"فيها حاجة حلوة".. قس قبطي يشارك في وضع حجر الأساس لمسجد بقنا    أسعار الدواجن والبيض اليوم الجمعة 13 فبراير 2026    خبير اقتصادي: خفض أسعار الفائدة بنسبة 1% خطوة متزنة وحذرة    "تموين الإسكندرية" يحتفل بفوز "خدمات شرق" بالمركز الأول لجائزة التميز الحكومي    وزير الخارجية يدعو لتسريع تمويل بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال    إعلام أمريكى: حاملة الطائرات «جيرالد آرفورد» تتجه للشرق الأوسط    استقالة كبيرة محامي جولدمان ساكس على خلفية علاقة وثيقة مع إبستين    زيلينسكي يحث الشركاء الأوروبيين على تسريع إمدادات الدفاع الجوي    مواعيد مباريات اليوم الجمعة 13 فبراير 2026.. الهلال أمام الاتفاق والأهلي يصطدم بالشباب    الأرصاد تحذر من رياح مثيرة للأتربة وارتفاع غير معتاد في الحرارة: وسرعات تصل إلى 50 كم/س    وفاة زوجة الفنان محمد الدسوقي    أخبار فاتتك وأنت نايم| الأهلي يستعيد «عاشور».. وجيش الاحتلال يستهدف عنصر من حزب الله    عودة إمام عاشور تشعل استعدادات الأهلي لموقعة الجيش الملكي بدوري الأبطال    صلاة الجمعة للمرأة في يوم الجمعة بالمسجد    بعد مصرع صاحب المعاش.. المعمل الجنائي يفحص آثار حريق كفر شكر    الدعاء المستحب يوم الجمعة وآدابه    صلاة الجمعة: حكمها وآدابها وسننها وفضلها    نقيب الأطباء: التبرع بالجلد لا يشوه الجثمان.. نأخذ رقعة سطحية بميليمترات والمتوفى يُدفن بجلده كاملا    التصريح بدفن مُسن ضحية حريق كفر شكر.. وتحريات لكشف الملابسات    انهيار وطلب الطلاق.. لقاء الخميسي تكشف مفاجأة: شخصية شهيرة تعمدت إبلاغي بزواج عبد المنصف    الجيش الإسرائيلي: استهداف عنصر من «حزب الله» في منطقة الطيري جنوبي لبنان    مصطفى بكري: الكرة الآن في ملعب الحكومة.. الرئيس السيسي ضرب 30 عصفورا بحجر خلال الفترة الماضية    وزير التربية والتعليم يكشف الخطوات الإصلاحية للمنظومة التعليمية    نهاية الطريق.. المحكمة تقضي بالمشدد 15 سنة لعصابة مخدرات بالقناطر الخيرية    اتفاق تجاري بين تايوان وأمريكا يعزز سلاسل التوريد العالمية    حكم الاعتماد على ال«Ai» في تفسير القرآن    الأهلي يبدأ اليوم استعداداته لمواجهة الجيش الملكي.. وفحوصات لمروان عثمان    مصطفى بكري: الناس كانوا ينتظرون التغيير وفُوجئوا بالتعديل.. والحكومة قد تستمر حتى يوليو 2027    «بلطة الشائعات».. شاب يقتل عمته ويشعل النار في بيتها بالفيوم    مشاجرة على الهواء بين ضيوف "خط أحمر" بسبب الخيانة الزوجية.. فيديو    هاني محمود: مصر تتربع على عرش أفريقيا في سرعة الإنترنت الأرضي    فلسطين.. طائرات الاحتلال المسيرة تقصف منازل في حي الزيتون جنوب شرق غزة    الحزب الوطني يكتسح انتخابات بنجلاديش و"الجماعة الإسلامية" تقر بخسارتها    خروج عربة عن القضبان يوقف حركة قطارات «القاهرة – الإسكندرية» مؤقتًا    إصابة 3 أشخاص في انقلاب ميكروباص بالطريق الدولي الساحلي    الرقم صادم.. هذا هو أجر يارا السكري في برنامج رامز ليفل الوحش    نائب المدير الرياضي ل نورشيلاند: انتقال إبراهيم عادل للأهلي؟ لن ننخرط في هذه الممارسات    من "كمل يا كامل" إلى حقيبة واحدة على كفّ عفريت.. مراقبون: السيسي جزء من تراجع نفوذ كامل الوزير    مدبولي: كل التقارير الدولية والمؤشرات تؤكد تحسن الاقتصاد.. وهدفنا توفير الخدمات الأساسية لنيل رضا المواطن    تضافر "قوى الشر "..5 دقائق لتمرير حكومة المفسدين: برلمان يبصم ووجوه مشبوهة في مواقع القرار    أتلتيكو ضد برشلونة.. 5 أرقام سلبية للبارسا بعد سقوطه في كأس الملك    شقيق هاني رمزي يوثق سيرة والدته في كتيب تخليدًا لذكراها    انطلاق مهرجان برلين فى دورته ال76.. السياسة تسيطر على الأجواء.. فلسطين حاضرة فى النقاشات ورفع شعارات إيران حرة على السجادة الحمراء.. المهرجان يمنح ميشيل يوه الدب الذهبى الفخرى.. صور    "انتكاسة للعدالة" ..محكمة ألمانية ترفض دعوى لمنع بيع "إسرائيل" السلاح    أرتيتا: ملعب برينتفورد صعب للغاية.. ونحتاج إلى بعض الحظ    تجديد حبس المتهمة بخطف رضيع منذ 11 عامًا من مستشفى في الإسكندرية 15 يوما    رايا: تقلص الفارق ل4 نقاط؟ مازلنا في وضع ممتاز    استعدادًا لشهر رمضان المبارك.. الأوقاف تفتتح (117) مسجدًا غدًا الجمعة    التحقيق في سقوط فتاة من القطار أمام محطة معصرة ملوي بالمنيا    أرسنال يتعادل مع برينتفورد ويشعل صدارة الدوري الإنجليزي    سفير أحمد أبو زيد: مصر واحة استقرار لأوروبا وشراكتنا انتقلت إلى شراكة استراتيجية    ألف مسجد في (23) يومًا.. فرش وافتتاح بيوت الله في ملحمة إعمار غير مسبوقة للأوقاف    باتفاق جمهور المحققين| العلماء: المسيئون لوالدى النبى سفهاء وعقابهم الحجر    إنقاذ حياة مريضة كلى من توقف مفاجئ بالقلب بمستشفى دمياط العام    إجراء 20 عملية عيون مختلفة لغير القادرين في بني سويف ضمن مشروع مكافحة العمى    رئيس جامعة دمياط يفتتح حملة "اطمن على وزنك وصحتك" بكلية الطب    وزير الصحة يستقبل سفير اليابان لبحث تعزيز التعاون الصحي وإنشاء مستشفى مصري ياباني بالعاصمة الجديدة    المستشار حامد شعبان سليم يكتب عن : حكومة برؤية جديدة !?    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



ثورة 25 يناير.. من الخريف إلي الربيع العربي
نشر في أخبار الأدب يوم 09 - 10 - 2011

شهد العالم مع نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات تغيراتٍ جذرية وهامة، حيث تلاشي العالم القديم الذي تشكل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، عالم الحرب الباردة، وصراع القطبين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، الكتلة الشرقية والكتلة الغربية، نهاية الأيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية، أو نهاية التاريخ كما يحلو للبعض التشدق به. ورأي البعض أن سقوط جدار برلين كان سقوطًا للنظام القديم، وبدايةً لنظامٍ عالمي جديد، وأن المستقبل للديمقراطيات.
فأين مصر، والعالم العربي، من كل هذه المتغيرات؟
دون الدخول في التفاصيل الدقيقة، التي لا يتسع المجال لسردها هنا في مقالةٍ مثل هذه تحاول أن تُعطي صورة بانورامية للأحداث دون الدخول في نمط الحوليات، أقول دون الغرق في تفاصيل عديدة، كان الرأي العام في العالم العربي يتوق إلي التغيير، فهو لا يعيش في عزلة عن العالم، إذًا لا بُد أن يدخل إلي النظام الجديد وينضم إلي نادي الديمقراطيات. لكن رياحا عديدة أتت بما لا تشتهي السفن، إذ تجمعت العديد من الأحداث والسياسات المحلية والإقليمية والعالمية لتحول بين الشعوب العربية وهذا الحلم.
يعتبر غزو صدام حسين للكويت في اغسطس 1990 هو أكبر حماقة تاريخية عاني منها العالم العربي آنذاك، وساعدت تلك الحماقة علي وأد الحلم ودعم الديكتاتوريات العربية، حيث رسخ هذا الغزو من الانقسام العربي وأدي إلي زيادة تبعية الأنظمة العربية للغرب، وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمي وسائدة في العالم.
وعلي المستوي المصري سيظهر جيل جديد من الكُتاب، هو جيل التسعينيات الذي يُعبِّر في أدبه عن هذا الحلم المسلوب، محاولاً بالتالي كسر كل التابوهات المقدسة، هذا الجيل الذي وُصِّف بأنه جيل بلا أساتذة، وهو لم يكن بحاجة إلي أي أستاذ، لقد كان أستاذه هو هذا الحلم المسلوب. ويقدم لنا »ياسر عبد اللطيف« في روايته »قانون الوراثة« رصدًا مهمًا لانعكاسات غزو صدام حسين للكويت علي جيله، والمظاهرات التي اندلعت في الجامعة ضد تورط مصر في هذه الحرب، وضد التبعية للغرب، وأصبح السؤال الرئيسي في العالم العربي: هل صدام علي حق، أم التحالف مع الآخر ضد الشقيق؟ »اللي حيضرب في العراق بكره حيضرب في الوراق«.
وهي نفس الإشكالية التي عالجها »خالد يوسف« في فيلمه »العاصفة« لاعبًا علي دراما الأخوين المصريين، أحدهما يحارب في جيش صدام، والأخر مجند في الجيش المصري المنضم للتحالف الأمريكي.
ويقدم الكاتب والناقد السينمائي الشهير »سمير فريد« شهادة جيله عن هذا المأزق التاريخي، غزو الكويت، وأثره علي العالم العربي وتراجع حلم الديمقراطية، يقول فريد في عام 1992:
»نعم لقد مزقنا ذلك الفعل الأحمق الذي ارتكبه النظام العراقي في الثاني من اغسطس عام 1990، والذي لم يكن له أي حل عربي مع الأسف، وجعل العقل العربي بين اختيارين كلاهما مُر: إما استمرار احتلال الكويت، وإما التدخل الأجنبي لتحريره.
والمأساة ليست في التمزق، وإنما في استمرار التمزق وتكريسه، وفلسفته واعتباره قدرًا لا مفر منه. ولا سبيل إلي الخروج من هذا المأزق إلا بالديمقراطية الحقيقية والكاملة«.
لكن هذا الحلم، الخروج من المأزق بالديمقراطية، لن يتحقق، بل سيتلاشي. فكما قلنا سابقًا ستساعد حرب الكويت علي المزيد من تدعيم الديكتاتوريات القديمة ففي مصر علي
سبيل المثال سترتفع أسهم مبارك بعد مشاركته في حرب الكويت، حيث يقدم الغرب له المكافأة علي ذلك من خلال اسقاط الكثير من الديون المصرية، كما تتوافد علي مصر العديد من الاستثمارات العربية لتشهد تلك المرحلة رواجًا اقتصاديًا نسبيًا.
وكأن القدر لم يكتف بالحماقة الأولي، غزو الكويت، فيضيف حماقة جديدة هي تصاعد موجة الإرهاب في سنوات التسعينات، وسيصاحب ذلك المزيد من حوادث الفتنة الطائفية ومحاولات ضرب السياحة، وأشهرها وأفظعها علي الاطلاق مجزرة الأقصر في عام 1997 وسيستغل النظام المصري ذلك أسوأ استغلال، حيث يعتبر ذلك الحادث البداية الحقيقية لدولة الأمن التي ابتدعها حبيب العادلي، الذي تولي وزارة الداخلية في أعقاب ذلك الحادث وحتي عام 2011.
وستشهد حقبة التسعينيات تحالفًا غريبًا، ليس علي المستوي المصري فحسب، بل علي المستوي العربي، بين الأنظمة الديكتاتورية واليسار، تحت زعم الوقوف في وجه التيار الديني والإرهاب. وستكون أسوأ أمثلة لهذا التحالف المشين في مصر وتونس، الدولتين اللتين بدأ بهما الربيع العربي بعد الاستيقاظ من أوهام الكهف، والخروج من حظيرة النظام.
ومنذ التسعينيات نجحت الأنظمة العربية في فرض حالة من الجمود علي الحياة السياسية، ودخل الشارع العربي في الثلاجة. وإذا أخذنا الواقع المصري نموذجًا سنشاهد كم نجح النظام في استئناس المعارضة وتحويلها بالفعل إلي »معارضة رسمية«.
ففي عام 1990، وفي إطار التحالف المشين بين الأنظمة العربية الديكتاتورية واليسار، سينجح نظام مبارك في دفع حزب التجمع التقدمي الوحدوي، الذي يمثل آنذاك اليسار الرسمي، إلي كسر مقاطعة أحزاب المعارضة والإخوان للانتخابات البرلمانية. وفي أجواءٍ هزلية يدخل التجمع وحده مع الحزب الوطني الانتخابات، ليصبح منذ ذلك الوقت الحليف الرسمي للحزب الحاكم في معركته مع الإسلاميين. ويكون المقابل لخيانة »يهوذا« للمسيح »الشعب«، دراهم معدودات، إذ يحصل التجمع علي سبعة مقاعد فقط في البرلمان!!
وتعلم حزب الوفد الدرس، وتخلي عن تاريخه وليبراليته ولعب نفس الدور مع النظام في انتخابات 1995، وأصبح الوفد التابع الصدوق للحزب الوطني في كافة سياساته في تلك الفترة.
وبدأت الألفية الثالثة بسلسلة من النكبات لأحزاب المعارضة، حيث تعرضت لموجة من الانشقاقات الداخلية الحادة، ساهم فيها اللاديمقراطية الداخلية في بنيان أحزاب المعارضة، ومسألة صراع الأجيال، وساعد علي ازدياد ذلك المؤامرات الخبيثة لداهية النظام »صفوت الشريف«، ومباحث أمن الدولة. ولم ينج من ذلك حزب من الأحزاب، فشهد حزب الغد صراع جبهة أيمن نور وموسي مصطفي موسي، والوفد صراع نعمان جمعة وأباظة، والناصري يعاني من آلام ما بعد الحرس القديم ونهاية ضياء الدين داود. ولم يسلم الإخوان من ذلك، إذ دَّب الصراع الخفي بين التيار الإصلاحي والتيار المحافظ، فضلاً عن تسرب الأفكار السلفية إلي داخل جماعة الإخوان لتشكل خطرًا علي المنظومة الوسطية التي وضعها الأستاذ الإمام حسن البنا.
وترتب علي ذلك التمثيل الهزيل للمعارضة في البرلمان المصري في حقبة التسعينات مقارنةً بالصعود الكبير في الثمانينات؛ ففي برلمان 1984 حازت المعارضة علي 60 مقعد، ويزداد الصعود تألقًا في عام 1987 لتصل مقاعد المعارضة إلي 100 مقعد. ثم يبدأ السقوط الكبير منذ عام 1990 والذي شهد انسحاب أحزاب المعارضة من الانتخابات، فيما عدا التجمع الذي حصل علي 7 مقاعد فقط، وحاز الحزب الحاكم علي أغلبية مطلقة. ولم يتغير الأمر في انتخابات عام 1995 حيث حصلت المعارضة علي 13 مقعد فقط. وتكرر نفس السيناريو تقريبًا في انتخابات عام 2000 حيث لم تحصل المعارضة الرسمية (الوفد، التجمع، الأحرار، الناصري) إلا علي 17 مقعد، ولكن الجديد حصول الإخوان علي 17 مقعدا. وكان هذا تعبيرًا عن موَّات المعارضة الرسمية، وبداية الصحوة لجماعة الإخوان، هذه الصحوة التي عبرت عن نفسها في انتخابات عام 2005 بحصول الإخوان علي 88 مقعد في سابقة هي الأولي والأخيرة في نظام مبارك الذي وعيَّ الدرس جيدًا، وأدرك أنه لتمرير مشروع التوريث لا بد من توجيه ضربة قاصمة للمعارضة، وعلي رأسها الإخوان، في انتخابات 2010. فكانت مهزلة أحمد عز في الانتخابات بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير.
وعلي المستوي الإقليمي ساهمت إسرائيل وسياستها في المنطقة في إضعاف الصحوة الديمقراطية في العالم العربي. وهي القصة القديمة والسائدة في العالم العربي منذ نكبة 1948، التي ساهمت بشكل مباشر في وصول الأنظمة العسكرية للحكم في البلاد العربية، وضاعفت هزيمة 1967 من هذا العامل، إذ أصبح شعار المرحلة التالية »لا صوت يعلو فوق صوت المعركة«، وأدي اندلاع الانتفاضة الثانية في عام 2000 إلي توجيه الغضب العربي نحو إسرائيل، بدلاً من استثماره في اسقاط الأنظمة العربية التي كان المبرر الرئيسي لوجودها »الصمود والمواجهة« إزاء إسرائيل، أو الأنظمة العربية الأخري الراعية للمفاوضات العربية الإسرائيلية. فكلا النوعين في الحقيقة نما وترعرع بدعمٍ ما من وجود إسرائيل. من هنا نفهم التخوف الإسرائيلي من الربيع العربي، ووجود أنظمة ديمقراطية جديدة ستسعي في الحقيقة لتعبر عن مطالب شعبها، وليس إلي مجرد البقاء في الحكم.
وعلي المستوي العالمي كانت الأجواء في غير صالح الشعوب العربية، إذ دفعت الحماقة التي قامت بها القاعدة في سبتمبر 2001 الولايات المتحدة إلي رفع شعار الحرب ضد الإرهاب، وما تبع ذلك من غزو أفغانستان ثم غزو العراق. ومرة ثانية يجد الشارع العربي نفسه في مواجهةٍ مع الخارج، وليس نحو إصلاح البيت الداخلي.
وتنجح الأنظمة العربية الديكتاتورية في كسب دعم الغرب تحت زعم أنها الحاجز الوحيد أمام تصاعد التيار الديني والإرهاب في المنطقة العربية. وتروِّج الأنظمة العربية لمقولة أن الديمقراطية ستأتي بالتيارات الدينية إلي الحكم، ضاربةً المثل بانتخابات الجزائر في التسعينيات، ووصول حماس إلي الحكم في الألفية الثالثة. ويستخدم مبارك دائمًا فزاعة الإخوان المسلمين، وضعف أحزاب المعارضة، وأنه لا بديل عن نظامه. ويسقط الغرب في ذلك الفخ ويتخلي عن تراثه الديمقراطي ليدعم أشد الأنظمة الديكتاتورية علي مستوي العالم آنذاك، الأنظمة العربية.
ويعترف الوزير الفرنسي الشهير »آلان جوبيه« في إبريل 2011، وفي ظل الربيع العربي، بخطيئة الغرب في دعمه للأنظمة العربية، بحجة مواجهة الإرهاب:
»لطالما اعتقدنا أن الأنظمة السلطوية كانت وحدها الكفيلة بصد التطرف في العالم العربي، لطالما تذرعنا بالتهديد الإسلامي لتبرير نوع من المحاباة إزاء حكومات كانت تنتهك الحرية وتعرقل نمو بلدانها. وفجأة يجدد العالم العربي الارتباط بتقاليد الانفتاح والتغيير والحداثة التي ميزته طيلة قرون، ربما قد أغفلنا ذلك نوعًا ما«.
وأدي كل ذلك إلي بقاء الأنظمة العربية في سدة الحكم لعشرات السنين، دون تجديد أو اجتهاد. ودخلت هذه الأنظمة دون أن تدري في شيخوخة متأخرة، وأصيبت بحالة من تصلب الشرايين السياسية. لا أنسي ما حييت منظر أحمد عز أثناء الانتخابات البرلمانية السابقة، وفي أثناء مؤتمر صحفي وجَّه أحد الصحفيين سؤالاً إلي »محمد كمال«، العقل المفكر لجمال مبارك، حول نتائج الانتخابات في دائرة كفر الشيخ وموقف حمدين صباحي، وقبل أن يُجيب كمال دفعه عز جانبًا قائلاً: »أنا الذي سأتحدث عن هذا الموضوع، الدائرة ديه تهمنا وعلشان كده غيرنا صفة مرشح الوطني علشان ناخدها من صباحي، وخدناها، وده يبيِّن قوة الحزب الوطني«. وفي أثناء ذلك كان محمد كمال ينظر إلي عز باستغراب وذهول، فكمال أستاذ السياسة كان يدرك أن ما يقوم به عز لا يمت إلي السياسة بشئ، إنه حالة من تصلب الشرايين السياسية، ونبوءة مبكرة علي أن النظام فقد رشده.
وفي تلك الأثناء كانت الأحوال في العالم العربي قد وصلت إلي نقطة اللاعودة وحتمية التغيير. وربما القاسم المشترك بين الدول العربية التي اندلعت فيها الثورة هو عامل الفساد إذ احتلت هذه الدول، وعن جدارة، مرتبة متقدمة في المؤشر العالمي للفساد. هذا التصنيف أعلي درجاته هي 178، تأتي ليبيا واليمن في القمة بدرجة تصل إلي 146 لكلٍ منهما، ثم سوريا 127 فمصر 98 وأخيرًا تونس 59.
كما تحتل هذه الدول مرتبة متقدمة في المؤشر العالمي للاضطرابات، إذ يصل مؤشر الاضطرابات في اليمن إلي 86.9٪، وفي ليبيا 71٪، وفي مصر 67.6٪، وفي سوريا 67.3٪، والغريب أن تونس والتي بدأت الربيع العربي يصل مؤشر الاضطرابات بها إلي 49.9٪. لكن هذا يمكن تفسيره بارتفاع نسبة التعليم في تونس إلي 78٪ وبالتالي ارتفاع نسبة الوعي السياسي، يضاف إلي ذلك ارتفاع نسبة البطالة في تونس إلي 30.4٪ بين الشباب، فضلاً عن القرب الجغرافي والمعرفي من أوربا.
وتشترك دول الربيع العربي كلها في ارتفاع نسبة التعليم ففي ليبيا 88٪، في سوريا 84٪، في تونس 78٪، في مصر 66٪، واليمن 61٪. وبصرف النظر عن مستوي التعليم، إلا أن أكثر المحللين يرون أن ارتفاع نسب التعليم في العالم العربي كان عاملاً مساعدًا علي نجاح الربيع العربي، وهذا ما يؤكده »آلان جوبيه« في تقريره:
»ظهرت الشرارات علي الموجات والشبكة العنكبوتية وغذتها وسائل الإعلام والشبكات الاجتماعية، بينما عززها شباب ديناميكي لم يفتأ تعليمه يتحسن، شباب يتوق إلي الانفتاح علي العالم«.
وربما يؤكد ذلك شهادة د.محمد أبو الغار عن نشاطه أثناء المظاهرات الأولي لثورة يناير، إذ يعترف بأنه ترك نفسه للشباب يوجهونه إلي التحركات وتغيير التحركات، وتطورات الموقف، وكيفية مواجهة الشرطة.
لقد أصاب النظام العربي التقليدي الشيخوخة وتصلب الشرايين السياسية والفكرية، ووجدنا رموز النظام القديم تهذي، بينما الشعب قد ولد من جديد وعرف طريقه. وجدنا بن عليّ يقول »فهمتكم«، ومبارك يقول »لم أسع يومًا إلي سلطةٍ أو جاه«، والقذافي يحدثنا عن »زنقة.. زنقة«، وعليّ عبد الله صالح يحدثنا »فاتكم القطار«، والمواطن العربي البسيط يقول في سخرية: »شكر الله سعيكم!!«.
ومع مجتمعٍ عربي أصبح الشباب يشكلون الأغلبية الديموغرافية فيه، كان لا بد من سقوط النظام القديم وإحياء الحلم القديم.
وفي قصيدة نارية أطلقها »عبد الرحمن الأبنودي« أثناء الثورة، وهو في منفاه الاختياري، مستعيدًا فيها شبابه:
عواجيز شداد مسعورين
أكلوا بلادنا أكل.. ويشبهوا بعضهم نهم وخسة وشكل
طلع الشباب البديع قلبوا خريفها ربيع
وحققوا المعجزة.. صحّوا القتيل من القتل
ويؤكد الأبنودي علي المقولة الأساسية في ورقتنا، أن الحلم قد تأخر:
الثورة فيضان قديم محبوس ماشافوش زول
الثورة لو جت ماتبنش في كلام أو قول
ولا أجد خاتمة لكلامي خيرًا من أبيات الأبنودي، فكما قلنا في المقال الأول، بينما تغير العالم منذ سقوط جدار برلين 1989، دخلت مصر والعالم العربي الثلاجة:
عشرات سنين تسكنوا بالكدب في عروقنا؟
والدنيا متقدمة ومصر مطرحها


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.