الجاهزية القتالية لتأمين المياه الإقليمية والموانئ    وقفة احتجاجية في تونس تندد بإغلاق إسرائيل للمسجد الأقصى    وزير الاستثمار يسلم رخص ذهبية ل8 مشروعات مصرية وأجنبية وعربية    مصرع 3 أشخاص وإصابة أخر في حادث مروع بطريق "قنا - الأقصر"    الكاردينال ساكو يعلن عدم مشاركته في سينودس انتخاب بطريرك الكنيسة الكلدانية    كارولين عزمي في "رامز ليفل الوحش": ياسمين صبري الأجمل وميرنا نور الدين تليها ويارا السكري في المركز الأخير    علي جمعة ل فتاة: رضا الناس غاية لا تدرك والعدل هو الشفقة على الخلق    إخلاء سبيل المتهمتين بتعريض حياة مسن مصر الجديدة للخطر بكفالة    إصابة 6 أشخاص فى تصادم ميكروباص بطريق أسيوط الغربى بالفيوم    بطعم زمان.. طريقة عمل القراقيش بالشمر واليانسون    تشكيل أرسنال - مادويكي وهافيرتز يقودان الهجوم ضد إيفرتون    بتوجيهات رئاسية.. ملامح إعادة هيكلة التخصصات الجامعية لمواكبة سوق العمل    محافظ أسوان يصدر قرارًا بحركة تنقلات داخلية محدودة بالمحليات لرفع كفاءة العمل الإداري    «الرقابة الصحية» تنفذ برنامجًا دوليًا لتأهيل مراجعي رعاية السكتة الدماغية بالتعاون مع WSO    أسعار النفط تسجل قفزة أسبوعية وسط مخاوف من نقص الإمدادات    وصف مصر بأنها أم الدنيا والعالم الحديث.. سفير تركيا ينعى المؤرخ إلبر أورتايلي    ما معنى مصطلح «الإكليروس» في الكنيسة الأرثوذكسية؟.. البابا تواضروس يوضح    محافظ أسوان يوجه رؤساء المراكز والمدن لحضور احتفالات تكريم حفظة القرآن    زكاة الفطر.. مقدارها وموعد إخراجها ولماذ شرعت    12 إصابة في حريق مصنع قطع غيار سيارات بالدقهلية    بسبب سوء الأحوال الجوية حريق هائل داخل مطعم بقنا    تأجيل محاكمة 3 متهمين فى قضية تنظيم الجبهة لجلسة 19 مايو    دوي انفجارات في القدس عقب رصد صواريخ باليستية أُطلقت من إيران    انطلاق مباراة بايرن ميونخ ضيفًا على ليفركوزن    توقيع برتوكول تعاون بين "قناة السويس للاستزراع المائي" وجهاز حماية وتنمية البحيرات والثروة السمكية    الزمالك يتعادل مع أوتوهو في الشوط الأول بالكونفدرالية    وزير الاتصالات يشارك في الاجتماع التنسيقي لمتابعة قضايا المصريين بالخارج    نقيب المحامين يقرر صرف 500 جنيه منحة استثنائية لأصحاب المعاشات بمناسبة عيد الفطر المبارك    1121 مواطن يستفيدون من قافلة طبية مجانية بدمياط الجديدة    وزير التخطيط يبحث مع وفد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية تعزيز التعاون المؤسسي ودعم تنفيذ رؤية مصر 2030    ضبط كيان تعليمى بدون ترخيص بالقاهرة متهم بالنصب على المواطنين    عمرو السيسي: الدوري الحالي أصعب وليس أقوى.. وإمام عاشور هو الأفضل حاليا    طوال العشر الأواخر من رمضان| الأدعية المستجابة في ليلة القدر    أيمن محسب: اتصال الرئيس السيسي ونظيره الإيراني يؤكد دخول مصر الوساطة الإقليمية    إحالة سائق بتهمة الاعتداء بالضرب على موظف في عين شمس للمحاكمة    مدير مستشفيات جامعة القاهرة يتفقد الاستقبال والطوارئ وبنك الدم    «تطوير التعليم بالوزراء» يخصص 50 منحة دولية لأبناء الشهداء في التكنولوجيا واللغات    باكستان تتهم أفغانستان ب«تجاوز الخط الأحمر» من خلال إطلاق مسيّرات نحوها    حفل قرآني مهيب بمركز سنهور القبلية بالفيوم لتكريم 2000 حافظ وحافظة للقرآن الكريم    تخفيض سرعة القطارات بسبب حالة الطقس    عمليات إجلاء في المنطقة المركزية بالدوحة    حكايات| أغنية الخمسين سنة.. "تم البدر بدري" أيقونة وداع رمضان    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



في أصول الميراث الأخلاقي الفريد للمصريين
نشر في الأهرام اليومي يوم 09 - 03 - 2010

أجتمعت معتقدات المصريين القدماء علي قيم أخلاقية سامية‏,‏ كانت ركيزة وحدتهم الوطنية وهبة مصر الأعظم إلي الحضارة الإنسانية في فجر الضمير والأخلاق وقبل عصور الأديان السماوية‏.‏ وقد تنوعت تلك المعتقدات لكنها لم تحل دون عيشهم المشترك وفي تسامح نادر تحت شعار لم يرفعوه ولكن مارسوه‏,‏ وهو‏'‏ الدين لله والوطن للجميع‏'‏ كما بينت في مقالي السابق‏.‏ وتكشف معتقدات المصري ما رآه إثما منذ فجر حضارته هو كل ما حرم في كل مجتمع إنساني متحضر‏:‏ القتل والتحريض علي القتل والسرقة والغش والتزوير والفسق والزنا‏!‏ وأضاف المصري إلي ذلك واجبات أسمي‏,‏ حيث علي الإنسان‏:‏ ألا يكذب‏,‏ وألا يغتاب‏,‏ وألا يتجسس‏,‏ وألا يعوق الماء الجاري‏(‏ إلي أرض غيره‏)‏ أثناء الفيضان‏!‏
وتسجل نقوش مقابر الدولة القديمة وآداب الدولة الوسطي‏:‏ أن المرء يفخر قبل كل شئ بعمل الخير‏,‏ إذ يعطي الخبز للجائع والماء للعطشان والملبس للعاري‏,‏ ويهدي من ضل إلي السبيل السوي‏.‏ وفاعل الخير في نظر المصريين القدماء‏:‏ أب لليتيم وابن للمسنين وأخ للمطلقة وزوج للأرملة‏!‏ وهو كساء لمن يقرصه البرد‏,‏ وملجأ من الريح‏,‏ وممرض للمريض‏!‏ ويجب علي المرء أن يحب زوجه‏,‏ وأن يعمل لها كل خير‏,‏ وألا يدخر في ذلك وسعا‏!‏ وفاعل الخير يفخر بأنه يساعد في قاربه علي عبور من يعجز عن عبور النهر‏,‏ حيث قوارب البردي هي وسيلة الانتقال بين أكوام التراب التي أقيمت عليها قري الدلتا لتجنب الغرق في زمن الفيضان‏!‏
ومن المبادئ الأخلاقية ما سجله كتاب يعتبر من أمتع ما خلفه لنا الأدب المصري كتبه حكيم يدعي‏'‏ آني‏',‏ يقول فيه‏:‏ كن كريما ولا تأكل خبزا حين يكون هناك آخر يتضور جوعا‏!‏ وأعد لأمك كل ما فعلته من أجلك‏,‏ وأعطها المزيد من الخبز‏,‏ وأحملها كما حملتك‏!‏ واحترس من أن تكشف أسرارا‏,‏ وإن قالها رجل في بيتك فتظاهر بالصمم‏!‏ ولا تكثر الكلام‏,‏ وكن حذرا حين تتكلم لأن اللسان يسبب للناس النكبات‏!‏ والفضيلة الرئيسية للمرء هي الحشمة والحياء‏.‏ لا تبق جالسا حين يكون شخص أكبر منك سنا أو مركزا واقفا‏,‏ ولا تدخل منزلا غريبا ما لم تكن مدعوا‏,‏ ولا تعتمد علي الميراث‏,‏ بل علي ما صنعت يداك‏!‏ ولا تغش في المقاييس والأوزان‏,‏ ولا ترتش‏,‏ وأقض بالعدل ولا تظلم الضعيف لصالح الغني‏,‏ ولا تطرد من كان ملبسه غير مناسب‏!‏
ويضيف الحكيم‏'‏ آني‏'‏ في كتابه‏:‏ لا تغش في جباية الضرائب‏,‏ ولا تكن قاسيا كذلك‏,‏ وإذا اكتشفت مبلغا كبيرا متأخرا علي قائمة مدين من الفقراء قسمه إلي ثلاثة أجزاء وأحذف جزءين منهما ولا تبق إلا جزءا واحدا‏!‏ وجميع ما يفعله المرء في غير عدالة لن يجلب له بركة‏!‏ إذ أن مكيالا واحدا يعطيه الإله خير من خمسة آلاف تكتسبها بغير حق‏!‏ وإذا جاءك أحد بثروة علي طريقة اللصوص فإنها لا تبقي معك ليلة واحدة‏!‏ وخير للمرء قلب راض من غني مقرون بالهموم‏,‏ وأحذر الهموم لأن الإنسان لا يدري ما سوف يكون في الغد‏!‏ وكن رحيما في كل شئ‏:‏ فلا تهزأ بالأعمي‏,‏ ولا تسخر من القمئ‏,‏ ولا تسبب ضرا لمقعد‏!‏ وإنني لم أدنس فمي بإهانة من أهانني‏,‏ واستجلبت المحبة لنفسي‏,‏ وصار أعدائي أعوانا لي‏!‏
ومنذ عصر الدولة القديمة فإن متون الأهرام‏,‏ التي تمدنا بأقدم مصدر وصل إلينا عن التفكير البشري للأقدمين وتستهدف ضمان السعادة في الحياة الآخرة‏,‏ سجلت كما يقرأها عالم المصريات الألماني الرائد أدولف إرمان‏:‏ أنه لا يسمح الملاح السماوي بالعبور لغير الصالحين العادلين‏,‏ وعلي كل واحد أن يثبت أمام الاثنين والأربعين قاضيا في محكمة الموتي أنه لم يرتكب آثاما قط‏.‏ وأمام محاكمة الموتي في‏'‏ الحياة الآخرة‏'‏ والتي تعبر عن المسئولية الأخلاقية فيما بعد الموت يردد المصري القديم كما سجل الحكيم‏'‏ آني‏'‏ في برديته التي وصلت إلينا من الدولة الحديثة‏:‏ لم أفعل شيئا تمقته الآلهة‏,‏ ولم أجوع أحدا‏,‏ ولم أسبب لأحد ألما‏,‏ ولم أدع أحدا يبكي‏,‏ ولم أقتل‏,‏ ولم أدع إلي القتل‏,‏ ولم أطفف مكيال الحبوب‏,‏ ولم أنقص مقياس الذراع‏,‏ ولم أزيف في مقياس الحقل‏,‏ ولم أثقل في مثاقيل الميزان‏,‏ ولم أزور في لسان الميزان‏,‏ ولم أسلب اللبن من فم الطفل‏,‏ ولم أسرق الماشية من مرعاها‏,‏ ولم أسع بأحد‏(‏ شرا‏)‏ عند رئيسه‏,‏ ولم أقلل الطعام في المعابد‏,‏ ولم أنقص خبز الآلهة‏,‏ ولم أسلب طعام المعبد‏,‏ ولم أفسق في معبد إله مدينتي‏.‏
ويلاحظ أدولف إرمان أن الجائل بنظره في قائمة للذنوب التي لم ترتكب‏,‏ يدرك أنه كان من الصعب علي مؤلفيها أن يجدوا أثنين وأربعين إثما لعرضها علي القضاة الاثنين والأربعين الذين حددت عددهم مقاطعات مصر الاثنتان والأربعون‏,‏ ولهذا فكثيرا ما تتكرر هذه الآثام في صيغ مختلفة‏,‏ أو تبدو في عبارة عامة‏.‏ ولا يدخل الموتي الذين يخفقون في امتحان يوم الحساب إلي مملكة أوزيريس أو الجنة‏!‏ ويظلون في مقابرهم يضنيهم الجوع والعطش‏,‏ ولا يشاهدون الشمس بنهار أو بليل‏!‏ وكما أن المذنب يلقي في محاكم الدنيا عقوبة خاصة‏,‏ فقد تخيل المصريون بعض العقوبات للميت الذي لم تثبت براءته من الخطايا الأخلاقية‏.‏ وتكشف لنا الدعوات المدونة في مقابر أشراف الأسرة الثامنة عشرة ما تصوره المصريون في أزهي عصورهم عن مصير الموتي الأبرار‏,‏ إذ تجمع هذه الدعوات سائر ما يرجي للميت‏!‏
ولئن كان الشعب المصري يختلف في شئ عن غيره من الشعوب‏,‏ فإنما ذلك في العناية التي كان يوجهها إلي موتاه‏.‏ ففي العصور المتأخرة‏(‏ الأحدث‏)‏ للحضارة المصرية القديمة كان المعاصرون من اليهود أو الإغريق لا يتحدثون كثيرا عن مصير موتاهم‏,‏ بل كانوا يتحرجون من الحديث عنهم‏,‏ علي حين كان المصريون يفكرون فيهم بغير انقطاع‏!‏ ولا يدخرون وسعا في العناية بهم والاهتمام بسعادتهم‏!‏ ويودون ألا تفني ذكراهم‏!‏ والسبب الطبيعي في ذلك هو ما تشترك فيه الإنسانية عامة‏,‏ ألا وهو حب الأهل وذوي القربي‏,‏ فكما تجب رعاية المسنين والأطفال الذين لا يستطيعون العناية بأنفسهم‏,‏ فإن من الواجب كذلك رعاية الموتي المساكين الذين لا عون لهم‏!‏
وفي مقابر ما قبل التاريخ في مصر‏,‏ حين لم يكن في الاستطاعة أن تكون القبور أكثر من حفر بسيطة‏,‏ نجد المصريين يودعون فيها سائر ما يحتاج إليه الموتي من طعام‏,‏ وما يدخل علي قلوبهم البهجة والسرور‏,‏ عند بعثهم أحياء‏!‏ وتزداد العناية بالموتي بازدهار الحضارة المصرية‏,‏ حتي بلغت حد المغالاة والسفه‏,‏ حيث لا نجد في العالم مقابر تماثل الأهرامات‏,‏ أو المقابر المحفورة في الصخر في طيبة‏,‏ ولم تودع في مقابر الموتي في أي مكان آخر ودائع وافرة قيمة بمثل ما أودع في مقابر المصريين‏!‏ وندرك مغزي هذا إذا عرفنا كما سجل جيمس هنري بريستد في كتابه‏'‏ مصر فجر الضمير‏'‏ أن كلمة الموت لم تذكر قط في متون الأهرام إلا في صيغة النفي أو مستعملة للعدو‏,‏ حيث تري التأكيد القاطع مرة بعد الأخري أن المتوفي حي يرزق‏!.‏
وكان الأفكار التي تمسك بها المصريون القدماء منذ فجر الحضارة أن الأرض تنقسم إلي قسمين‏:‏ الأول هو‏'‏ الأرض الحمراء‏'‏ حيث يسكن البرابرة المتوحشون الذين يعيشون علي الأمطار‏,‏ والثاني هو‏'‏ الأرض السوداء‏',‏ حيث تسكن الآلهة التي وهبتها نيلها الفياض واهب الخير للناس‏.‏ ولم يتخيل المصري القديم أن هناك أرضا سوداء غير أرضه‏,‏ حيث الظلم ليس القوة التي تسودها بل الحق‏!‏ وكان يقين المصريين هذا من العوامل التي أكسبت القوة لأسطورة خلود أوزوريس‏,‏ إله النيل والخضرة والبعث في معتقدات مصر القديمة‏!‏ وللحديث بقية‏,‏ لعل المحدثين الغافلين يعلمون أن القيم الأخلاقية التي أبدعها المصريون القدماء والتي دعتهم إليها أديانهم السماوية هي ركيزة عيشهم المشترك ووحدتهم الوطنية مهما تباينت عقائدهم‏.‏
[email protected]

المزيد من مقالات د‏.‏ طه عبد العليم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.