آمال عويضة وحديث الأدب والدراما تزامن قرب صدور كتاب عن نساء نجيب محفوظ، مع ذكراه. الكتاب عبارة عن دراسة نقدية جديدة تكشف وجوها أخري لنساء ثلاثية نجيب محفوظ، أعدت الدراسة الزميلة الاعلامية آمال عويضة، وحصلت عنها علي درجة الماجستير بتقدير امتياز من أكاديمية الفنون، قامت فيها آمال بعمل معالجة فنية لصورة المرأة في ثلاثية محفوظ ما بين الدراما الاذاعية والدراما التليفزيونية. حظيت نساء الثلاثية كعمل مطبوع بشهرة استثنائية تخطت الآفاق، وجعلت منهن لاحقا، نماذج فريدة عبر ميكرفون الاذاعة، ثم شاشة التليفزيون، فضلا عن خشبة المسرح في بداية السبعينيات في الثلاثية السينمائية، وهي أعمال لم تحظ بالشهرة نفسها التي حظي بها العمل الأدبي، الذي خضع للبحث والتحليل، فضلا عن العمل السينمائي. وتأتي أهمية كونها من الدراسات القليلة التي ترصد التغيرات التي طرأت علي الثلاثية كعمل روائي عند تحويله إلي وسائط أخري، اذ تسعي الدراسة إلي المقارنة بين صورة المرأة في الأدب والوسائط الاعلامية، للوصول إلي خصائص وقيم تقديم صورة المرأة، بهدف اعادة قراءة ما قدمه صناع العمل، كما ترصد الدراسة التغييرات التي طرأت علي تناول شخصية المرأة عند معالجتها دراميا للاذاعة ثم التليفزيون مقارنة بالعمل الروائي، وإلي أي حد استجابت أو تمردت الشخصيات النسائية في الثلاثية علي وضعهن عبر ميكرفون الاذاعة وشاشة التليفزيون؟ ورصد ملامح الاتفاق والاختلاف بين الاذاعة والتليفزيون كوسيطين يساهمان في تشكيل الوعي الجمعي أو تغييبه. عبث السيناريست من هنا كان سؤالي لصاحبة الدراسة: إلي أي مدي عبثت يد السيناريست عند تحويل الثلاثية إلي عمل درامي سواء للاذاعة أو التليفزيون أو السينما؟ - فأجابت: كان التركيز في الدراسة في تقديم معالجة فنية - بالتفصيل - للمرأة داخل إطار الاسرة في الثلاثية - عبر أدوارها المختلفة كزوجة مع اتخاذ أمينة نموذجا، والأم في صورها المختلفة متعددة المرجعيات، مرور أيام مريم وابنتها، وعايدة وأمها، خديجة وعائشة، الحفيدتان نعمة وكريمة، وزوجة الابن، زينب ومريم وزنوبة وسوسن. ورغم وجود شخصيات نسائية تم اغفالها: في العمل الاذاعي والتليفزيوني تم اغفال أم أمينة، وأم خليل، وابراهيم شوكت، رغم محورية دورها الرمزي في العمل الأدبي، وأعتقد أن ذلك تم اختصارا للانتاج، وتوفيرا للوقت والجهد، رغم أنه أحدث خللا في الأعمال المنتجة عن العمل الأصلي، كما أهمل السيناريو الخادمة «أم حنفي»، وشخصية «صديقة» جارية أم أمينة، و «جلجلة» جارية زبيدة، و «نور» جارية زينب زوجة ياسين الأولي، وسويدان جارية آل شوكت، ويتضمن، كل هذه الشخصيات رضخت لمقص السيناريست رغم أنهن شخصيات محورية مثل «نور» جارية زينب التي كانت سببا رئيسيا في طلاقها من ياسين. وتواصل آمال: اذا كان العمل الاذاعي قد حاول أن يقدم توازنا ليعبر عن قيم الفترة الايدلوجية، فإن العمل التليفزيوني روج للانحراف باعتباره مرادفا للرجولة وجالبا للبهجة. كمال يلاحظ أن هناك اتفاقا لدي الوسيطين في تقديم العمل الروائي بصورة تقترب من بنائه المتكامل، يتساوي في ذلك عمل اذاعي اجتهد في استيعاب العمل الروائي وتقديم أفكاره الرئيسية، وعمل تليفزيوني خضع لقواعد الترفيه فأفرغ العمل الأصلي من محتواه، ولاشك أن أهم المشكلات التي تطرحها الدراسة ظاهرة الاعداد، وقضية الدلالة وتعدد أوجهها، إذ إن الثلاثية محفوظ الروائية دلالة تختلف عن ثلاثية أحمد عباس صالح وبهاء طاهر للاذاعة، وثلاثية محسن زايد ويوسف مرزوق للتليفزيون، فضلا عن ثلاثية حسن الامام للسينما، والتي جاءت بتصورات مغايرة عن العمل الروائي، مما دفع «محفوظ» للقول بأنه لايعترض علي رؤية مخرجي الأفلام المأخوذة عن أعماله، والتي رفض كتابة سيناريوهاتها لصعوبة تخلصه من أسرها الروائي. محفوظ مهندس معماري باستعراض الشخصيات النسائية داخل الثلاثية، كشفت الدراسة عن فلسفة معمارية خاصة، استطاع محفوظ - من خلالها - أن يقدم تحليلا متكاملا لفترة تاريخية بعينها عبر تعدد وجوه الشخصيات النسائية في الثلاثية، فالثلاثية بمثابة بناية معمارية لكل نافذة وشرفة وباب فيها له غرض وهدف ورمز. بالمقابل أخفقت المعالجات الفنية خاصة التليفزيونية (سيناريو محسن زايد، اخراج سعيد مرزوق) في التعبير عن كمال المعمار المحفوظي واقترب منه العمل الاذاعي الذي أعده الراحل أحمد عباس صالح، وأخرج أول جزءين منه بهاء طاهر، وأخرج الثالث اذاعيا حسن الامام. نورانية الساقطات علي ذكر شخصيات الرواية، فإن معظم أسماء شخصيات محفوظ النسائية في رواياته، نورانية، رغم أنهن في العمل الروائي منحرفات وساقطات، كيف يكون ذلك، وهل هناك قصدية؟ - الحقيقة، لسن كلهن ساقطات، لكنه كان يتعامل معهن باعتبارهن كائنات بشرية، (كما يقولون من «دم ولحم» فإيمانه الشخصي بالمرأة يقدمه من خلال عنوانها (اسمها)، ولكي يعكس التضاد الدرامي أو الصدمة الدرامية عند القاريء يضع القاريء ما بين الاسم البديع أو النوراني وواقع الحياة اليومية البائسة، ومعني هذا أنه لعب علي تقنيات الكتابة الدرامية، وهذا نوع من عبثية الحياة، والثلاثية فعلا تمثل عبثية الحياة، فاذا كانت الثلاثية محور التاريخ ومحور الفلسفة، فالنساء فيها هن التاريخ، هن الماضي، والمستقبل والحاضر في رمزيته، في حين أن شخصية «كمال» تمثل البعد الفلسفي لكاتب العمل، رغم أن رجال الثلاثية «كلهم» يمثلون رمز السلطة ثورية المرأة مازلنا نتحدث عن نساء محفوظ، فهل المرأة الثورية إلي أي حد هي موجودة في عمله الدرامي؟ - تقول آمال: المرأة الثورية موجودة بحيز محدود، وتمثلها في الثلاثية شخصية «سوسن» الصحفية، زوجة «أحمد شوكت» الحفيد، فهي تقوم بأدوار اجتماعية مختلفة، حيث انها ابنة رئيس عمال، قارئة نهمة، وزميلة جادة وصاحبة وجهة نظر، اضافة إلي كونها زوجة في حين أن الشخصيات الأخري كانت أحادية التوجه أو التناول، وتم التركيز فيها علي وجه اجتماعي واحد فقط، في حين تميزت شخصية سوسن بأنها حية ومتحركة، ومتعددة، مع ما في ذلك من مثالية، ولهذا السبب نكتشف أن محفوظ قدمها باعتبارها النموذج، وليست الحقيقة الواقعة، بمعني أنه يتمني أن يري المرأة المصرية هكذا، ولم يغفل - أيضا - أنها أنثي بمعني أنه صور ملامحها الانثوية، من حيث جمال الجسد والملامح، فقدمها أنثي كاملة. مهندس الرواية ولأننا مازلنا في عالم الثلاثية، لماذا يحتل هذا العمل الأدبي قمة أعمال محفوظ، هل لأنه تحول إلي عمل سينمائي أم لأن قيمته في تاريخه، وعبقرية المكان الذي تناوله؟ - بادرت آمال بقولها: أيما كتب عنه نجيب محفوظ في الثلاثية، من التطور التاريخي لمصر، أو استعراض الشخصيات، أو انبهار بمكان ما، إلا أن كل هذه العناصر يتم تضفيرها فيما يسمي بالبناء المعماري لنصوص نجيب محفوظ وكان نجيب - بالفعل - مهندسا للرواية العربية، انبهرت به لفكرة الاتفاق البنائي، في الثلاثية، أولاد حارتنا، الحرافيش الا أن الثلاثية تظل علي القمة ومعها الحرافيش، فالثلاثية أقوي بكثير عن أولاد حارتنا معمارية أي في البناء الدرامي، وروائيا فإن الثلاثية والحرافيش يشكلان علامة فارقة في البناء الدرامي علي مستوي العالم، ان كان البعض ينظر إليهما من خلال تقليدية البناء أو كما نسميه في الأدب (الحرفة أو الصنعة)، إلا أن هذا لايقلل من قيمتهما، ويضعهما علي قدم مساو مع كل الأعمال الدرامية العالمية. سبب شخصي وسألت آمال: لماذا فضلت أن يكون بحثك في الثلاثية؟ - أجابت: السبب شخصي، فأنا دائما أقول أن أمي هي الست «أمينة» وأنا «سوسن» زوجة أحمد الثورجية، طوال قراءتي كانت هناك علاقة خاصة بيني وبين الثلاثية، دفعتني لقراءتها والاحتفاظ بها، وبعد القراءة أصبح لدي بدائل واقعية، وشخصيات واقعية تمثل بالفعل شخصيات الثلاثية، ولما بدأت البحث عن موضوع كان مع د. نبيل راغب الذي نصحني باختيار موضوع الماجستير أو الدكتوراه، يكون له علاقة شخصية بي، عنئذ طرحت عليه، نجيب محفوظ، ماركيز، باولو كويلهو، ثم تم الاستقرار علي البحث في نجيب محفوظ، واستقر الرأي علي الثلاثية، اذاعيا، وتليفزيونيا، لندرة الدراسات التي تناولتها في مجال الوسائط الاعلامية، حيث ان جميع الدراسات تركزت عموما علي النص الأدبي أولا ثم علاقته بالعمل السينمائي لأن السينما تأخذ الشو الاعلامي الأكثر. من أمينة إلي سوسن سألتها: هل المرأة الآن، في ظل التغيرات، قد تجاوزت صورتها عند نجيب محفوظ؟ نفت آمال ان تكون المرأة قد تجاوزت صورتها عند نجيب محفوظ، موضحة أننا اذا نظرنا بداية من «أمينة» إلي «سوسن» نجد أنهما منحني صاعد، هذا المنحني بصورة هندسية، استمر في صعود طفيف فترة الستينيات، ووصولا إلي السبعينيات بدأ المنحني إلي الانحدار، كل هذا كان له علاقة بالفترة السياسية التي عشناها وصعود الاسلام السياسي، وتأثير هجرة المصريين إلي دول الخليج وعودتهم بأفكار أكثر انغلاقا، جعلتنا نواجه حملات بعودة المرأة إلي البيت واكتفائها بدورها الاجتماعي داخل المنزل، مثل أمينة، ويواكب هذا في نفس الوقت انصهار دور الدولة في مساعدة المرأة ودعمها، المشكلة في هذه اللحظة التي نعيشها الآن، أن المرأة مطالبة أن تكون أمينة، وخديجة، وعائشة، وزنوبة وسوسن بمعني الأم، الابنة المستسلمة الجميلة، ربة المنزل القوية، زنوبة المرأة الأنثي، وسوسن الموظفة العاملة التي تدر دخلا، ومساندة لزوجها كتفا بكتف. وأري أن نساء محفوظ كن أكثر تصالحا وقبولا بأدوارهن في المجتمع، والمجتمع كان راضيا بذلك. هذا هو السر وكان سؤالي الأخير لماذا يطول عمر أفلام الثلاثية، وهل هناك سر كامن في ثلاثية محفوظ؟ تقول آمال عويضة: الثلاثية عدة روايات في نص واحد، رغم أن هذا النص صاحب الألف صفحة، ويزيد، والذي تم كتابته في حوالي سبع سنوات من عام 1945 حتي بدايات 1952، ولم تصدر إلا في عام 1956 بعدان تم تجزئتها إلي ثلاثة أجزاء، والسر أن هذا العمل يعادل كتابة عشرين رواية بعدد شخصيات الثلاثية، كل شخصية فيها تمثل رواية مستقلة، ولأن نجيب صنايعي بدرجة مبهرة، رغم أنه كمبدع مثل أي مبدع، إلا أن حرفيته في انصهار كل هذه الشخصيات في عمل واحد دون خلل في تركيبة أي شخصية. من حيث التناول، قدمت الاذاعة ثلاثية محفوظ بشكل جيد وان كانت قد وقعت في خطأ كبير، لأن العمل الاذاعي تحول إلي بوق فكري للنظام، فقد تم تقديمها اذاعيا في الفترة من 1960 إلي 1962، ركزوا فيها علي سب الملكية، وأن مصر في حاجة إلي جمهورية، وهذا غير موجود في النص، لكن مستوي الحرفية والصنعة، والأداء التمثيلي والموسيقي وفنون العمل الاذاعي نجحت الاذاعة فيما فشل فيه التليفزيون، عندما قدم الثلاثية عام 1987 من انتاج استديوهات دبي وتم عرضها في مصر عام 1989/1990، وكان الفشل الحقيقي أنه تم التركيز بشكل أكثر من اللازم علي الشخصيات النسائية، بمعني فرد مساحات لنجمات التمثيل، فأراد المخرج أن يروج لهن لجذب المشاهد فأطال في المشاهد الخاصة ب (هدي سلطان، معالي زايد) وهذا يعود إلي مغازلة المشاهد العربي بالتركيز علي العناصر النسائية، ومن هنا كان الظلم للعمل الأصيل، فتمت الاساءة له. والكارثة الأكبر - كما تقول آمال - في الضغوط التي تمارسها الجهة المنتجة، ولذلك لم يخرج الجزء الثالث (السكرية) إلي النور لوجود حوارات مطولة من اليسار والاخوان والاسلام السياسي، وكل هذا لم يلق قبولا لدي المنتج العربي الذي وجد أنه ليس مربحا له الخوض في مثل هذه التفاصيل، ومن هنا كان التغاضي عن تقديم الجزء الثالث، فضلا عن أن هذا الجزء - أيضا - العنصر النسائي فيه محدود وليس فيه الاثارة التي تواجدت في جزئيه الأول والثاني.