تلاميذ بإحدي المدارس الخاصة الطلاق وسفر الأب أو وفاته والمؤهل الدراسي وسائل حرمان ملايين الأطفال من فرصة تعليم عادلة خبير تربوي: التعليم الخاص أصبح سوقاً للطبقية.. والوزارة فقدت السيطرة عليه »هو أنا عشان مطلقة ابني مش هيتقبل في مدرسة رهبان!»، سؤال أطلقته إحدي الأمهات وتدعي سارة محمد علي موقع التواصل الاجتماعي، مستنكرة رفض قبول طفلها في إحدي المدارس بسبب انفصالها عن والده، وحرمانه من حقه في الحصول علي فرصة تعليم مناسبة. إلا أن سؤال سارة لم يكن مفاجأة للكثير من الأمهات، واللاتي أكدن أن العديد من المدارس ترفض قبول الأطفال بالفعل بسبب الطلاق، حتي وإن كانت الأم لديها ولاية تعليمية، واستطردن في استعراض أسباب غريبة تم رفض قبول أطفالهن في المدارس بسببها. أكدت دونا منير إحدي أولياء الأمور أنه كان عليها إنكار انفصالها عن زوجها لأن كثيرا من المدارس لن تقبله، وادعت سفر والده، إلا أن ذلك لم يكن حلا مناسبا، إذ علقت مروة عثمان قائلة: »طب أنا فعلا باباهم مسافر، وجبت الورق اللي يثبت سفره وبرده مصممين يقابلوه شخصيا، ورفضوا قبول الولاد لحين مقابلة والدهم». وقالت نهي النسان، إحدي أولياء الأمور إن إحدي صديقاتها رفضوا قبول ابنتها بسبب وفاة الأب، وقالوا للأم: »والدها متوفي هتدفعي المصاريف إزاي»، ولم تقف نهي عند سرد العوائق التي تضعها المدارس لرفض ابنة صديقتها، إذ ذكرت أن ابنتها رفضت لأنها لم يسبق لها أن ركبت طائرة، وهو ما يتنافي مع المستوي الاجتماعي للطلاب الذين تبحث عنهم المدرسة، وأوضحت ريم محمد أن طفلة أخري رفضت لأن والدتها كفيفة، وأكدت العديد من الأمهات رفض بعض المدارس لأبنائهن لأنهن منتقبات. وقالت شيماء محمد إن المدرسة سألت ابنتها خلال المقابلة عن الوسيلة التي يصطحبها بها والدها للنادي، ليعرفوا إذا كانوا مشتركين في ناد ويمتلكون سيارة أم لا، فالمدارس تقيم الناس بأموالهم وسياراتهم. التعليقات التي أطلقتها الأمهات علي السوشيال ميديا ذكرتني بسيدة أطلقت حملة العام الماضي تستغيث من تصرف إحدي المدارس مع طفلها المصاب بمشكلة في شكل جلده، ورغم تقديمها جميع المستندات الطبية التي تؤكد سلامة طفلها الجسدية والعقلية، رفضته المدرسة بحجة إنه سيخيف الأطفال، وهو ما فعلته إحدي المدارس أيضا مع طفل بسبب لون بشرته، كما أكدت إحدي الأمهات رفض طفلها بسبب إصابته بإعاقة جسدية بسيطة رغم نجاحه في المقابلة، علاوة علي الأسئلة التعجيزية التي يتعرض لها الأطفال خلال المقابلات -حسب ما تسرده الأمهات-. كما يرفض عشرات الأطفال سنويا بسبب المؤهل الدراسي لوالديهم، إذ تشترط العديد من المدارس أن يكون كلا الوالدين حاصلين علي مؤهلات جامعية، وألا يكونوا من الحاصلين علي مؤهلات بالتعليم المفتوح، ومن المثير للسخرية أن ابنة نجم كرة القدم محمد صلاح مثلا لم يحصل والديها علي مؤهلات عليا، فهل هذا يعني منع قبولها في المدارس المصرية الدولية مثلا لتعارض ذلك مع لائحتها الداخلية، كما أن الحاصلين علي مؤهلات عليا وما فوقها لا تتخطي نسبتهم 12٫3٪ من المصريين، ولا يحق للنسبة الباقية منح أبنائهم فرصة تعليم مناسبة بسبب مؤهلهم الدراسي الذي لا يتناسب مع تطلعات أصحاب المدارس. ويقول أحمد غالي معلم بإحدي المدارس الكبري: نعلم أن هناك عنصرية شديدة في اختيارنا للطلاب، إذ نحرص علي التأكد من مستواهم المادي والاجتماعي، وطبيعة عمل الأب »إنه ميكونش شغال شغلانة مش كويسة أو حرفي»، وبالطبع المؤهلات الدراسية العليا للأهل، لكنها تعليمات إدارة المدرسة، ونحن أيضا مجبرون علي الالتزام بها، وفي النهاية لا نخبر الأهل بأسباب رفض أبنائهم، وندعي عدم وجود أماكن كافية، ولكنهم يدركون الحقيقة بالطبع. ومن جانبه يقول الخبير التربوي الدكتور محمد رجب: ليس غريبا في ظل ما يعصف بمجتمعنا اليوم من ظروف مادية قاسية أن تصبح المادة محور دورانه، فطغت علي كل شيء، وانعكست بوضوح في منظومة قيمه وأصبحت علي قمة هرم تفضيلاته الشخصية والجماعية، حتي مؤسسة التعليم التي كانت أبعد ما تكون عن ذلك تصدرت السباق نحو المال بتميز، فالتعليم اليوم تجارة غرضها الكسب لا الخدمة، وبالتالي صاحب التجارة دوما يبحث عن مناخ آمن لتجارته كي تنجح، لذا لا مجال لشروط قبول تحقق العدالة الاجتماعية ولا المساواة في توافر الفرص للجميع. وأضاف: بدخول التعليم الخاص للسباق وإزاحته للتعليم الحكومي وضع الانتقائية المالية علي رأس أولوياته، فصاحب المدرسة يبحث عن القادرين علي الدفع، وليس ذلك فقط، بل يبحث عن فرص الأمان المستقبلي لزبائنه، فطرد الموظف والحرفي وأي صاحب عمل تحت أي ظروف قد تكون عائقا للدفع مستقبلا، والمطلقة ليس لها زوج يدفع إذا قصرت هي، والمؤهل المتوسط قد يدفع المصاريف هذا العام، ولكن عندما تزيد المصاريف في الأعوام المقبلة سيشكون من ارتفاعها، صاحب المدرسة لا يريد كل هؤلاء، السوق كبير، وليس أمام الأهل بديل، وهو ما يجعل أصحاب المدارس يفرضون شروطهم الانتقائية بأريحية كبيرة. وأكد رجب أن تلك الانتقائية طالت المدارس الخاصة واللغات العادية المتواجدة في المناطق الشعبية، وتتدرج معايير القبول لتصل في بعض المدارس الدولية إلي الاعتماد علي مكان السكن (فيلا أم شقة)، وإن كان لديهم خادمات أم لا، وجنسية الخادمات، والدول التي يسافرون إليها، وراتب الوالد بالدولار أم بالجنيه، ماركة سيارته، وآخر ما تنظر إليه هو الطفل نفسه، فأصبحت معاييرهم غير متصورة، سواء كانت مدارس دولية أو مدارس خاصة عادية في المناطق الشعبية. واستطرد: المجتمع يمر بأزمة عمره كلها، وجيل الآباء الحالي تربي علي ثقافة مجتمعية قوامها أن الحراك الاجتماعي الأساسي هو التعليم، فلن يرضي لأولاده إلا بخدمة جيدة، المدارس تضع شروطا غير منطقية وغير عادلة، خصوصا في ظل الغياب شبه التام من رقابة الوزارة علي سياسات التعليم في هذا النوع من المدارس. وأضاف: »باختصار التعليم خرج عن صورته المعتادة كخدمة تديرها الدولة في المقام الأول، وتشرف عليها، وتضمن إنها ليست بغرض الربح أو بهامش ربح بسيط بعد سماحها للقطاع الخاص به، وظهر حاليا بصورة جديدة تعكس كل سلبيات العصر، فالوزارة شيئا فشيئا فقدت سيطرتها عليه وسحب منها البساط للقطاع الخاص بعد انهيار سمعة التعليم الحكومي، وفقدان كل الثقة فيه خاصة من أبناء الطبقتين المتوسطة والمتوسطة العليا، ولما وجد القطاع الخاص نفسه يصول ويجول ووجد أن سوق المنافسة يكاد ينحصر عليه خاصة مع انعزال سوق المدارس الدولية بعيدا عنه لصالح الطبقة العليا وحدها، أصبح يضع الشروط والمعايير المنتقاة لصالح هدفه الوحيد، وهو الربح. وتابع: وتطور هذا الهدف مع الضغوط والمخاوف الاقتصادية الحالية إلي حماية الربح، ومع الفارق الكبير بين الهدفين (أخلافيا واقتصاديا واجتماعيا)، ظهرت معايير جديدة ليس من بينها أبدا العدالة في الفرص، ولا المساواة بين المتقدمين، بل علي العكس كشف أصحاب هذه المدارس عن أبشع الوجوه لديهم، لا يهمنا فقط المال بل ضمان المال مستقبلا، فارتدوا زي التاجر اللئيم وانتقوا (من بين المنتقين أصلا) زبائنهم الأسهل والأضمن، لا أريد الذي يعمل في كذا فربما في منتصف العام تغلق شركته، ولا أريد المطلقة فربما مع ارتفاع الأسعار وعدم وجود عائل لها تتعثر في دفع أقساطي، ولا أريد هذا الطالب الأسمر لربما حدثت مشاجرة بسبب لونه ولا أريد أن يسحب أولياء الأمور أصحاب البشرة البيضاء أبنائهم من عندي بسببه، لم نصبح إذن في سوق التعليم، وكأننا في سوق جديد لتجارة الرقيق باسم التعليم، وإن أردنا الإصلاح لابد لنا من صحوة تقودها الدولة ممثلة في كافة وزاراتها وفي مقدمتها التربية والتعليم لتطوير قانون التعليم وتفعيله ومراقبة ممارسات أمثال هؤلاء من تجار العبيد الجدد لأبناء امتنا. ويقول الدكتور أحمد مهران أستاذ القانون العام ومدير مركز القاهرة للدراسات السياسية والقانونية وحقوق الإنسان: مصر تمر بمشكلة حقيقية وهي زيادة عدد المطلقات بشكل كبير، وبعد سنوات قليلة سيتحول الأمر إلي كارثة اجتماعية، إذ يصل عدد المطلقات إلي نحو 6 ملايين مطلقة، أما عن عدد أطفالهم، فيمكننا استنتاجه بالنظر لقضايا النفقة المرفوعة في المحاكم، والتي يتخطي عددها إلي 20 مليون قضية، أي أن أبناءهم يتخطون هذا العدد بكثير. أما فيما يتعلق برفض بعض المدارس لأبناء المنفصلين وحاملي المؤهلات المتوسطة، فهذا ليس له علاقة بالقانون أو محكمة الأسرة، وليس له علاقة بالطلاق أو الزواج، إنما يتعلق باللائحة الداخلية والتنفيذية لكل مدرسة، فاختيار آباء بمستوي اجتماعي ومؤهل دراسي معين ليس عنصرية، بل هو شأن داخلي للمدرسة، لأن العنصرية هي إخلال بمبدأ المساواة وتكافؤ الفرص بين التلاميذ، فإذا كانت المدرسة تقبل أطفال أهلهم منفصلين وترفض آخرين لنفس السبب سيكون هناك عنصرية، لكن إذا كانت اللائحة تطبق بشكل مجرد عام علي الجميع فهذا يخل بتكافؤ الفرص والمساواة، وفيه عنصرية، لكنه التزام باللائحة الداخلية للمدرسة، فمن حق كل مدرسة أو مؤسسة أن تضع الضوابط والشروط الخاصة للالتحاق بها، وهو ما ينطبق علي كل المجالات وليس التعليم فقط. وأضاف مهران: لا يمكننا الدخول في الدوافع والأسباب النفسية الموجودة داخل نية إدارة المدرسة، فربما تريد المدرسة طفلا يعيش مع والديه لضمان استقراره النفسي والأسري، أو تريد والدين لديهما مؤهلات عليا ليضمنوا أن الأب والأم علي مستوي فكري وثقافي وأدبي معين يساعد معهم في تربية الطفل ومتابعته تعليميا وإرشاديا في البيت، فالمدارس تضع شروطا وضوابط للحفاظ علي مستواها، ولا يمكننا إجبار المدرسة علي الموافقة علي طفل غير منطبق عليه شروطها ومواصفاتها، فهذا شأنها الداخلي، ولكل مؤسسة الحق في وضع الشروط التي تضمن سير العملية التعليمية داخلها وفقا لرغبتها. وأوضح مهران أن حصول الأم علي ولاية تعليمية من المحكمة وحدها ليس سببا لإجبار المدرسة علي قبول طفلها، ما دام قبول أبناء المطلقات ليس ضمن شروط لائحتها الداخلية، والحل الوحيد هو البحث عن مدارس بديلة تتناسب شروطها مع الظروف الاجتماعية للأسرة. واستنكرت مني الوكيل، عضو المجلس القومي للمرأة رفض قبول طفل في أي مدرسة بسبب طلاق والدته، ورفضت مجرد حتي الفكرة، إذ يحق لكل طفل مصري أن يتعلم في المدارس المصرية بصرف النظر عن الحالة الاجتماعية لوالديه، وهو لم يكن سببا فيها من الأصل، ونصحت السيدات اللاتي يتعرضن لهذه المشكلة بالتوجه للمجلس القومي للمرأة وتقديم شكواهم في مكتب الشكاوي بالمجلس، وأيضا التوجه إلي مكتب الشكاوي وخدمة المواطنين بوزارة التربية والتعليم والتقدم بشكواهم ضد المدارس التي ترفض هؤلاء الأطفال وذلك لإيجاد الحلول السريعة. وتابعت الوكيل أن التعليم حق لكل طفل مصري، خاصة المقبلين علي مراحل رياض الأطفال سواء في تعليم حكومي أو خاص مادام قادرا علي دفع المصروفات بالأخير، فإذا كانت المدرسة ترفض الطفل خشية أن تعجز الأم فيما بعد عن الدفع، يمكنها بكل بساطة نقل الطفل إلي مدرسة أخري في السنوات المقبلة إذا تعثرت في الدفع، وليس حرمانه من الفرصة التعليمية من البداية. وأوضحت أنه لا يوجد أي مادة في القانون أو الدستور تمنع قبول أبناء المطلقات في المدارس، كما وعدت بمناقشة هذا الأمر في المجلس القومي للمرأة، وطالبت الأمهات بعدم ترك حقهن في إسقاط هذا الشرط من معايير القبول في المدارس إذا كان موجودا ويعمل به بالفعل. أما فيما يتعلق بالمستوي الدراسي للوالدين قالت الوكيل إن أغلب الرموز المصرية من أبناء التعليم الحكومي العادي، ولم يكن أهلهم حاصلين علي مؤهلات عليا، مثل نجيب محفوظ وطه حسين وأحمد زويل وغيرهم الكثير من رموز مصر في كافة المجالات العلمية والفنية والسياسية والأدبية والاجتماعية وغيرها، لكن الوضع مختلف اليوم وخاصة في المدارس التي تقدم مستوي تعليم معين، وبلغات مختلفة عن اللغة العربية مثل الدولي والأمريكي والألماني وغيرها فهذا المستوي من التعليم يحتاج إلي أن يكون الوالدان علي نفس المستوي لمتابعة أداء طفلهما، فلا يدخل طفل مثلا مدرسة فرنسية ولا يجيد والداه الفرنسية، لأن ذلك سيؤثر علي أداء الطفل ولن يكون هناك تواصل بين المدرسة والأسرة. وأوضحت أنها تدعم حق المدرسة في تحديد المؤهل الدراسي للوالدين حسب طبيعة التعليم الذي تقدمه المدرسة بشرط ألا يتحول الأمر إلي قاعدة عامة تخل بحقوق الأطفال في الحصول علي فرص تعليمية عادلة داخل وطنهم، كما كفلها لهم الدستور كمواطنين مصريين. خبير قانوني: يحق لكل مؤسسة وضع الشروط المناسبة لمستواها وفقاً لرغبتها عضو »القومي للمرأة»: نستنكر تلك الممارسات ولا يوجد قانون يسمح بالتمييز بين التلاميذ في القبول بالمدارس