اللواء عادل العمدة: المشروع التكتيكي بالذخيرة الحية يحاكي واقع الحروب الحديثة    الفدرالي الأمريكي يثبت الفائدة للمرة الثالثة وسط تداعيات حرب إيران    «النواب» يرفض تسريح العمالة في برنامج الطروحات.. «تفاصيل»    متحدث التعليم: تدريس "الثقافة المالية" يغير نمط تفكير الطلاب الاقتصادي    معدلات تنفيذ شقق سكن لكل المصريين وديارنا بالعبور الجديدة    اقتصادية النواب: قانون المعاشات الجديد يعيد هيكلة المنظومة القديمة لضمان دخل كريم يتناسب مع تطورات العصر    أسعار النفط تشتعل: برنت يقفز 7% ويتخطى حاجز ال 120 دولاراً لأول مرة منذ سنوات    الضفة.. استشهاد طفل فلسطيني برصاص الجيش الإسرائيلي في الخليل    العفو الدولية: إسرائيل تلاعبت بتصريحات أوروبية حول «أسطول الصمود»    "متمردو الطوارق" يطالبون روسيا بالانسحاب الفوري من شمال مالي    جهاز الزمالك يضم عمر جابر لمعسكر القمة رغم الإصابة    منتخب المصارعة الرومانية تحت 20 سنة يتوج بكأس البطولة الأفريقية بعد حصد 8 ميداليات    منتخب الناشئين يتعادل مع اليابان 2/2 ودياً    بدون ترخيص.. ضبط صيدليتين تعملان بأسماء وهمية بسوهاج    النيابة الإدارية تفحص واقعة تعدي إحدى المعلمات على تلميذ بالبلينا    ضربه بالنار أمام ابنه، جنايات المنيا تقضي بإعدام المتهم في جريمة قتل    وزارة التعليم توجه بصرف مكافأة امتحان الإعدادية مقابل 130 جنيه لليوم    SITFY-Georgia يفتتح دورته الثانية بحفل فنى على المسرح الوطنى الجورجي روستافيلي    حمدى الميرغني يستقبل عزاء والده في هذا الموعد    ترامب: الحربين في إيران وأوكرانيا قد تنتهيان في وقت متقارب    البابا تواضروس يكلف وفد كنسي لتقديم العزاء للدكتور مصطفى مدبولي    كرة يد - الأولمبي يفجر المفاجأة ويقصي الزمالك من نصف نهائي كأس مصر    حمدي زكي يخطف نقطة في +90 ل حرس الحدود من أرض الجونة    هل يجوز تفضيل الأضحية على العمرة لمساعدة الناس؟.. أمين الفتوى يجيب    هل يجوز رد السلفة بزيادة بسبب ارتفاع الأسعار؟.. "الإفتاء" تُجيب    تل أبيب تطالب لندن بإجراءات "حاسمة" لحماية الجالية اليهودية عقب هجوم "جولدرز جرين"    زراعة الإسماعيلية: انطلاق حصاد القمح ومتابعة يومية لانتظام التوريد    «تمريض الجلالة» تنظم المُؤْتَمَرَيْن العلمي الدولي الثالث والطلابي الدولي الثاني    مصرع وإصابة 4 أشخاص إثر حادث تصادم بطريق طنطا–بسيون بالغربية (صور)    انتقام "الأرض" في الشرقية.. سقوط متهم سرق محصول جاره بسبب خلافات قديمة    ننشر أبرز ملامح قانون الأسرة    تجميد عضوية عمرو النعماني من حزب الوفد وتحويله للتحقيق    رئيس الوزراء يترأس الاجتماع الأول للمجلس القومى للمياه بعد تشكيله    «إياتا»: نمو محدود للسفر والشحن عالميًا بسبب صراع الشرق الأوسط    أمين الفتوى: النقوط ليس دينًا ولا يجوز الاستدانة بسببه (فيديو)    جولة مفاجئة لنائب وزير الصحة بالقليوبية تحاسب المقصرين وتدعم الجادين    طب كفر الشيخ ينظم فعالية لدعم أطفال الفينيل كيتونوريا وأسرهم بالمستشفى الجامعى    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : الثقة بالنفس !?    وزير الرياضة ومحافظ شمال سيناء يشهدان لقاءً حواريًا مع القيادات الشبابية    غدًا.. دور السينما المصرية تستقبل "The Devil Wears Parada"    إخلاء سبيل الراقصة حورية في مشاجرة داخل مستشفى بالشيخ زايد    استمرار نظام العمل عن بُعد يوم الأحد من كل أسبوع خلال مايو    تطورات جديدة في إصابة محمد صلاح.. وهل يغيب عن المنتخب في المونديال؟    الكشف على 1082 مواطنًا بقافلة طبية مجانية فى قرية بدران بالإسماعيلية    جامعة القناة تطلق برامج تدريبية متكاملة لتعزيز وعي المجتمع والتنمية المستدامة    الطقس غدا.. ارتفاع بالحرارة نهاراً وشبورة كثيفة والعظمى بالقاهرة 29 درجة    عثمان ديمبيلي يكشف سر الفوز على بايرن ميونخ في دوري الأبطال    8 أطعمة تساعدك على مقاومة العدوى وتقوية المناعة    ترقب جماهيري ل«الفرنساوي».. موعد عرض الحلقتين 3 و4 يشعل السوشيال ميديا    نائبة تتقدم باقتراح برغبة لاعتماد برنامج للتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية    "المعهد القومي للأورام": جراحات متقدمة وخطط علاج شاملة للسرطان وفق نوع ومرحلة الورم    وفاة مختار نوح.. تحديد موعد ومكان العزاء غدًا بمصر الجديدة    «هيكل وبهاء: ترويض السلطة».. علي النويشي: التجربتان أسستا لقيم المهنة ودور الصحافة في كتابة التاريخ    "مدبولي" يهنئ الرئيس عبد الفتاح السيسي بمناسبة عيد العمال    «سيناء.. ارض السلام» في احتفالية ثقافية بقصر ثقافة أسيوط بمناسبة ذكرى تحرير سيناء    حقوق القاهرة تعلن جدول امتحانات الفصل الدراسي الثاني 2025-2026 وتعليمات هامة للطلاب    بعد غياب طويل.. شيرين عبد الوهاب تعود لجمهورها بحفل في الساحل الشمالي    بوتين: العقوبات الغربية تستهدف أقارب رجال الأعمال الروس حتى الدرجة الثالثة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سبتمبر يلقي بظلاله علي الشأن الأفغاني
من رباني إلي شاه مسعود‏..‏ انتهي الدرس

أعتقد أن توقيت اغتيال الرئيس الأفغاني الأسبق برهان الدين رباني الثلاثاء الماضي يجب أن يستوقفنا كثيرا‏,‏ فقد تم اغتياله في شهر سبتمبر الذي اغتيل فيه أيضا قبل عشرة أعوام بالتمام والكمال وزير دفاعه أحمد شاه مسعود وتحديدا في التاسع منه أي قبل يومين من تفجيرات مركز التجارة العالمي والبنتاجون بالولايات المتحدة الأمريكية في الحادي عشر من سبتمبر. ورباني الحاصل علي الماجستير في الفلسفة الإسلامية من جامعة الأزهر كان ثاني رئيس لدولة المجاهدين في عام1992 بعد صبغة الله مجددي بناء علي اتفاق ضم أحزاب الجهاد الأفغانية السنية السبعة إضافة إلي حزب الوحدة الشيعي والذي نص علي أن يتولي مجددي الحكم لمدة شهرين ثم يتولي رباني قيادة البلاد لمدة أربعة أشهر, إلا أن رباني جدد فترة رئاسته مما جعل الاتفاقية لاغية واستمر في الحكم نحو أربعة أعوام إلي أن أطاحت به حركة طالبان في سبتمبر أيضا عام.1996
وعلي الرغم من أن الحزب الإسلامي برئاسة قلب الدين حكمتيار كان قد وقع علي هذه الاتفاقية التي منحت الجمعية الإسلامية برئاسة رباني منصب وزير الدفاع الذي شغله أحمد شاه مسعود إلا أن حكمتيار الذي حصل علي منصب رئيس الوزراء لم يقبل بالاتفاقية منذ البداية ودخلت البلاد في حرب مستعرة وصراع علي السلطة راح ضحيته أكثر من أربعين ألف شخص.
وقد كان رباني أحد قادة المجاهدين السنة السبعة بجانب حزب الوحدة الشيعي, إلا أن هذا الحزب ونظرا لأنه ظل يعمل من خلال دعم إيراني خالص فقد كانت هناك فجوة واسعة بينه وبين بقية الأحزاب السنية الأخري التي كانت تعتمد في دعمها منذ الاحتلال السوفييتي عام1979 م وحتي انسحابه من الأراضي الأفغانية عام1988 م ثم سقوط الحكم الشيوعي بقيادة نجيب الله عام1992 م علي دعم الولايات المتحدة الأمريكية العسكري والمعنوي ثم الدعم المالي من دول وأمراء وأثرياء الخليج, ثم دعم المتطوعين العرب بصفة عامة ورسمية وأبرزهم مصر قبل أن ينقلب السحر علي الساحر وتصنف الأجهزة الأمنية كل من شارك في الحرب الأفغانية علي أنه إرهابي.
في بيشاور الباكستانية علي الحدود الأفغانية التقيت برهان الدين رباني عام1987 م, حيث كان يقود حزبه وحيث كانت المواجهة مع الاحتلال السوفييتي قد بلغت ذروتها وكان الدعم العسكري الأمريكي بصواريخ كروز وستينجر قد بلغ مداه وكانت أموال الخليج تغدق علي المجاهدين بتعليمات أمريكية والمتطوعون العرب يتدفقون بوازع عقائدي وروايات النصر والشهادة من داخل الجبهات ومن أعلي قمم جبال الهندكوش لا حصر لها.
وفي ذلك التوقيت كان قد ذهب برهان الدين رباني إلي نيويورك للمشاركة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لمناقشة الأزمة الأفغانية, وعلي هامش الاجتماع التقي الرئيس الأمريكي آنذاك رونالد ريجان مما أثار حفيظة الشعب الأفغاني الذي اعتبر أن رباني أراد الخروج من الاحتلال السوفيتي إلي الهيمنة الأمريكية وانتظره الآلاف من شعبه في بيشاور بثورة عارمة عقد علي أثرها مؤتمرا شعبيا ضخما أعلن فيه اعتذاره وأنه اجتهد فأخطأ.
إلا أن رباني بالتأكيد لم يكن مقتنعا لا بهذا المؤتمر ولا بذلك الاعتذار فقد كانت ميوله أمريكية وتوجهاته غربية وهو ما أبقاه في بؤرة الاهتمام حتي يوم مقتله في ظل احتلال أمريكي غربي لبلاده مستمر حتي الآن وعلي مدي عشر سنوات.
كما كان رباني سياسيا مخضرما, وما يؤكد ذلك انه كان الوحيد من بين قادة المجاهدين الأفغان الذي تميز بعلاقات وثيقة مع الغرب طوال سنوات الاحتلال السوفييتي وما بعدها, ثم أن قواته كانت أول من دخل العاصمة الأفغانية كابول بقيادة أحمد شاه مسعود عقب سقوط الحكم الشيوعي واستولت بذلك علي قصر الرئاسة وقد تم ذلك بحنكة فائقة وتحالف سري للغاية مع عبد الرشيد دوستم القائد العسكري الأوزبكي بعد ان غدر بالرئيس نجيب الله الذي أعدم في شوارع كابول.
وبالمفاوضات مع بقية الفصائل حصل رباني علي مقعد الرئاسة علي الرغم من انه ينتمي للعرقية الطاجيكية التي لا تمثل سوي نحو15% من السكان وذلك في وجود القائد الأكثر شعبية وهو قلب الدين حكمتيار الذي ينتمي إلي عرقية الباشتون والتي تمثل ما يزيد علي45% وهي نفس العرقية التي ينتمي إليها الرئيس الحالي حميد كرزاي.
إلا أن اغتيال أحمد شاه مسعود القائد الميداني الذي حيكت حول عبقريته العسكرية طوال سنوات الجهاد الأفغاني روايات وأساطير قد قضي علي أحلام برهان الدين رباني في العودة إلي سدة الحكم مرة أخري علي الرغم من الاجتياح الأمريكي للأراضي الأفغانية بعد مقتل مسعود بأسابيع قليلة والإطاحة بحركة طالبان, فقد قررت الولايات المتحدة في ذلك الحين الاستعانة برئيس يمثل الأغلبية هناك وليس من أقلية أو إثنية يظل معها كرسي الرئاسة متأرجحا.
ومع ذلك ظل رباني يقاوم ويفرض نفسه علي أدوار الوساطة إلي ان أصبح رسميا رئيس المجلس الأعلي للسلم هناك علي اعتبار أنه سيفاوض الحكومة وطالبان في آن واحد ولم يكن يدري أنه سوف يكون ضحية هذه اللعبة التي رفض غريمه حكمتيار المشاركة فيها رغم أنها كانت مطلبا أمريكيا أفغانيا في نفس الوقت.
خلال لقائي معه عام1987 م قال لي برهان الدين رباني: نريد إقامة دولة إسلامية في أفغانستان تحكم بالكتاب والسنة تكون نموذجا للدول الإسلامية الأخري بل وللعالم, وبعد أن أصبح رئيسا لأفغانستان عام1992 م التقيته في مكتبه بالعاصمة كابول وكانت أولوياته قد اختلفت إلي حد كبير حيث أكد أهمية الانفتاح علي العالم وإقامة علاقات طيبة مع الغرب مثنيا علي الرئيس السابق حسني مبارك ومشيدا أكثر بموقف الرئيس السادات في بداية الجهاد الأفغاني.
وبمقارنة بسيطة بين إجابتين عن سؤال واحد وجهته إلي رباني وحكمتيار كل علي حدة يمكن أن تتضح لنا مدي الدبلوماسية التي كان يتحدث بها رباني لوسائل الإعلام حيث أجاب قائلا علي سؤال حول الدور المصري في الحرب الأفغانية: أن موقف مصر رائع ونقدره ونعتز به وأدعو الرئيس المصري أن يكون أول رئيس دولة يزور أفغانستان, بينما كانت إجابة حكمتيار كالتالي: لابد أن نفرق بين موقف مصر الدولة ومصر الشعب, فالدولة كانت تؤتمر بأوامر أمريكية أما الشعب فكان يتعاطف مع القضية الأفغانية بوازع من القلب والعقيدة والضمير.
وتجدر الإشارة هنا إلي أن قادة المجاهدين السبعة باستثناء حكمتيار درسوا جميعهم في جامعة الأزهر الشريف وعاشوا سنوات مفعمة بكثير من الذكريات ما بين أحياء امبابة وبولاق والدراسة والدرب الأحمر بالقاهرة ولذلك هم يحملون لمصر مودة وشغفا من نوع خاص إلا أن جهاز أمن الدولة السابق بقدر ما أفسد أوضاعنا الداخلية فقد أساء كثيرا لعلاقاتنا الخارجية وأصبح هؤلاء القادة متهمون كما هو حال المتطوعين المصريين للجهاد في أفغانستان.
فقد كانت هناك محاذير كثيرة علي دخول القادة الأفغان مصر كما صدرت تعليمات مشددة إلي المواني والمطارات باعتقال أي مصري قادم من أفغانستان, وأذكر أنه في أعقاب عودتي من هناك عام1992 م تحدثت مع أستاذنا الكبير فهمي هويدي في هذا الشأن وكان في يده بالصدفة مقال بخط القلم بعنوان مجاهدون لا إرهابيون يتحدث عن نفس المشكلة وقد رفضت الأهرام في ذلك التوقيت نشره, وحسبما أذكر أيضا قام الأستاذ هويدي بنشره في جريدة الشعب لسان حزب العمل الاشتراكي والتي كانت تصدر آنذاك, ومنذ ذلك التاريخ دخلت مصر في دوامة من العنف غير مسبوقة استمرت حتي عام1997 م بزعم الحرب علي الإرهابيين العائدين من أفغانستان!
علي أية حال فإن برهان الدين رباني رغم أنه قد استفاد في فترات عديدة في حياته بالتحالفات العسكرية والمواءمات السياسية ألا أنه قد اختتم السنوات العشر الأخير من حياته بوضع لا يتناسب أبدا مع تلك الخبرة علي الرغم من اليد الطولي للولايات المتحدة الأمريكية في بلاده حيث كان في استطاعتها الإعلاء من شأنه, إلا أن ذلك يبدو انه حال كل الذين يعتمدون علي الغطاء الأمريكي.
والمدهش أن نفس الطريقة التي اغتيل بها القائد العسكري احمد شاه مسعود علي أيدي اثنين قيل أنهما من العرب هي نفسها التي اغتيل بها رباني إلا أنهما هنا من الأفغان المنتمين إلي حركة طالبان.
رحم الله هذا وذاك ولنا فيهما عبرة, وفي الاعتماد علي الأجنبي عظة, وفي التمويل الخارجي شبهة, وفي الانتماء للوطن كرامة, وفي الاستغناء عز ومهابة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.