تزداد يوماً بعد يوم الأعمال الروائية العربية المترجمة إلي الفرنسية والتي تصدر عن أهم وأكبر دور النشر في فرنسا. آخر تلك الأعمال رواية "هاتف المغيب" للروائي جمال الغيطاني التي صدرت عن دور نشر "سوي". الطاهر بن جلون الأديب المغربي كتب عنها مقالاً نشر في ملحق الكتب بصحيفة لوموند يوم 28 يناير الماضي .. إليكم نص ما كتبه. (1) تتسلط حكايات ألف ليلة وليلة علي معظم الكتاب العرب حتي لو لم يعترفوا بذلك، فهذا الإرث الجمعي والضبابي إلي حد ما يتسلل إلي قصصهم. وقد مر قرن تقريباً علي ظهور الرواية بمعناها الغربي في العالم العربي. فبعد إقامة في فرنسا، قرر بعض المثقفين المصريين واللبنانيين أن يجلبوا الرواية إلي بلادهم. وظنوا هم قراء فلوبير وزولا، أن المخيلة العربية تستطيع أن تتبني هذا النوع الأدبي فهو يمكن أن يندس دون أن يكون مقنعاً وبشكل غير طبيعي. في هذا العصر كان المجتمع العربي لايزال متعلقاً بالعشيرة وبالقبيلة أكثر من تعلقه بالتميز الفردي. والآن أيضا يعد بروز الفردية بطيئاً وصعباً. ودون هذا الكائن "المتفرد والمتميز" كما يحدد ذلك ماكس ستينر لن توجد الرواية خاصة لو عرفنا هذا النوع بأنه تمجيد لخاصية غير قابلة للانتقال، والتي تروي عبر ذات حرة أي أن يكون "مالكاً" لما تحت سيطرته ولما يقدر عليه. والشرق، في معناه العام، لا يرهق ذاته بهذا النوع من الحرية. ومهما يكن الحال في الشرق الأوسط وفي الدول البحر المتوسطية فإن كل دعوة من هذا النوع، تطالب بذلك تدرك كتحريض أو كإرادة انشقاق، وفي كل زمن، يفضل العالم العربي أن يعبر عن نفسه بالشعر أو بالحكايات التي لا تكون علي الدوام مثيرة للإعجاب. فالحكاية هي الشاشة التي يكون من شبه المستحيل تقمص أحد شخوصها. فنحن ننفك عن الواقع، نسخر من تصديقه ونطلق العنان للخيال. نبعد القاريء عن المؤلف، والذي غالباً ما يكون مجهولاً أو جمعياً. وربما تتعلق الحكاية بشكل أوثق بالخيال الذي لا يكون محدداً بزمن، فهكذا يريح القراء فيما يتعلق بهوسهم في تفضيل الحلم علي الفعل، أن يلوذوا إلي الأساطير والحكايات حتي لا يخوضوا صعاب الحياة اليومية الخانقة. فالكاتب يلجأ إلي الرموز وإلي المجاز وهو يحاول أن يكون شاهداً علي عصره. وهذا ما فعله جمال الغيطاني في كتابه الأخير (المترجم إلي الفرنسية) بحمية ودهاء. فلقد قدم البرهان علي مقدرة تخيلية نادرة. فكما فعل في "الزيني بركات" أول روايةترجمت في فرنسا (سوي، 1985) حين مزج بين التقمص التاريخي والسياسي وبين رمزية الصوفية الإسلامية. و"هاتف المغيب" التي ترجمتها ڤاليري كريوسو علي نحو لافت للنظر ليست رواية. إنها سلسلة من القصص الغزيرة بالحكايات الممتزجة فيما بينها والمتصلة ببعضها البعض، مسافر، غريب موسوم برقم سبعة ويري أموراً فائقة. حوي كل زاده سبعة كتب قديمة، وقضي سبعة أيام مع الشيخ، سيد المرابطين، قبل أن يركن إلي أمين سر السلطان. الكتاب هو بوح بمغامرات أحمد التي لا تصدق وهو الذي استجاب للهاتف، الهاتف الذي جاءه من مكان ما، ربما من الداخل. وفهم أن عليه أن يغادر القاهرة وأن يذهب هناك حيث تغيب الشمس. سافر وهو يتبع ظله، منجذباً رغما عنه علي طريق القدر، اعطته الصحراء وعدم وجود أي علامة شعوراً قوياً بالغربة والهلاك. واطمأن عندما اكتشف جزيرة تينيس، هناك حيث توجد زهرة البلسان. وعرف أن الجزيرة ستبتلع عندما تختفي تلك الزهرة. انها جزيرة الطفولة، تلك التي توجد فينا كأنها سر، كأنها لغز، جزيرة الطيور التي تفارق الحياة إذا لم تستطع الطيران في خط مستقيم، جزيرة الحرير النادر، جزيرة الشجرة الألفية النادرة، والتي تحمل كل أصناف الفاكهة، الشجرة التي تمنح الخصب للعاقرات. وواصل أحمد رحلته وهو يتبع الشمس. وتعرف علي الحضرموتي، الدليل الذي يحدد الاتجاه بالحس، يعرف حركة الظلال، يصمت طويلاً لو كان سيقول شيئاً ما، ويتيح له صمته سماع العلامات السابقة علي العاصفة، واهتزاز باطن الأرض، غضب الرمال وحركة التلال. لن يصادف من يسير باتجاه المغيب أي حظ للتوقف يوما ما، إنها أسطورة سيزيف تقع أحداثها بين الصحراء والواحات. وتوقف أحمد في الواحة الداخلة، تلك التي يوجد بها عينا ماء، الأولي باردة والثانية حمئة، وثمة حوض كبير، تتفرع منه قنوات حتي تدخل البيوت، حتي تغتسل الصبايا البكر. وحكي يوما ما ان غريباً استحم في هذا الحوض، وجرفه التيار ومات، ومنذ ذلك الحين، لم تعد العذاري تستحم في هذا الماء. وبعض النساء الأخريات وجدن فيه ما يجعلهن ينتشين من اللذة. وعندما تركه الدليل، أعطاه كتاباً مجلداً برق الغزال سيكون رفيق العبور المفرد للرمال. ولكن سريعاً جداً استقبلته واحة أخري، هي أم الصغير، حيث غسلت له نساء كريمات الأصل أقدامه وفقاً لقواعد الضيافة. وخلال ثلاثة أيام، لم يُسأل من هو ولا من أين جاء ولا لماذا جاء. والذي يسيطر علي هذا المكان رجل، لا عمر له، عاش لقرون وعرف النبي ورفاقه يعمي قصاص الأثر. ويقال إنه سيكون رجل المغيب، الذي يكشف الأثر وهو الموسوم بالأسرار، ويتدرب أحمد علي الحب علي قصاص الأثر. فيقابل فتاة شابة متقدة ومندفعة، كائنا مستقلاً، فتاة مجنحة، شاردة، ملتاجة، قادرة علي قراءة دواخل الكائنات. وأخذت أحمد بين ذراعيها وانسابت داخله حتي أحالته مجنوناً. وستكون هي زوجته وسنفهم أن في هذه الواحة كل ميلاد يناظره موت. ويترك هذا المكان، رغما عنه، ودون أن يري طفله، محكوما عليه أن يسير صوب بلد مغيب الشمس، ويقابل كائنات غريبة، ويخوض تجارب جديدة وغالباً ما تكون خارقة، تقابله اكتشافات في خيبة أمله، وتقابله الدهشة في غربته، وكما يقول الراوي: بالرغم من حدة البصر واستبصاره الذي وهب اياهما، لم يستطع أبداً أن يتنبأ ولا أن يدرك ما ينتظره. عرف شعوبا أخري وحكايات أخري، وسيكون دائما الرجل المندهش دوما دون جذور، مسكون أبداً بهاتف المغيب. لهذا لابد من التأني في قراءة هذه الحكاية اللانهائية الفريدة، فهي مجاز رائع للأسي الشديد وللعبث، طريق طويل نحو المجهول، هناك حيث تبطل كل أنواع الخيلاء، حيث يتضاءل الكائن وسط الرمال الشاسعة، وحيث تجد أحلامه الجنونية والروحية ملاذها.